عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

اللُّغَةُ العَرَبيَّةُ.. بين العَثْمَنَةِ والأَخْوَنَة والسَّعْوَدَة!

يعتز كل شعب أو عرق بلغته فهي هويته التي تميزه، ويرتبط بعلومها وآدابها وفنونها المختلفة، ويدافع عنها بتمسكه بها واستخدامه لها في كل شؤونه، وهناك أمثلة كثيرة لبعض الشعوب التي لا تتحدث إلا بلغتها بل وتتعصب لها تعصباً شديداً، ومن يتخلى عن لغته فهو يعاني ضعفاً وهزيمة داخلية، حيث ينقاد لغيره ويتبعه ويقلده- كما قال ابن خلدون في مقدمته- وهو أمر نعيشه اليوم- مع كل أسف- وقد حذر منه كثيرون في القرن الماضي، وما قصيدة حافظ إبراهيم في رثاء اللغة العربية إلا واحد من تلك التحذيرات.
لغتنا العربية لغة راقية جميلة، وهي أثرى لغات العالم وأدقها، وقد شرفها الله بأن جعلها لغة كتابه الكريم الذي تكفل بحفظه في قوله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» – وهو حفظ يشتمل على حفظ اللغة- وهي لغة السنة المطهرة، ومعجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي وهبه ربه مجامع الكلم، ولغة أهل الجنة، والوعاء الحافظ لتراث العرب والمسلمين عبر القرون، وإتقانها يحقق الإبداع الفكري في كل المجالات. لقد انشغل العالم بوصول الإخوان المسلمين إلى حكم مصر -ربما لأن مصر هي أم الدنيا كما يقولون- فهناك من يربط بينهم وبين الأحزاب في تركيا وتونس وغيرها، وهناك من يحذر من خطرهم -في الداخل والخارج- وهناك من يؤيد ويدافع، ومن يشكك ويعارض ويؤكد أنهم يسعون لأخونة الدولة المصرية -ولأن الحديث ذو شجون- فقد جاء في إحدى الوصايا العشر لحسن البنا – مؤسس الجماعة: «اجتهد أن تتكلم العربية الفصحى فإن ذلك من شعائر الإسلام».
كانت الأبجدية التركية العثمانية عربية الحرف حتى عام 1928 حيث قام كمال أتاتورك بتغيير أبجديتها إلى اللاتينية، فقد كان مبهوراً بالغرب، ومقلداً لهم حتى في ملبسه، فانفصلت الأمة التركية -خلال عقود- عن تراثها انفصالاً تاماً، فلم تعد قادرة على الوصول إليه باستثناء المتخصصين -وهم قلة- كما يذكر الدكتور محمود الدُّغيم في أحاديثه وكتاباته. لقد حاولت الحكومات التركية المتعاقبة -دون يأس- أن تحصل على عضوية السوق الأوروبية المشتركة، وبذلت كثيراً من الجهود الشاقة، وأعطت التنازلات الكبيرة، ولم يتحقق لها هدفها، وهو أمر شغلها عن الالتفات إلى العرب خلال كل تلك العقود -رغم ما يربطها بهم من دين وتاريخ مشترك- وربما اقتنعت الحكومة التركية الحالية بزعامة حزب العدالة والتنمية -الحاكم منذ عشر سنوات- وحاولت التقارب مع العرب والمسلمين والاهتمام بالمشكلات العربية والإسلامية، وكانت وماتزال تحاول جادة بأن يكون لها دور في المنطقة العربية بشكل خاص، وهو أمر يرتبط بمبادئ الحزب الذي يقوده أردوغان الذي يواجه اتهامات من الداخل والخارج بأنه يسعى لعثمنة الدولة التركية. يقول فهمي هويدي أنه سأل أردوغان عن العثمانية الجديدة فى حوار أجراه معه فكان رده: «إن المصطلح مغلوط ولا يحبذ استخدامه، وهو تعبير يبستر الماضي، وينتقص من قدره، كما أنه يستدعي إلى الذاكرة مرحلة اندثرت، ولا سبيل إلى إحيائها، وإن جاز التعلم من دروسها والاستفادة منها».
ينسب للدكتور علي بولاج -الكاتب في جريدة الزمان التركية- قوله: «مضت عصور طويلة علينا فى تركيا ونحن فى عزلة عن بقية الدول العربية، واليوم بتنا ندرك جيداً مدى أهمية توثيق العلاقات مع دول الشرق الأوسط بوجه عام، ومع مصر تحديدا»، وأنه بدأ حديثه بمثل تركي: «لا تندم على ما فات، ولا تبكِ على ما فات.. فهذا يوم جديد».
وافقت الحكومة التركية على المقترح الذي قدمته وزارة التعليم بإضافة مادة اللغة العربية ضمن مناهج الدراسة، وقررت البدء بذلك بعد استكمال التجهيزات اللازمة، ويؤكد كثير من المتابعين أن اللغة العربية في تركيا تشهد انتشاراً غير مسبوق في عهد الجمهورية، حيث يرى حسين يازجي رئيس قسم اللغة العربية في جامعة إسطنبول، أن ذلك يعود إلى تحسن العلاقات الثنائية والتجارية والسياسية بين تركيا والدول العربية، وقوله -في نظري- أدق من تبرير قناة «بي بي سي» التي عزته إلى الروابط الدينية والسياسية والتجارية والتاريخ الطويل بالعالم العربي والإسلامي، وتقول الدكتورة هدى رشوان :«من يزُر تركيا يدرك تقديس الأتراك الذين يدين غالبيتهم بالإسلام للغة العربية..».
وقفة: مايزال مشروع السعودة «توطين الوظائف» يسير ببطء شديد، ومن الأمور التي ساهمت في تعثره وفشله إصرار الشركات الوطنية الكبرى على استخدام اللغة الانجليزية في جميع أعمالها !

التعليقات (22):
  • عبدالله العميد - دبي ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٨:٢١ ص

    1 - الاتراك عانوا ولا زالو يعانون من النظرة الدونية لهم في المانيا خاصة واوربا عامة..وما تعاطف فرنسا مع " الارمن " ببعيد..2 - عار ايما عار هو ما يحدث للغة الضاد حاليا مد عالمنا العربي تعليما واعلاما واعلانا..عل الله جل في علاه ان ييسرللغة القران من يوقف " تسونامي " التغريب المريب.

  • يماني ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٨:٣٥ ص

    أكثر من رأيتهم يقدسون اللغة العربية ويهيمون بها السوريين والمثقفين من السودانيين

  • سلطان الاكلبي ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٩:٠٤ ص

    مقال في الصميم
    وياليت شعري هل نتحدث العربيه ونغرز في نفوس ابنائنا حب لغتنا والاعتزاز بها.
    قد تجد الكثير ممن يتحدثون اللغه العربيه يفتخرون باجادتهم لغات اخرى ولكنهم لا يفخرون بلغتهم؛ ومن وجهة نظري الشخصيه ارى ان اللوم على الحكومات وليس على الافراد كما تفضلت في وقفتك مع السعوده. فمن اجل لقمة العيش قد يتخلى الانسان عن مبادئه اذا اضطر لذلك.

    اشكرك ابو مهدي

  • أبو الفضل القونوي ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٩:٢٤ ص

    مقال جيد رصد لمحة من التاريخ والواقع .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١١:٤٦ ص

    أخي عبد الله العميد من دبي دار الحي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك، وأشاركك الألم والحزن في آن!
    إن ما تتعرض له اللغة من تشويه هو بسبب جهل أبنائها بقيمتها!
    أسأل الله أن يعيد لها مجدها وأن يعلي شأنها في نفوس أبنائها.
    لك تقديري ومودتي.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١١:٥٠ ص

    أخي يماني
    الحكمة يمانية
    واليمن أس العرب
    وكنت أقرأ قبل قليل عن مدينة زبيد اليمنية تاريخا وآثارا وعلماء وصناعة ...
    أتفق معك أن إخواننا السورين الذين نسأل الله لهم النصر على من يسومهم العذاب هم من أكثر العرب اعتزازا باللغة العربية وما تزال كليات الطب لديهم تدرسه باللغة العربية.
    وإخواننا في السودان يجري في عروق أبنائه حب العربية كما يجري في أرضه النيل وفروعه ...
    لك تحياتي وتقديري

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١١:٥٦ ص

    أخي سلطان الأكلبي
    سعدت بمرورك الرائع وتعليقك يتفق مع ما نعانيه جميعا ..

    نعم أؤيدك بأن على المؤسسات الرسمية مسؤولية كبيرة في الحفاظ على اللغة العربية والاعتزاز بها وبيان فضلها وأهميتها وشرف التمسك بها.

    إن على الجامعات ووزارات التربية والتعليم ووزارات الثقافة والإعلام في الوطن العربي مسؤولية كبيرة تجاه اللغة وعلى أئمة المساجد والوعاظ مسؤولية تذكير الناس بأهمية اللغة وشرفها المستمتد من شرف كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام .

    لك خالص تقديري

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١١:٥٧ ص

    أخي أبا الفضل

    زادك الله فضلا ورفعة

    شهادة أعتز بها وأشرف

    لك تحياتي واحترامي

  • يماني ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٢:٤٤ م

    أشكرك أستاذ عبدالله على ردك واشادتك بيمن الايمان زادك الله قدرا وحكمةً ونورا

  • أحمد شلبي ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٣:٣٣ م

    لاشك ـ أخى عبدالله ـ أن لغتنا العربية ـ تحتاج منا ـ العرب ـ أن نبرها ونحسن إلى أننفسنا بإجادتها وصحتها حتى يتحمس غير العرب إليها خاصة المسلمين لأنها ستفتح لهم أباب الفهم المباش لنصوص الدين والتراث اإسلامى العظيم , ولكن للأسف نجد أن مؤسساتنا التعليمية والإعلامية لا ترحم هذه اللغة الحساسة من اللحن والخطأ , فلا بد من التشدد لغيا لكل من يكتب أو يخاطب الجماهير ساء فى الصحف أو وسائل الإعلام مسموعها ومرئيها ويكون ذلك شرطا أساسيا فى تأهيله , مع تخصيص البرامج النقدية للأخطاء اللغوية كتابة ونطقا , لقد قال حافظ إبراهيم ما قال وهو يعاصر شوقى ومحمد حسين هيكل والعقاد والمازنى وخليل مطران وشكيب أرسلان وابن العثيمين الأب والابن والكاظمى والرصافى ...وكثير غيرهم ممن تفخر بهم العربية , فماذا قوله الآن لو أدرك واقعنا اللغوى ؟

  • أحمد شلبي ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٣:٣٧ م

    لاشك ـ أخى عبدالله ـ أن لغتنا العربية ـ تحتاج منا ـ العرب ـ أن نبرها ونحسن إلى أننفسنا بإجادتها وصحتها حتى يتحمس غير العرب إليها خاصة المسلمين لأنها ستفتح لهم أبواب الفهم المباشر لنصوص الدين والتراث الإسلامى العظيم , ولكن للأسف نجد أن مؤسساتنا التعليمية والإعلامية لا ترحم هذه اللغة الحساسة من اللحن والخطأ , فلا بد من التشدد لغويا لكل من يكتب أو يخاطب الجماهير ساء فى الصحف أو وسائل الإعلام مسموعها ومرئيها ويكون ذلك شرطا أساسيا فى تأهيله , مع تخصيص البرامج النقدية للأخطاء اللغوية كتابة ونطقا , لقد قال حافظ إبراهيم ما قال وهو يعاصر شوقى ومحمد حسين هيكل والعقاد والمازنى وخليل مطران وشكيب أرسلان وابن العثيمين الأب والابن والكاظمى والرصافى …وكثير غيرهم ممن تفخر بهم العربية , فماذا قوله الآن لو أدرك واقعنا اللغوى ؟

  • نور الدين ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٦:١٦ م

    لا ضير من الاهتمام باللغة الانجليزية لانها حاليا لغة العلم و الأعمال و لكن أهمالنا للغة العربية في المدارس و المؤسسات هو المزعج
    و للأسف هنالك ظاهرة منتشرة وهي ان بعض الشباب لا يتحدثون إلا بالإنجليزية ٌفيما بينهم لدرجة ان بعض العلماء اعتبروا هذا نوع من أنواع الرياء

  • عبدالرحيم الميرابي ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٨:١٣ م

    أستاذي الكاتب القدير عبدالله مهدي الشمري.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    مقالٌ رائعٌ ماتعٌ.. أفدت منه كثيراً.
    تقول: يعتز كل شعب بلغته، ويدافع عنها ويستخدمها في كل شؤونه.
    وأقول: أتألم حين أسمع بعض مثقفينا، يدرجون كلماتٍ أجنبية في حديثهم بدلاً عن العربية، دون حاجة إلا لأن المغلوبَ مفتونٌ بتقليد الغالب.
    وتقول: "هناك أمثلة كثيرة لبعض الشعوب التي لا تتحدث إلا بلغتها بل وتتعصب لها تعصباً شديداً".
    صَدَقت وايم الله.. وقد لاحظت ذلك على الشعب الفرنسي، على الرغم من أن لغتهم هي في الأصل إحدى لهجات اللغة اللاتينية، وليست لغة أصيلة كما عليه العربية، التي وصفتها في مقالتك القيمة: بأنها أثرى لغات العالم وأدقها، وأن الله شرفها بأن جعلها لغة كتابه العظيم لكل البشر.. وجعل منها معجزةً خالدة لرسولنا صلى الله عليه وسلم، الذي وهبه ربه جوامع الكلم.
    بوركت- سيدي- وبورك قلمك العربي الأصيل.

  • أبوتميم حمد الربيعة التميمي ٢٠١٣/٢/١١ - ٠٨:١٦ م

    السلام عليكم أستاذ عبدالله الشمري وعلى ضيوفك الطيبين ,
    من الأفضل أن يبدأ الأتراك تعلم اللغة العربية كمحادثة ثم قراءة وكتابة وألا يبدأوا بدراسة النحو حتى لا يشق على التلاميذ فيكرهوها.
    تحياتي وإعجاباتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١٠:٠٧ م

    الأستاذ والأخ والصديق أحمد شلبي

    شرفت بمرورك بالمقال وسعدت بما أضفته من معينك الصافي حبا للغة فأنت الأديب والشاعر الناقد الرائع الذي أعتز بصداقته.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١٠:٠٨ م

    الأستاذ نور الدين
    إن مرورك بالمقال شرف لي وأعرف اهتمامك باللغة وحبك لها ..
    سعدت بكلماتك

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١٠:١٦ م

    أستاذي شيخ كتاب الشرق الدكتور عبد الرحيم الميرابي حفظه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سيدي طالما قلت أن بعض التعليقات على المقال تكون أهم منه وأكثر فائدة للقارئ بما تضيفه من معلومات وخبرات ورؤى ..
    فكيف إذا كانت هذه من الدكتور الميرابي وأمثاله ممن أتشرف بهم .
    لك احترامي وتقديري

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١١ - ١٠:١٨ م

    الأخ العزيز أبا تميم حمد الربيعة رعاه الله
    تحية معطرة لك ولمن مر بالمقال
    دائما ما تأتي بفائدة وأنت التربوي المخضرم - عهد المعارف والعهد الجديد عهد وزارة التربية والتعليم - فلقد نبهت إلى ما يعانيه طلابنا من أساليب التعليم - تعقيدات النحو - لك تحياتي واحترامي

  • محمد النافع ٢٠١٣/٢/١٢ - ٠٣:١١ ص

    أخ عبدالله إنشاء الله لا زالت اللغه العربيه بخير بفضل الله ثم المهتمين بها ومع ذكر هذا العنوان الجميل ياحبذا لو تعرج في مقال لاحق على( الخفجنه ) لتوطين الوظائف لسكان الخفجي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١٢ - ٠٣:٤٥ م

    أخي محمد
    أشكر لك المتابعة والسؤال عن مقالي في الخميس الماضي الذي نشر في يوم الاثنين لسبب خارج عن إرادتي!

    الخفجنة يا عزيزي موضوع كبير لا يحله مقال من كاتب مثلي !

    دمت متفائلا محبا للخفجي

  • مشبب البشري ٢٠١٣/٢/١٢ - ٠٩:٠٠ م

    استاذي القدير عبدالله مهدي الشمري
    ابدعت وتناولت موضوع تحتاجه الامه العربيه وينتظر تفعيله . واحلال لغتنا العربيه في كثير من القطاعات التي انعدمة فيها لغتنا العربيه . لينعم شبابنا بوضائف متعدده ومتوفره من خلال تفعيل اللغه العربيه في كل مكان والحد من اللغات الاخرى .... من سبقني اسهب في هذا الموضوع الشيق .
    شكرا لك استاذنا القدير على اطروحاتك الرائع وفقك الله

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/١٢ - ٠٩:٤٣ م

    أخي العزيز مشبب البشري

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سعدت بك قارئا ومتابعا ومهتما ...


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى