عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

الرسالة الإلكترونية.. وعد ووعيد

باتت الرسالة الإلكترونية أكثر وسائل الاتصال استخداماً وشيوعاً بين أفراد المجتمع -بل والأسرع- بسبب وجود وسائل التقنية الحديثة، وتوفرها في أيدي الناس -أعني تلك الأجهزة العجيبة- التي باتت لدى كثيرين كالنظارة التي لا يستطيعون الرؤية إلا من خلالها، فقد ينسى بعضهم أشياءه المهمة، ولكنه نادراً ما ينسى جهاز الاتصال الذي يستخدمه، فهو يتحسس وجوده كل حين.
بدأت الرسالة الورقية تتلاشى أمام زحف التقنية المذهل، بعد أن كانت هي الوسيلة الأكثر شيوعاً للتواصل لأجيال مضت، ومنها الرسائل العلمية التي كتبها العلماء والأدباء أو القادة والساسة، مروراً بالرسائل البريدية المستخدمة في عصرنا الحاضر، ولايزال بعضهم يحتفظ بعدد منها؛ لما تحمله من فوائد أدبية أو تاريخية أو علمية، وقد نشر بعضهم عدداً منها لندرتها أو لما تحمله من معلومات مهمة، وتحتفظ بعض الأسر المتحضرة بعدد من الرسائل المتبادلة بين أسلافها وغيرهم من رموز عصرهم لقيمتها ورمزيتها، ومما يميز بعض تلك الرسائل أن الرد كان يكتب على ظهر الرسالة الواردة لمرات عديدة؛ لندرة الورق، ولأن ذلك الجيل كان مقتصداً في أغلب أموره، ويعرف قيمة الأشياء معرفة حقيقية نابعة من تجارب وخبرات حقيقية، وتربية راسخة بعيدة عن انحراف القصد والمباهاة.
لقد أسرفنا في استخدام الورق بطريقة سيئة، نبدأ ذلك مع أطفالنا في مدارسهم التي يبالغ المدرسون والمدرسات فيها بطلبات الدفاتر المتنوعة في بداية كل فصل دراسي، وتمر الشهور فلا يكاد يكتب في بعضها إلا قليل، حيث أصبحت الكتابة نادرة فيها بعد أن تحولت إلى كتب المراحل الأولية الزاخرة بالتدريبات المختلفة في صفحاتها، وأسرفنا في طباعة الكتب في زمن انتقل العالم من حولنا إلى استخدام وسائل التقنية الحديثة –ولم ينل أي نظام تعليمي عربي مكاناً في قائمة العشرين الأفضل على مستوى العالم- فانتقل الإسراف والتبذير من المدارس إلى وزارات الدولة ومؤسساتها في حلقة غير متناهية، ومع التطور المذهل لوسائل الاتصال لم يعد استخدام الرسائل الورقية شائعاً إلا في المراسلات الرسمية -رغم توجه الدولة إلى ما يسمى بالحكومة الإلكترونية- لكن بعضهم لايزال يصرّ على استخدامه خوفاً من التقنية وعدم ثقة بها.
لقد بات كل إنسان يرسل ويستقبل عدداً غير قليل من الرسائل عبر وسائل الاتصال المختلفة، ويقرأ بعضاً مما يدون في مواقع التواصل الاجتماعي التي يجد فيها ما هو مفيد ونافع وما هو ضار وسيئ، ويكشف كثير من التدوينات ضعفاً في اللغة كتابة ونحواً -حتى عند من يحسبهم بعضنا قامات علمية أو أدبية- ومن الناس من يقوم بتمرير ما يرده من رسائل للآخرين وهو لم يقرأها ربما لما تحمله من إلحاح بضرورة تمريرها، ووعد بنوال حسنات كثيرة أو خوفاً من الوعيد بالويل والثبور والخسران المبين في حالة توقفها دون تمرير، ونادراً ما أقوم بتمرير شيء منها لخوفي الشديد من تحمل أعباء أخطائها أو صحة محتواها، وأحتفظ بالرسائل المميزة مما يصلني عبر البريد الإلكتروني لما فيها من فوائد، وأضعها في أرشيف خاص لأعود إليه -وهو سلوك أمارسه منذ سنوات– وقد عدت هذه الأيام إلى ذلك الأرشيف في زيارات متفرقة فوجدت في ذلك شيئاً من المتعة، ومن بين الرسائل المميزة وجدت رسالة تحمل مجموعة من الأقوال الرائعة لم ينسبها مرسلها لإصحابها؛ لعدم قناعته بحقوق الملكية الفكرية فيما أظن –وبعض الظن إثم– وهو أكذب الحديث، ومن بينها:
السعادة: إحساس تحصل عليه عندما تكون مشغولاً لدرجة لا تستطيع معها أن تحزن.
الشفقة: لا تدل على الحب بقدر ما تدل على الاستعلاء، وإذلال الشخص الذي نشفق عليه؛ لأننا قد نشعره بأنه أضعف أو أدنى منا.
الصراحة: شعرة بين الصدق والوقاحة.
التناقض: أن تنادي بفكر لا تطبقه.
الكبر: ما وجدَ أحدٌ في نفسه كبراً إلا من مهانةٍ يجدها في نفسه.
الاعتذار: تفاهم مع تأنيب الضمير.
الحياة: مملوءة بالحجارة فلا تتعثر بها بل اجمعها، وابنِ بها سلماً تصعدُ به نحو النجاح.
الفاشلون نوعان: الأول فكرَ ولم يفعلْ، والآخرُ فعلَ ولم يفكرْ.
الثرثار: إنسان تسأله عن الوقت فيشرح لك كيف صُنعت الساعة.
كانت كتابة الرسائل هواية لها محبوها وممارسوها «هواة المراسلة»، وقد كوّنوا من خلالها صداقات دون أن يلتقوا، وتم وأدها بعد اتساع نطاق الشبكة العنكبوتية التي نسجت خيوطها المتينة حولها.
قُلْتُ: الصَداقةُ استثمارٌ طويلُ الأجلِ لا يَعي مَداهُ المُستغلون.

التعليقات (10):
  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٢/٦ - ١٠:٥٠ ص

    حمدا لله على سلامة " فريق الشرق " وحمدا لله على تجاوز الحدث، وحمدا لله على رؤيتنا لإشراقة جديدة من الشرق.

  • نور الدين ٢٠١٢/١٢/٦ - ١٢:٣٨ م

    التي باتت لدى كثيرين كالنظارة التي لا يستطيعون الرؤية إلا من خلالها
    تشبيه جميل و دقيق

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٢/٦ - ٠٢:٣٧ م

    أشكر لك المرور الجميل، وهي شهادة أعتز بها ...

  • حسن الغامدي ٢٠١٢/١٢/٦ - ٠٦:٤٤ م

    مساء الخير . يبدأ الناس من نقطة واحدة عند صعود الجبل ، يصل بعضهم إلى القمة و يكتفي آخرون بسفح الجبل . اما البعض فيفضّل البقاء حيث ينتمي ..في القاع ، صعود قمم الجبال ( أنا جبلي المولد و النشأة) رياضة لا تصلح لمن يفضّل القاع او الأودية السحيقة و المستنقعات .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٢/٦ - ٠٨:٥٥ م

    تبدو ثائرا يا حسن !

    من المؤكد أن همم الناس متباينة ، وأحلامهم كذلك ، ويختلفون في إمكاناتهم وحظوظهم من علم وذكاء وتوفيق ...

    دمت مرتفعا يا أخي حسن!

  • دعشوش ٢٠١٢/١٢/٦ - ٠٩:٤٠ م

    رأي حكيم من حكيم الشرق / حسن الغامدي , ورد رائع من كاتب أروع / عبد الله مهدي الشمري !
    مداعبة (يا ليتني من عرب شمر) !
    ولكنني جبلي كالشاطر حسن !
    عمر أبو ريشة قال يوم أكل الثور الأبيض :
    أصبح السفح ملعباً للنسور (*) فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري (*)
    لملمي يا ذرى الجبال بقايا النسر (*) وارمي بها صدور العصور (*)
    يا حسن .. لا يعيش الان في القمم إلا الوعول أما النمر العربي فاستبيح حماه ومات كمداً !
    لا أدري أن كنت أهذي - فقط لا غير !
    والهذيان دليل ترويض !
    ألم يكتب الشيخ شكسبير : ترويض النمرة ؟!
    لم يروّض النمر - ولكنه اختار النمرة لكي تسير العجلة ويسهل التلاقي حتى ولو في منتصف الطريق !
    وتستمرالحياة !

  • عقيل عايد الشمري ٢٠١٢/١٢/٦ - ١١:٤٠ م

    ابداااااع ابا اسامه

    كما عرفتك وعهدتك

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٢/٧ - ٠١:١٦ ص

    أخي دعشوش الرائع والمثري دوما ( فتى غامد )

    لو كان الأمر لي لعاقبت صاحب الأغنية ( عرب شمر ) !

    أتشرف بك أخا عزيزا .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٢/٧ - ٠١:٢٢ ص

    أخي دعشوش الرائع والمثري دوما ( فتى غامد )

    يسعدني وجودك وتسعدني إضافاتك الجميلة والمتميزة - شيخ المعلقين - فهي تزيد الموضوع ثراء وعمقا.

    لو كان لي من الأمر شيء لعاقبت صاحب الأغنية !

    أشرف بك أخي العزيز .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٢/١٢/٧ - ٠١:٢٣ ص

    أخي أبا بندر

    إن سعادتي بوجودك غامرة أخا وصديقا وزميلا عزيزا أعتز به .


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى