عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

عُجَيْرِيَّات (3/4)

كان طلب العلم في الماضي أمرا شاقا وعسيرا؛ لأسباب كثيرة ومعلومة، ورغم كل ذلك كانت همم الناس كبيرة، وعزائمهم قوية للوصول إليه، ولكن بعض الناس في حاضرنا – رغم سهولة أسباب تحصيل العلم وتنوعها وتيسر الظروف – آثروا التقصير وركنوا إلى الكسل.
يقول العجيري لم تكن الحياة في أيام الصبا معقدة بل كانت بسيطة جدا، وكانت الأسرة مترابطة، والجيران متعاونين في كل شيء، ومتراحمين بشكل كبير، وكانت الإعارة أمرا شائعا، وقد ساهم ذلك في تجاوز صعوبة تلك المرحلة في التخفيف على الناس، ورسم صورة مثالية للتكافل فيما بينهم، حيث كانت الموارد شحيحة للغاية، فمن كانت له حاجة في إناء أو غيره يستعيره ممن يمتلكه، وكانت النساء يعرن بعضهن المصوغات والملابس، ومما هو عالق في ذاكرته أن والدته أرسلته إلى جارتها بعلبة كبريت فارغة لتضع لهم فيها عودين، فيقول: «حتى بأعواد الكبريت تآخينا».
ويذكر أنه عرف عنه في صباه ميله للمزاح، وما يزال محبا الطرافة، وكان يستخدم ذلك الميل بذكاء وحكمة، فيضفي على المكان الذي يحل فيه جواً من المرح، فتكون ردة الفعل إيجابية من المقابلين؛ لأنهم يعرفون أنه لا يقصد الإساءة إليهم، ويذكر ممارسته للرقية الشرعية مع ما اعتراها من الخلل بسبب حداثة السن، وأنه اتهم بالشعوذة، ولكنه لا يؤيد اتخاذها مهنة ووظيفة، ويعقب بأن ممارسيها وأدعياءها قد كثروا وبات بعضهم يحتال على الناس؛ ليأكل أموالهم بالباطل.
ويضيف أنه أجبر على ممارسة الطب البيطري – بعد أن شاع ذكره في طب الأسنان – حيث كان لدى أحدهم حصان يستخدمه في النقل فمرض، فأتى به إليه ألح عليه بشدة ليعالجه، فاضطر أن يصف له علاجا، ويحمد الله – وهو يضحك – أن شفاه الله وإلا وقع في ورطة مع صاحبه.
ويذكر أنه انتقل عام 1938 إلى المدرسة المباركية تمهيدا لابتعاثه إلى بريطانيا بعد أن وقع الاختيار عليه؛ ليكون رباناً حيث كانت تقوم رؤية المجلس التشريعي على تأهيل من يعملون في البحر باعتبار الكويتيين أمة بحرية، فشرعوا في تهيئة مشروع الابتعاث؛ فاكتشف العجيري بعد انتقاله أن تأهيله في مدرسة الملا مرشد كان متطورا ومتميزا على أقرانه في المدرسة المباركية، ونتيجة لذلك التأهيل المتميز كان يعارض المدرسين في بعض مسائل النحو في كون الأسماء ستة وليست خمسة، وكان أول من ينتهي في تسليم ورقة الاختبار في جميع المواد، ولكن البعثة لم تتم بسبب الحرب العالمية الثانية، ولم يتيسر له إكمال السنة التالية لعدم وجود عدد كافٍ من الطلاب لفتح الصف الثالث الثانوي، وعين مدرسا في المدرسة الشرقية براتب شهري قدره سبع وأربعون روبية، وكان يذهب مشيا على فترتين، ولبعدها عن منزله طلب الانتقال في السنة الثانية إلى المدرسة الأحمدية، ثم عرض عليه أحد التجار العمل عنده بمائتي روبية ثم انتقل للعمل لدى آخر بأربعمائة روبية، واستمر حتى وصل راتبه إلى ألف ومائتي روبية.
وقد تزوج وعمره تسع عشرة سنة – وهو مع الزواج المبكر – لأن الأب يرى أولاده وأحفاده، ويذكر أن والده كان يرغب في تزويجه بابنة أخي زوجته بهدف استقرار الأسرة، ولكنه رفض إلا أن والده أصر على تزويجه، وأحضر المأذون وأعد عشاء للحضور، وعندما عرض عليه المأذون الموافقة رفض بشدة؛ فتسبب في إحراج شديد لوالده، فتركه الأب لثلاثة أيام ثم قال لزوجته: ابحثي لصالح عن زوجة، وإنه لم يشأ الزواج بابنة الجيران التي كان يرغب الارتباط بها إكراما لوالده، بل قال لزوجة أبيه ابحثي عن أي واحدة عدا ابنة أخيك، فتزوج، وكوّن أسرته وهو في بيت والده، واستمر زواجهما أكثر من ستة عقود.
كان العجيري ينام على الأرض لخمس سنوات بجوار سرير زوجته طريحة الفراش، ويقوم على شؤونها، وتساعده في ذلك ممرضة، واستيقظ على أنينها ذات ليلة في عام 2003 فإذا بالدخان يملأ المكان، فأسرع وأيقظ ابنه الكبير ومن في المنزل، وعاد إليها محاولا إخراجها، ولكن الإعياء أصابه فسقط، ولما دخل رجال الإطفاء المنزل وجدوه ممسكا بها، فنقلوه إلى المستشفى وأشيع خبر وفاته – ولكن الله أنجاه – وقد ذكر له رجال الإطفاء أنهم وجدوا ابنه محمدًا ممسكا بحديد النافذة، وسمع أنهم وجدوا أبًا يمسك بذلك الحديد في حريق آخر، ويقول إن دخول سارق إلى المنزل أهون من فقد إنسان، وينصح كل من لديه حديد على النوافذ أن يزيله.
يقول: أحن إلى الماضي كثيرا ففيه صباي وشبابي ورحلاتي وزواجي، وتكوين أسرتي وأبنائي.

التعليقات (0):

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى