عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

المسافرون المتسوِّلون

مسافر اليوم لا يشبه مسافر الأمس حتى في حجم المشقة أو نوعها التي لا يخلو منها سفر، فقد تغيرت الوسائل والأحوال بشكل كبير وزادت التسهيلات، وهو غير خاف على أحد -دون شك- وإن تباين الناس في مستوى وسائلهم وإمكاناتهم، فالسيارات تختلف في الفخامة والراحة، وكذا الطائرات والسفن والقطارات في الدرجات، عدا ما يناله البعض من تسهيلات كبيرة إما بحكم وظائفهم العالية أو مالهم الوفير إن لم يبخلوا به على أنفسهم فليس للبخل دواء.
يتوقف سالكو الطرق البرية – ممن تجبرهم ظروفهم لقطع مسافات كبيرة – في المحطات على الطرق؛ للتزود بالوقود أو تناول طعام أو شراء ما يحتاجونه أو لأداء الصلاة، فتحصل لبعضهم مشاهدات أو مواقف أثناء ذلك -وهي في الغالب متكررة وبخاصة في المحطات الكبيرة- ومنها ظاهرة التسول التي يتعرضون لها من فئة استمرأت التكسب غير المشروع بوسائل الاحتيال والدجل المبنية على استغلال رغبة الناس في الخير، وحبهم للعون والمساعدة، وثقتهم الزائدة وحسن الظن الذي قد يصل عند البعض إلى حد السذاجة؛ إذ يعتبر أن كل هؤلاء المتسولين على الطرق أبناء سبيل تجب مساعدتهم، ويلزم مد يد العون لهم دون تدقيق وتثبت أو حتى الاستفادة مما يسمعه من تكرار مثل هذه المواقف، ويبرر قناعته بقوله : «أنا أعطي حسب نيتي» متناسياً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن كيِّسٌ فَطن» وهذا التساهل والسلبية شجعا المتسولين -ومنهم هؤلاء- على الاستمرار في ممارسة نشاطهم، ويؤكد ذلك كثرتهم عند الإشارات المرورية وأماكن التجمع -نساء ورجالاً وأطفالاً- بل وصل الأمر ببعضهم إلى قرع أبواب المنازل.
يختار المحترف -المسافر المتسول- هدفه من بين المسافرين بدقة شديدة، ويبدو أن تحديده لذلك الهدف يبنى على مواصفات وخبرات تراكمت لديه مع طول الممارسة والخبرة، فيقف بجانب سيارة الهدف إن تيسر له ذلك أو على مقربة منها، ويترجل ويبادره بما تعرض له من ظرف قاسٍ تسبب في نفاد ما معه من مال واضطراره للبقاء مع أسرته وأطفاله لعدة أيام من أجل إصلاح سيارته -ويشير إليهم زيادة في مباغتة الهدف والتأثير عليه- حتى أنه لم يبق معه ما يمكنه من الوصول إلى وجهته، أو يقف بسيارته في انتظار الهدف الذي دخل للشراء، فيعترض طريقه أثناء عودته لسيارته، فيبادره بتلك الديباجة التي تمرَّس عليها، ويعززها بافتعال الحرج واصطناع الاستحياء، فيحصل على مبلغ من هذا، وآخر من ذاك ثم ينتقل لمحطة أخرى، ويكرر الوسيلة، ويستمر في كسبه غير المشروع، فهو يدرك أن هذه المحطات مكان عبور لا إقامة، فيمكنه أن يقضي في المحطة الواحدة عدة ساعات دون أن يشعر به أحد أو يلتفت إليه.
هذا المحترف ليس مواطناً بل مسافراً من بعض الجنسيات العربية أو الآسيوية المقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي، يظهر ذلك من لوحات سياراتهم -إن لم تكن مزورة- ومثل هذه المشاهد ليست جديدة بل هي منذ سنوات -وماتزال تتكرر على كثير من الطرق- وقد شوهد مواطنون يمارسون مثل هذا الدور -وإن اختلفت الأساليب- لكنهم أقل من أولئك المسافرين الذين قد لا يكون سفرهم حقيقياً بل هو احتراف للتسول عبر رحلة عمل تجمع بين متعة السفر وكسب المال الوفير!.
إن هؤلاء المحتالين من المقيمين في دول مجلس التعاون هم غالباً ممن لديهم وظائف ذات دخل جيد -بكل تأكيد- مكنتهم من استقدام أسرهم، ومن شراء سيارات ثمينة يستخدمونها في سفرهم، الأمر الذي ينفي ادعاءاتهم بنفاد ما معهم من مال، وحتى إن سلمنا بنفاد ما معهم حقيقة، فبإمكانهم التصرف والحصول على المال بالطلب من أقاربهم أو زملائهم في العمل بالإيداع في حساباتهم البنكية أو التحويل، فيقومون بالسحب خلال دقائق من أجهزة الصرف الآلي المتوفرة في محطات الوقود على الطرق السريعة أو السحب عبر بطاقات الائتمان التي يحملونها، ولا يتحولون إلى متسولين يذكروننا بفيلم «المتسول» لعادل إمام!
إن تصديقنا لهؤلاء المتسولين، وغياب دور الأجهزة المعنية للقيام بمكافحة نشاطهم أمر سلبي زاد من نشاطهم، فالواجب إبلاغ الجهات الرسمية عنهم؛ لحماية المجتمع من خطرهم، كما أن على ملاك المحطات أو من يديرونها مسؤولية كبيرة في رصد المحتالين والقيام بمنعهم والإبلاغ عنهم، ووضع التنبيهات التوعوية والتحذيرية الواضحة للمسافرين.
وقفة : هذه المحطات وما يتبعها من مرافق لا تقل أهمية عن المجمعات التجارية والبنوك فهل سيتم إلزام ملاكها بتأمين حراس أمنيين؟

التعليقات (24):
  • سليمان حمد الرويسي ٢٠١٣/٢/٢٨ - ١٢:٥١ م

    الاستاذ عبدالله كلام في الصميم يبين لكل من يقرأ مابين السطور ان هذه الظاهره تحتاج الي أجتثاث من المجتمع والقضاء عليها.

  • ابو مهنا ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠١:٢٠ م

    مقال في التصميم

    حفظك الله أبا اسامة

  • سطام الهذال ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠١:٢٢ م

    لافظ فوك ..

    كلام في الصميم ..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠١:٥٥ م

    أخي سليمان
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك هذا المرور، نرجو معك أن تكون هناك معالجة لهذه المشكلة.
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠١:٥٨ م

    أخي أبا مهنا
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك مرورك بالمقال، لقد سبقت كلمة التصميم في مقالك، فعلا كم نحن محاتجون للتصميم في حل مشكلاتنا.
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠١:٥٩ م

    أخي سطام
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مرورك بالمقال رائع

    لك تحياتي

  • محمدالشعلي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٢:٤١ م

    السلام عليكم اخ عبدالله وزادك الله علما وعملا
    موضوع في قمة الأهميه
    لاشك الانسان المسلم نفسه عزيزه والانسان مرات تضطره الحياه الى فعل ذلك ولكن تبقى ضمن ايطاروضبط شرعي
    ولكن اذا كان عكس ذلك لاشك انهاطريقه غير حضاريه
    وتشوه الانسان نفسه والمجتمع بشكل عام
    يجب على من شاهدهم ان ينصحهم ويبين لهم ويذكرهم بالعزة
    والمرءوه والعقوبة من الله لهم ويكون لجنه توعيه لمثل ذلك
    بارك الله فيك ونتضرمنك المزيد يا محرك الضماائر

  • حامد صلال ال ظفيري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٢:٥٥ م

    الاخ عبدالله الشمري
    شكرًا من القلب على إثارة هذه الظواهر السلبية والتي من الممكن ان تتطور الى ما هو أبعد من التسول
    لك الشكر ثانية يا أبا أسامة وننتظر بفارغ الصبر الإجراءات لاجتثاثها

  • دعشوش ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٥:٢٣ م

    ( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) .

  • دعشوش ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٥:٢٨ م

    في الحديث الذي أخرجه أبو داوود - ولا أعرف درجته ( أعطوا السائل ولو جاء على فرس ) !

  • دعشوش ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٥:٣١ م

    يا أبا مهدي الحبيب !
    لو أعطى المليءُ الفقيرَ حقه - لما وجدنا نسبة كبييييييييييييييييييرة من المواطنين تحت خط الفقر , ومنهم من يترنح حوله ومنهم من يتعفف ويفترش الأرض ويلتحف السماء وبيته من الصفيح ....!

  • دعشوش ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٥:٤٩ م

    هل مال بيت المال فيه زكاة ؟!
    إذا كان فيه زكاة فحق السائل والمحروم وعابر السبيل والفقراء والمساكين كثييييير لأن أرقام ميزانية بيت المال فلكية !
    هذا من غير الأموال المستحقة عند :
    الأثرياء ..
    الهوامير ..
    السراق ..
    الغشاشين ..
    الفاسدين ..
    الذين تلاحقهم هيئة مكافحة الفساد فلا تجدهم !

  • عقيل الخمسان ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٦:١٩ م

    ابا اسامه
    مقالك اصاب الهدف وارضاء للقارئ ممالاشك فيه
    ولكن مايفترض ان ينال العناية والاهتمام من المسؤول الذي
    يتابع مثل هذه الفوائد المستخلصه من مثل هذه المقالات التي
    تختصر على المسؤول العناء وتوظيف الكادر للمتابعه وماعليه
    الا فقط مباشرة مثل هذه الحالات التي تطرقت لها اخي العزيز ابااسامه
    والاخطر من ذلك هو هاجس اهل الحبشه هذه الايام الذي
    يجب اجتثاث ظاهرتهم بالكامل
    ولعل من قرأ مقال الكاتب سليمان الفليح هذا اليوم في عموده
    هذرولوجيا ليعلم خطورة هذه العمالة السائبه او بالاحرى المتسلله
    نسأل الله ان يلطف بنا
    ودمت اخي بود لاينتهي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٨:٣٩ م

    أخي محمد
    أرسل لي الشيخ سلطان الشهراني عبر واتس أب معلقا على المقال يقول: لا يكاد يخلو سفر من موقف من هذه المواقف.
    وأنا شخصيا قد تعرضت لمثل هؤلاء غير مرة وكان آخرها منذ أسبوعين في محطة ( أبو حدرية ) وقبلها مرات عديدة.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٨:٤١ م

    أخي العزيز حامد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أتفق معك أن هذه الظاهرة في تزايد وأنه يجب التصدي لها وبيان خطرها وتحذير الناس منها وهو واجب على الجهات الرسمية قبل غيرها.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٨:٤٢ م

    أخي دعشوش
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أتفق معك أن في المال حقا غير الزكاة وابن السبيل قد نص عليه في الثمانية من أهل الزكاة ولكن هؤلاء ليسوا إلا محتالين يستغلون المجتمع لجمع المال

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٨:٤٤ م

    وهل تريد أن نستدل بما قلت أعطوا السائل ولو جاء على لكزس أو أم دبل يو عليها لوحة عمان أو الإمارات....

    هؤلاء محتالون ولو أن الجهات الرسمية وقفت لمحاسبتهم لظهرت أخبارهم ...

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٨:٤٥ م

    من المؤكد أن في بيت المال الكثير وعند أهل الخير الكثير ولكن الأصل أن تذهب تلك الأموال لمستحقيها لا للمحتالين يا أخي دعشوش ...

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٨:٤٨ م

    أخي عقيل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عزيزي أنت تضيف فوائد جديدة للمقال، أما عن متسللي أثيوبيا فلقد وصل أحدهم اليوم إلى رفحاء وتمت مطاردته - كما يقول الخبر - مطاردة ماراثونية حتى تم القبض عليه ...

    تبدو الأعداد كبيرة ويذكر المتحدث باسم وزارة الداخلية بأن العدد يصل إلى 100 متسلل كل يوم ...

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٢/٢٨ - ٠٨:٥١ م

    أخي الحبيب دعشوش
    أتفق معك أن هناك تقصيرا ممن أفاء الله عليهم بنعمة المال وأن بعضهم مقصر حتى فيما أوجبه الله عليه من الزكاة فلا يخرجها ...
    ولو صرفت الزكاة لمستحقيها ممن تجب عليه الزكاة لتحسن الوضع كثيرا ولساهم هؤلاء في مكافحة الفقر وساهموا في تحسين حالة كثير من الأسر ... ولكن هؤلاء المحتالين يقطعون الطريق على المستحقين المتعففين وهم كثير ...

  • ابو عبدالله ٢٠١٣/٢/٢٨ - ١١:٥٨ م

    الاخ ابو اسامة سلام الله عليك

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٣/١ - ١٢:٤٩ ص

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أبا عبد الله .

  • أحمد شلبي ٢٠١٣/٣/١ - ٠٩:٢٦ ص

    صورة مكررة في كل البلاد - مع اختلاف البيئات - بل فى في كل العصور , وهو ما يمكن أن يسمى بعولمة التسول , لأن المشترك واحد وهو أن يتخلى المرء عن حيائه ويدوس على الكرامة غير الموجودة من الأصل , ليس أمثال هؤلاء عابري سبيل , إنما هم مشوهو صورة الإنسان الذي كرمه الله عز وجل, فأين من يمده ممن قال فيه القرآن : " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف " .
    أحييك - أخي عبدالله - على محاربتك تلك الصور الرديئة المسيئة للمجتمعات .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٣/١ - ١٠:٢٧ ص

    أخي العزيز الأستاذ أحمد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أتفق معك أن ما يفعله هؤلاء دون حاجة بل هو طلب الاستزادة مصحوبا بفقد الكرامة وتدني المروءة .
    هؤلاء المحتالون ينافسون الفقراء الحقيقيين المتعففين ويسطون على حقوقهم.
    سعدت بمرورك المميز .


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى