عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

عُجَيْرِيَّات (1-4)

نُسبت الأصمعيات في تاريخنا الأدبي إلى الأصمعي، وكذا نُسبت المفضليات إلى المفضل الضبي، وقد راق لي أن أسمي أقوال الفلكي الكويتي الدكتور صالح العجيري –العُجيريات– فهو من أعلام المنطقة بل العالم العربي، إذ انصرف إلى علم الفلك -منذ صباه- واستمر على ذلك الاهتمام والتميز حتى بعد دخوله عقده العاشر منذ سنتين، فلقد قابلت الرجل في التاسع من يناير الماضي، وأجريت معه لقاء مطولاً في منزله كأول ضيف على «مجلة الخفجي» في بداية عامها الثالث والأربعين.
بدأ العجيري حديثه مرحباً بعبارات رائعة فصيحة، ثم انتقل للتعريف بنفسه قائلاً: أنا صالح بن محمد العجيري، وُلدت عام 1921 في الحي القبلي من مدينة الكويت، وعملت بعلم الفلك لعقود -ولا أزال- وأحمد الله الذي أفاء عليَّ من نعمه الكثيرة، فقد نلت التقدير خلال سنوات عمري المديد من قادة الكويت والخليج -كما تشاهدون هذه الشهادات والدروع والهدايا والصور- ولكنني أصبحت اليوم شبه أميٍّ أرى بعين واحدة، وأسمع بأذن واحدة، ولم أعد قادراً على القراءة والكتابة.
كان الرجل دقيق العبارة مرتب الأفكار –رغم أثر السنين– وأضاف أنه وُلد في فترة لم تكن فيها شهادات ميلاد، ولكن والده وثّق ولادته بالتاريخ الهجري –حيث كان معلماً وصاحب مدرسة- السائد في تلك الفترة، وبمقارنة التاريخ الهجري مع التاريخ الميلادي تبين له أنه يوافق الثالث والعشرين من يونيو 1921م.
وعاد بذاكرة يقظة إلى طفولته وصباه، حيث درج في الحي القبلي مستفيضاً بالحديث عنها -وكأنه يراها ويعيشها- بقدرة بارعة على التصوير، ومما قال: لم تكن توجد أي مظاهر للمدنية في الكويت إبان تلك الفترة، فالبيوت كانت بسيطة ومن الطين، وكانت طريقة بنائها مختلفة بشكل تام عما هي عليه اليوم، حيث تفتح الغرف على ساحة داخلية تمثل فناء المنزل، ولم يكن البناء من أدوار متعددة، بل كان أغلبه من دور واحد، وكان يسمى البناء فوق الدور الأرضي بالكشك –وهو نادر جداً- ومن أشهرها كشك الصقر الذي كان يستخدم مكتباً لأسرة الصقر، إذ كان حمد الصقر يلقب في ذلك الزمن بـ»ملك التمور» لأنه كان أشهر تجارها، وقد استشار الصقر في إنشاء مدرسة فأشار عليه الشيخ عبدالله الخلف الدحيان بالشروع في ذلك، واقترح عليه أن يكون والده محمد العييري مسؤولاً عنها، وقد أنشئت عام 1920، وهي تشبه «الكتَّاب»، وكانت أول مدرسة تستخدم السبورة على الحائط، وكانت تسمى «مدرسة العييري»، وهو اسم أسرته قبل أن يُحرف إلى العجيري، ولكنها أغلقت عام 1930 بسبب كساد تجارة اللؤلؤ وتردي الوضع الاقتصادي.
وذكر أن والده كان يقوم بالإشراف على نظافتهم، ويجلب لهم الأدوية ويرعاهم، ويحرص على تعويضهم حنان الأم، وكان يشعر هو وإخوته بحب أبيهم الكبير لهم، وأن والده -باعتباره صاحب مدرسة- أسهم في مساعدته في تنمية مهاراته بتوجيهه إلى القراءة وتشجيعه عليها واختيار الكتب المناسبة له، وتخصيص مدرسين خاصين له في التاريخ والجغرافيا، والفقه والنحو، ومصطلح الحديث خارج المدرسة، وأنه تنقل بين عدة مدارس -بعد أن ترك والده المدرسة- حتى استقر في مدرسة الملا مرشد التي كانت تدرس الحساب واللغة الإنجليزية، والأعمال التجارية، وتؤهل خريجيها لممارسة العمل التجاري؛ ليكون تاجراً -حسب رغبة والده- وأن مدارس الدولة في تلك الفترة كانت تؤهل للوظيفة الحكومية.
ومن طريف ما ذكر أنه أُهدي إليه صحن مزخرف مصنوع في الهند، فوضعت والدته غداءه فيه، فساء طعمه بعد أن أضاف المرق إلى الأرز حيث ذاب الطلاء؛ لأن الصحن كان مما يعلق على الجدار للزينة، ولم يعد يستسيغ وضع المرق على الأرز من ذلك الزمن البعيد.
وأنه عشق علم الفلك في صغره، ولم يكن يفرق في بداية الأمر بينه وبين غيره من العلوم الأخرى القريبة كالتنجيم، ومارس ألعاب الخفة أو ما يسمونه الألعاب السحرية فترة من الزمن ثم تركها، وقد عرض عدداً منها إذ لايزال يتذكرها.
ومما قال أنه كان في صغره يخاف الظلام والبرق، وصوت الرعد، وغيرها من الظواهر، فكان ذلك سبباً ودافعاً للتعرف على أسباب حدوثها -كما يقولون- «اعرف عدوك لتتقيه»، واهتم بذلك اهتماماً كبيراً، فأرسله والده إلى البادية؛ للتعرف عليها، وصقل شخصيته، فتعلم فيها الفروسية وغيرها من المهارات، وبهرته الصحراء بصفائها وسكونها، فتمكن من رؤية النجوم، وبدأ في تأملها ومراقبتها، فتكونت فيها بداية معرفته بعلم الفلك.

التعليقات (8):
  • سطام الهذّال ٢٠١٣/٣/١٤ - ٠٣:١٢ م

    الحديث عن العالم الفلكي
    العجيري حديث ذو شجون
    أشكرك اخي أبا أسامه
    على كتاباتك الرائعة ..
    التي عودتنا عليها ..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٣/١٤ - ٠٤:١٥ م

    أخي العزيز سطام الهذال

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    شرفت بمرورك بالمقال وأشكر لك كلماتك الرائعة تجاه هذا الشيخ العلم ( العجيري ).

    لك تحياتي وتقديري

  • فيحان السراي ٢٠١٣/٣/١٤ - ٠٤:٥٢ م

    موضوع شيق وكما هي العاده لقد في مقالاتك لقد دغدغت
    مشاعرنا بالمقالات الطيبه والمفيده والشيقه في آن واحد
    يستاهل الوالد العجيري هذه التسميه وهذا الاطراء وبحقه
    قليل.

    شكرًا ابو أسامه على ماتتحف به القارئ دائماً من معلومات
    مفيده. فحقا اريد ان اطلق على مقالاتاك اذا تسمح لي عبداليات او جدلانيات ايهما احب إليك

    تحياتي

    محبك/ ابو بندر

  • أبوتميم حمد الربيعة التميمي ٢٠١٣/٣/١٤ - ٠٦:٠١ م

    السلام عليكم
    مقال جميل
    تحياتي ولايكاتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٣/١٤ - ٠٧:١٥ م

    أخي فيحان السراي الزويمل
    سعدت بمرورك واشكر لك لطفك

    لك تقديري واحترامي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٣/١٤ - ٠٧:١٦ م

    أخي أبا تميم
    كم أسعد بمرورك

    لك تحياتي

  • حامد بن صلال الضفيري ٢٠١٣/٣/١٤ - ٠٨:٣٤ م

    اتمنى ان يسلط الضوء على كل مبدعي الامة والعصاميين وكل من شق طريقة بدون الاتكال على مال او نسب او جاه وحقق نجاح لا ينسب الا له بعد توفيق الله عز وجل لكي يكونوا نبراسا ودافعا لجيل الامة من الشباب لكي يقتدوا بهم ويستفيد من لديه ذرة طموح فهم مثال يجب ان يحتذى
    شكرًا لكاتبنا المبدع دائماً

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٣/١٤ - ١١:٤٨ م

    أخي حامد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بدأنا في المجلة مع بداية هذا العام باستحداث أبواب جديدة ومنها ضيف العدد وكان الدكتور العجيري أول الشخصيات أما الشخصية الثانية في العدد التالي فهو الأديب والكاتب خليل الفزيع وقد التقيته الأسبوع الماضي في الدمام وكان لقاء ثريا تناول خمسة عقود من عطائه الصحفي والأدبي

    لك تقديري واحترامي


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى