عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

أَبو رزق الشاعر.. أمْ سعيد المخترع؟

يقول أهل الأدب إن الشعر مرتبط بالشعور والمعرفة والإدراك لما خفي من الأمور، ويقول المعجميون إنه العلم في إشارة إلى القول: «ليت شعري» أي ليتني علمت الرد، ومما يذكر أيضا أن بعض الشعراء الجاهليين قد استمدوا شعرهم من الجن، وأن هذا التصور مرتبط بالعادات الغريبة المتصلة بنظمهم له ليلا، وما يظهر من أحوال على بعضهم أثناء بناء القصيدة أو عجزهم أحيانا عن قول بيت واحد -عدا ما كان لبعضهم من طقوس حين عزمهم على قول شعر الذم- وبناء على ذلك التصور اختلط أمر الشاعر والكاهن والساحر في أذهان كثير من الجاهليين.
كانت القبيلة العربية إذا نبغ فيها شاعر تحتفل وتفخر، فيتباشر أفرادها بنبأ ولادة الموهبة الشعرية الجديدة، وتزهو به لما سيأتي به من مفاخر ومدائح للقبيلة أو ما يدفع عنها من أخطار تجرؤ القبائل الأخرى -فهو لسانها المصقول- فبالشعر رُفِعَ أقوامٌ وَبه حُطَّ آخرون، ويبدو أن الاحتفاء بشاعر القبيلة لايزال -حتى اليوم- متجذرًا في نفوس العرب، وأنهم لم يستطيعوا الفكاك من تلك العادة التي ورثوها عن أجدادهم الأوائل، فها هم الأحفاد اليوم قد أحالوا كل الفضاءات المرئية والمسموعة والمقروءة إلى حلبات تفاخر كثر فيها الإسفاف بينما تتسابق شعوب العالم للتفرد بميادين الاختراعات والصناعة.
قال كعب بن زهير -رضي الله عنه- في قصيدته المشهورة «البُردة» التي نهج فيها طريقة الجاهليين بذكر المحبوبة في مطلعها، وأنشدها-معتذرا- بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كُلُّ ابنِ أُنْثَى وَإنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ … يَومًا عَلى آلةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
يولد الإنسان مرة واحدة، ويموت واحدة، وهما حالتان لا تتكرران – مهما طالت المدة بينهما- قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)، فلا بد من تلك النهاية المحتومة التي عرفها جميع البشر- مسلمهم وكافرهم- وإن طال بهم الأمل، وتوالت عليهم السنون، وامتد ببعضهم البقاء!
قرأت خبر وفاة الشاعر أبي رزق الزهراني -يرحمه الله- في «الشرق» بعددها الصادر يوم الخميس الماضي، وقد أحسن صياغة الخبر مراسلها في الباحة (علي الرباعي)، ومما تضمنه الخبر ألخص ما يعطي إضاءة عن الشاعر المتوفى -يرحمه الله- فاسمه عبدالرزاق بن سعيد الزهراني -ويكنى بأبي سعيد واشتهر بأبي رزق- وقد عاش بعيدا عن الأضواء في حياة امتدت إلى ما يقارب الثمانين عاما -وهي أقرب ما تكون إلى التقشف والزهد- وأنه تميز بعزة النفس والأمانة والجرأة في الموقف في شعره وقوله، وعرف بسرعة البديهة والطرافة ومهارة التعبير حتى وصفه بعض عارفيه بأنه بقية من قبيلة بني فَهم، وأن لأبي رزق فلسفته في تحليل المواقف والشخصيات، وقدرته على تمرير موقفه الشخصي، وأن قصائده تتميز بوحدتها الموضوعية، وكان له حضوره المتفرد بين شعراء العرضة في الباحة؛ لقدرته على التعبير والتأثير، ولمعاصرته عدة أجيال من الرموز الشعرية، وأن شعره وحكاياته وحكمته متفرقة في ذاكرة بعض أبناء مجتمعه ولم تجمع!
ورد سطر في خبر وفاة الشاعر (يرحمه الله) يشير إلى نبوغ ابنه (سعيد) ببراءة اختراع، وذلك السطر هو سبب كتابة هذا المقال حيث اجتمع الشعر والاختراع بالموت والحياة!
لقد خلّد الشعر أسماء الشعراء الجاهليين -وهي لاتزال حية بين الناس رغم تتالي القرون- وخلد العلم كذلك أسماء المخترعين الذين ننعم بكثير من اختراعاتهم، فالشعر والاختراع كانا سببين في حياة أسماء أصحابهما بعد موتهم.
فهمتُ من خبر وفاة أبي رزق أنه كنز لموروث شعبي سيندثر فذهبت إلى محرك البحث متتبعا خبر (المخترع) سعيد الزهراني، فوجدته في قناة تليفزيونية -تمنيت لو أنها قناتنا الأولى- يتحدث عن اختراعاته ومحاولاته الجادة في تطويرها، وهو شاب لم يكمل دراسته الثانوية، ويحدوه الأمل لتحقيقها بالعمل، وفي ثنايا حديثه قال: إنه بدأ اختراعه الأول بشوكة فيها مروحة لتبريد طعامه المفضل (أندومي)، وانتقل إلى التفكير في صناعة الطيران، وذكر أنه سافر في رحلة إلى روسيا من أجل ذلك، وذكر دعم مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية له، وختم حديثه واثقا بتحقيق هدفه.
وقفة: وأنا أشاهد الشركات العالمية تعرض منتجاتها وابتكاراتها المتعددة -على مدى أربعة أيام- في أجنحة معرض ومؤتمر أبو ظبي الدولي للبترول «أديبك 2012» قلت: هل سيجد الأعاجم مكانا بيننا لو كان الميدان شعرا؟

التعليقات (37):
  • حسن الغامدي ٢٠١٢/١١/١٥ - ١٠:٤٧ ص

    الشعر ديوان العرب و من دخله من غيرهم فقد هلك . يقول مثلنا الحجازي ( إللي تغلب به إلعب به ) ، و نحن نغلب بالشعر فلماذا تستكثر علينا بعض النصر و لو مؤقتاً ؟ يتدرّب الطفل عندنا على إلقاء القصائد و النكات قبل تدريبه على العناية بنظافته؛ و لهذا سيبقى الشعر ديوان العرب .

  • roula younes ٢٠١٢/١١/١٥ - ١١:١٨ ص

    أستاذ عبد الله تسلم يدك وتدوم ابداعتك المخترع الشاب ووالده هذا الشبل من ذاك الأسد

  • نور الدين ٢٠١٢/١١/١٥ - ١١:٤١ ص

    العزيز أبو اسامه مقال رائع
    و كل عام و انتم بألف خير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ١١:٤٢ ص

    دمت بخير أخي حسن وكل عام وأنتم بخير ما عنيته هو ألا ننصرف بالكلية للشعر فيكفينا عشرة شعراء ولكننا بحاجة إلى آلاف المخترعين ...

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ١١:٤٥ ص

    كل عام وأنتم بخير وعافية أخي العزيز نور الدين ،، شكرا لهذا المرور من أبو ظبي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ١١:٤٧ ص

    الأخت رولا

    وفق الله سعيدا إلى تحقيق هدفه وأعانه ويسر له من يدعمه من المسؤولين للوصول إلى مبتغاه ورحم والده الشاعر الفيلسوف كما يسميه أهل الباحة ..

  • فارس بن عجل ٢٠١٢/١١/١٥ - ١٢:٢٥ م

    الاستاذ: عبدالله ، اسعدالله اوقاتك
    أحسنت بحد ذاتة ابداع .
    وفقك الله،،،،،،،،،،،،،،،،،،

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ١٢:٣٩ م

    لدي صديق بجواري يقول :
    الشعراء يتبعهم الغاوون !
    ويقول أنهم يقولون ما لا يفعلون !
    ويقول : أنهن دائماً ضيوف , وما وجد أحدهم يقري الضيف !
    ويقول : أنهم دائماً يتسولون !
    ويقول : أن المجتمع لا يحترمهم , وأول دلائل ذلك أن المجتمع يجرّدهم حتى من أسمائهم :
    شاعر البلاط !
    شاعر السلطان !
    شاعر بني غطفان !
    ويقول : أنهم يمدحون كذبا من أجل الدرهم والدينار !
    ويقول : أنهم ناكرين للجميل !
    ويقول : أنهم يتلونون - فقد يمدح الشاعر في الصباح ويسب في المساء - نفس الممدوح !

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠١:٣٦ م

    شكرا لك أخي فارس على هذا المرور ... كل عام وانت بخير.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠١:٣٩ م

    أخي دعدوش ، كل عام وأنت بخير وصديقك

    لقد حجر واسعا صاحبك، وقل له يا أخي العزيز أن الحكم العام في غالبه حكم ظالم ، فالشعراء هم كغيرهم من البشر يختلفون في طبعائعم وعاداتهم ولو كان قوله صحيحا لوجدناهم نسخة واحدة ..

    دمتما بخير.

  • مزعل العنزي ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠١:٥٥ م

    كل عام وأنتم بخير عودتنا ياأبا أسامة دائماًعلى المقالات الهادفة وإنني أوافقك الرأي بأننا نحتاج الى الموزانة والإبداع في كل المجالات التي ترقى بالأمة من فكرية ورياضية وعلمية وما إلى ذلك وفقك الله وإلى المزيد،،

  • سليمان حمد الرويسي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٢:٢٣ م

    قلم فذ من أنامل رجل مبدع لك ودي ياأبو أسامه ....

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٢:٤٨ م

    مما نحفظ :
    1 // من الشعر التهامي :
    والله لولاك يا ام سكر
    ما ربناك يا ام شاهي

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٢:٥٠ م

    2 // من الشعر العسيري :
    يا جبال الظهارة سلميلي على منعا
    وان منعا تسلملي على وادي تنوما

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٢:٥٧ م

    3 // من الشعر المجالسي :
    البدع :
    يا ونتي ونة غرير مقل (ما قال) يابه
    شلّت امّه به ومات آب
    يعاد في السدة يقل للناس عم - عم
    ____________
    الرد :
    على الذي شب الكبد والمقل يابه
    راح في جهله وما تاب
    من بد خلق الله وشبه يا تعمعم !

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٠١ م

    4 // من شعر الشمال :
    هبت هبوب الشمال وبردها شيني
    ما تدفي النار لوحنا شعلناها
    ما يدفي الاّ حشا مريوشة العيني
    والى ظمينا شربنا من ثناياها

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٠٦ م

    5 // من شعر سعد بن جدلان :
    دخلت في الحب تصنيفة ورد اعتبار
    واجتزت كل المراحل مرحلة - مرحلة
    غلطان توي عرفت ان المحبّة دمار
    تقضي على حاضر العاشق ومستقبله
    واصبحت مثل العرب لفغان في قندهار
    ان حاربوا مشكلة , وان عوّدوا مشكلة

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٠٨ م

    6 // ومن حدري الطائف :
    يا ناس قولوا معي باطل
    كيف الغراب صاد قمرية
    غراب من جملة الغربان
    أسود ولا فيه أماريّة

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:١٣ م

    7 // ومن عقيق غامد :
    أنا لو ما تبيّنت الهدف ما رميت
    لجل لاخطيت مرّة يضحكون الرفاقة
    قالوا البندقة في ايده ولا قد رما (قد= قط)

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:١٧ م

    8 // ومن شعر بادية دعشوش :
    بعض الغنم عذّبت رعيانها حيّ هلم حيّ
    وحليبها راح للرعيان وتباشروا به
    وعيونها بعد ما تشرب من الدوش طيرة

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٢١ م

    9 // ومن ظهران الجنوب :
    قال :
    وش مع امخضر لا مدّيت بيدي ما يحيّون
    كنهم خايفين وتاخذ الحنا يديه
    وقالت :
    يا الله لا هبتني في دقل قوم ما يحنّون
    ياخذ امّمجر مني والكلبشة في يديه

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٢٥ م

    تصويب (1) :
    والله لولاك يا ام سكر
    ما شربناك يا ام شاهي
    _____________
    ( ام سكر = السكر )
    ( ام شاهي = الشاهي )

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٤٥ م

    10 // ومن شعر دوس :
    = قالت الزوجة " لزوجها عند رؤيته :
    يا صاحبي في المذاهب حل لك ما حرم
    واليوم تمضي علينا ما ترد السلام
    وانا الذي اكّلتك الصفري وحلو اللباب
    فان كان قلبك كرهنا لا توصّف قُله
    = قال الزوج الذي أخذت منه زوجته قسراً :
    في ذمتي ما كرهتك يا حمام الحرم
    يا ما تدرّجت في المسعى وباب السلام
    خصوص لا غرّد القمري على كل باب
    وفي شبابيك زمزم نسمع الصفق له

  • أبوتميم حمد الربيعة ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٤٧ م

    السلام عليكم أستاذ عبدالله مهدي الشمري وعلى ضيوفك الطيبين ,
    إنتاج الشعراء لا يكلف شيئا وليس فيه مغامرة ولم يعد لهم مخاطر كما كان سابقا , أما المخترع فهو يكلف أموالا طائلة وقد ينتج مستقبلا ما يكون خطرا,
    تحياتي ولايكاتي

  • أبوتميم حمد الربيعة ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٣:٤٧ م

    فسبكناه ورتوتناه

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٤:٢١ م

    سؤال للوالد الأديب الأريب / عبد الله مهدي الشمري ..حفظه المولى !
    كل عام وأنت , وأنا , وكافة أمة محمد بخير !
    هل تعرف يا طويل العمر - تعريفاً واحداً , في جملة واحدة " للشعر " ؟!
    أكون لك شاكراً لو أخبرتنا - فقد بحثنا حتى المغارات والكهوف ولم نجد جواباً شافياً !

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٤:٤٢ م

    وقال أحدهم شعراً جميلاً منه :
    ________________________
    = كنت اشوفك غير يا مقوّي عماي
    = وكنت اظنّك غيث يا كذب السحاب
    _______________________
    وحاول دعشوش يحاكيه فقال :
    _______________________
    = كنت لي نجماً يضوّي لي سماي
    = وانت مثل سهيل يبدي ثم غاب
    ______________________

  • دعشوش ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٤:٤٨ م

    وقيل :
    يقلون - والله أعلم - حان وقت الرحيل
    والمهدي المنتظر أصبح ظهوره قريب
    ويملأ الأرض عدلا بعد ظلم وجور
    إن كان هذا صحيح الله يعجّل بها

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٦:٠٧ م

    عزيزي أبا طارق الأستاذ مزعل العنزي

    إنه شرف لي أن أرى تعليقكم على هذا المقال ، وأشكر لك هذا المرور الجميل .

    كل عام وأنتم بخير.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١١/١٥ - ٠٦:٠٩ م

    أخي العزيز سليمان

    كل عام وأنتم بخير

    أشكر لكم هذا المرور الجميل .


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى