عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

وِزَارَةُ التَّربيةِ والتَّعلِيم.. فِي نِفُوسِنَا شَيءٌ مِنْ سَوْفَ!

تعني كلمة “سَوْفَ” التنفيس والتأْخير كما جاءت في لسان العرب، وقال سيبويه :”سَوْفَ” كلمة تنفيس فيما لم يكن بعد، أَلا ترى أَنك تقول: “سَوفْتُهُ” إذا قلت له مرة بعد مَرَّة سَوْفَ أَفْعل؟ ولا يُفْصل بينها وبين أَفعل؛ لأَنها بمنزلة السين في سيَفْعَل.
وقد شاع استخدامها من قبل فئة غير قليلة من المسؤولين – وبخاصة في وزارة التربية والتعليم – ووصل إلى درجة تحميلها ما لا تحتمل من الأثقال، ويندر استخدامهم “السين” ربما لأنها أقل تسويفا وتنفيسا، ولا تعطيهم فرصة كافية في المماطلة والتأخير لما اعتادوا عليه من تأجيل المشاريع، وما ألفوه من التباطؤ في إنجاز الأعمال فكان الاتكاء على سَوْفَ ملازما لبعضهم ملازمة شديدة.
يعتبر وجود المُسوف في ميدان العمل أداة قوية من أدوات تعطيل الأعمال وتأخيرها، وخفض الإنجاز، وتدني معدل الإنتاج، وشيوع عدم الانسجام بين العاملين؛ لأنه لا يكف عن طلب مزيد من الوقت عند كل مهمة تسند إليه، ويميل إلى الكسل، والبحث عن الأعذار، ويحتاج إلى المتابعة والتوجيه والتقويم باستمرار، ولا يمكن الاعتماد عليه في إنجاز أعماله – وبخاصة عندما يكون ضمن فريق عمل في مشروع يتطلب إنجازه سلسلة من المهام – وقد يضطر رئيسه إلى اللجوء إلى الإدارة الحازمة في التعامل معه؛ لأن التسويف عندما يصبح سلوكا وعادة راسخة يتحول إلى مشكلة كبيرة لها آثارها المتعدية، ويتسبب في خسائر فادحة، وهو أمر يحتم ضرورة البحث الدقيق عن الأسباب الحقيقية للداء وتشخيصه بدقة والوصول إلى أفضل الطرق المناسبة للعلاج.
إن أعمال وزارة التربية والتعليم تمس كُلَّ أسرة في هذا المجتمع الكبير حيث رعاية فلذات الأكباد وتعليمهم ورسم مستقبلهم، وربما استشعر مسؤولو الوزارة هذه المسؤولية الكبيرة فأسرفوا كثيرا في استخدام “سَوْفَ” وأشاعوا استخدامها في كل مناسبة حتى باتت قرينة لكل تصريح أو رد، وربما أقحموها في غير مكانها أحيانا حتى أصبحت من الكلمات التي لا يرغب الناس سماعها لاقترانها – غالبا – بوعود بعيدة المنال، وليس بمقدور أحد حصر تلك التصريحات التي استخدمت فيها “سوف” ولم يتحقق منها شيء رغم تعاقب السنين.
يمثل المعلمون الركيزة الأساسية في منظومة التعليم لكن تطويرهم أثناء الخدمة لا يزال يسير بأساليب وطرائق أقرب ما تكون إلى البدائية في أغلب خطط وزارة التربية والتعليم وبرامجها.
إن الوعاء الحاضن للعملية التربوية والتعليمية هو المباني المدرسية النموذجية لكن الواقع يقول إنه لا يزال كثير من أبنائنا وبناتنا يعانون من تلقي تعليمهم في مبانٍ مستأجرة تشكل نسبة كبيرة من إجمالي المدارس في أنحاء البلاد، ويتلقى آخرون تعليمهم في مدارس تعاني ظروفا رديئة في الصيانة والخدمات، وأعلن مسؤولون في وزارة التربية والتعليم – وهم في مستويات وظيفية مختلفة – بأنهم سوف يقومون بالتخلص من جميع المباني المستأجرة، ويعملون على تأهيل المدارس التي تحتاج إلى صيانة أو ترميم، وقد مضت تلك الوعود الكبيرة ومضت معها السنة المستهدفة للوصول إلى ذلك الهدف دون تحقيق شيء يذكر لشدة تعلق تلك التصريحات بسوف.
وأطلق المسؤولون في الوزارة مشروع تطوير تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية لكنه لم يرَ إلا بصيصا من النور حيث لم يتم البدء به كما خطط له، ثم عاد الحديث عنه مجددا في تصريحات تَصدرتها سوف.
وتحدث المسؤولون في الوزارة عن ضرورة إنصاف المعلمين والمعلمات في التعليم الأهلي بالتعاون مع صندوق الموارد البشرية وتطبيق سلم الرواتب الجديد لكن صراخ المعلمين والمعلمات لا يزال مدويا بسبب مماطلة كثير من المستثمرين في التعليم الأهلي في تنفيذ القرارات الرسمية، ولم يتمكن كثير من المعلمين والمعلمات من توقيع العقود الجديدة، وحثت مؤسسة التأمينات أصحاب العمل على إيداع اشتراكات موظفيهم وفقا لرواتبهم الجديدة دون جدوى، وقد استخدمت سوف في تصريحات مسؤولي المؤسسة للتلويح بإجراءات تبدو غير واضحة في حق ملاك المدارس الأهلية.
قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بمناسبة اليوم العالمي للمعلم: “ليست جودة التعليم في أي نظام تعليمي سوى انعكاس لجودة المعلمين”.
وقال أحد الحكماء موصيا: احذروا سوف!
وقالت مارلين بينكس: انظر في المرآة، هل ترى شخصا مسوفا؟
وقفة: قال أحد اللغويين: “أَموتُ وفي نَفْسي شَيءٌ مِنْ حَتَّى” ولم تزل عبارته حية وأضحت مثلا، فهل نقول للمسؤولين في وزارة التربية والتعليم: فِي نِفُوسِنَا شَيءٌ مِنْ سَوْفَ!

التعليقات (16):
  • نور الدين ٢٠١٢/١٠/١٨ - ١٠:٥٤ ص

    مبدع استاذي الكرم
    كعادتك دوما"

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٠/١٨ - ١١:٤٧ ص

    شكرا لك أخي نور الدين على هذا المرور ، دمت بخير

  • محمد سالم ابوراضي ٢٠١٢/١٠/١٨ - ١٢:١٧ م

    التسويف آفة العصر ومرض للهروب من العلاج صدقت أخي الأستاذ عبدالله وضعت يدك على أمراض الهروب من الوعود
    نفع الله بقلمك

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠١:٣٠ م

    سعدت بمرورك يا دكتور محمد بالمقال فمثلك أقدر على تشخيص الداء ، دمت بخير.

  • معلم للاسف ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٢:٢٨ م

    أصبت كبد الحقيقة
    بورك فيك

  • فارس ال عجل ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٢:٤٨ م

    أ / عبدالله احسنت

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٧:٤٦ م

    لا تأسف على كونك معلما يا أخي فأجر التعليم كبير وهو رسالة الأنبياء وألذ ما فيه أنك ترى ثمرة جهدك تنمو كل يوم .

    دمت صابرا محتسبا.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٧:٤٦ م

    شكرا لك أخي فارس على هذا المرور ، دمت بخير.

  • رغد بنت عبد العزيز ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٨:٠٧ م

    التسويف لغة من لغات الهروب المؤقت والمدمر لطمث الحقيقه واخفائها تحت شعار سوف الغير دائم , دمت ودام قلمك الرائع استاذ عبدالله

  • roula younes ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٨:١١ م

    استاذ عبد الله مبدع كالعادة وبوركت جهودك بس( سوف) تندرج ضمن الخطة الخمسية التاسعة للأعمال العالقة في كافة المجالات يعني من 2012 ل2022 الله يعطينا عمر ونحضر هاللحظة التاريخية التي (سوف )تحقق بها الأحلام!!!!!!!!!!!!!!!!!!

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٨:٢٥ م

    شكرا لك أخت رغد على هذا المرور وهذه الإضافة.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٨:٢٦ م

    أشكر لك هذا المرور أخت رولا وجميل إدراج الخطط الخمسية وتعلقها بسوف ، والأجمل هو ذلك الأمل بالتغيير.

  • roula younes ٢٠١٢/١٠/١٨ - ٠٨:٣٣ م

    بوجودك انت وقلمك وابداعك أكيد راح يتحقق كل شي ونلغي سوف من قاموس اللغة

  • محمد جمال ٢٠١٢/١٠/١٩ - ١٢:٠٤ ص

    بوركت استاذ عبد الله على مقالك الرائع هذا

  • عبد اﻷه مهدي الشمري ٢٠١٢/١٠/١٩ - ٠١:٥٩ ص

    أخي محمد اقدر لك هذا المرور الجميل بالمقال

  • ناصر الناصر ٢٠١٢/١٠/٢٠ - ٠١:٠٨ م

    دائما انت مبدع اخوي ابو اسامه وفقك الله دمت بود


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى