عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

وقفات.. ومحطات!

يتميز عصرنا الحاضر بالسرعة التي طغت على كل شيء فيه بدءا من حركة الناس الذين لم يعودوا يتحلون بالصبر الذي كان عليه أسلافهم من قبل، كما بات التخصص سمة أساسية له، ولا يبالغ من يقول: إنه زمن التخصص الصِّرف، فتقديم الخدمات في هذا العصر يعتمد على التخصص بشكل أساسي؛ لأن الاقتصار على تقديم خدمة متخصصة واحدة يزيد من حرص مقدمها على جودتها، ويعطيه فرصة في المنافسة الجادة لمن يشاركونه في ذات النشاط، كما أنه يوسع دائرة فرص العمل وينمي الخبرات، ويزيد من تنوعها بشكل أفضل، ويعطي الجهات الرقابية الفرصة لمعرفة الأنشطة المختلفة بشكل دقيق؛ لتقييمها تقييما حقيقيا يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.
وعلى العكس من ذلك فإن من لديه خدمات مختلفة ومتنوعة في مكان واحد لا يستطيع – دون شك – أن يقدمها بمستوى عال من الجودة والمهنية، بل ربما يصاب بالارتباك أو يفقد السيطرة على أدائه، فيجنح إلى التساهل بسبب كثرتها وتنوعها حتى يصل إلى مستوى رديء في الأداء يكون سببا في عدم رضا المستهلك.
يدرك كثيرون غياب الشخصية لمحطات الوقود داخل المدن بشكل واضح، بسبب تعدد وتنوع أنشطتها وممارساتها المتنافرة بشكل تام؛ لأنها تعدت من حيث الممارسة الأنشطة المفترضة لها، وتجاوزت الغرض الأساسي من وجودها، وهو أمر يستدعي تدخل جهات الاختصاص بجدية، للقيام بدورها الرقابي، وإعادة النظر في إجراءات الترخيص لها من خلال دراسة حقيقية ومتكاملة تقف على أنشتطها المختلفة، وتقوم بتقييمها تقييما موضوعيا، وتضع لها الآلية المناسبة التي تحد من سلبياتها الكثيرة، وتقلل من أخطارها الشديدة – حيث إن بعضها في أماكن سكنية مكتظة – وقد تكون مشروع حريق لا سمح الله!
لقد تحولت هذه المحطات إلى مجمعات تجارية متعددة الأغراض تنافس كثيرا من المجمعات التجارية المتخصصة في أنشطتها المختلفة، ومنها: المواد الاستهلاكية، والملابس، والأواني، والأجهزة الكهربائية، ومواد التنظيف المختلفة، والمطاعم والوجبات السريعة والمقاهي، وبيع الفحم والحطب ومستلزمات التخييم، ومكاتب السفر والسياحة، وورش الصيانة المختلفة، ومحلات الزينة، وغسيل السيارات، وتغيير زيوتها وإطاراتها، وقد يكون بجانبها ركن للخضار والفاكهة مما يتعارض مع أبسط شروط الرقابة الصحية والسلامة، فجميع هذه الأنشطة أو بعضها نجدها في محطات الوقود داخل المدن، الأمر الذي يحدث زحاما شديدا، ويهدد بخطر كبير، ومشكلات متعددة، وتأخير لطالبي الخدمة الأساسية – تزويد السيارات بالوقود – فلا بد من فصل الأنشطة الإضافية الأخرى عنها، لعدم وجود الحاجة الملحة إليها داخل المدن، والغالب أن كثيرا من الأسواق في هذه المحطات تتميز بسوء التنظيم، وتدني النظافة، وسوء تصنيف للمواد الغذائية، وتخزينها، فبعضها تنتهي صلاحيته أو تسوء حالته؛ لتعرضه لظروف سيئة، وقد يتم بيعه لمستهلك يتضرر منه.
قد يكون الغرض الأساسي لكثير من قاصدي محطات الوقود داخل المدن هو الشراء، وليس التزود بالوقود مما يسبب زحاما شديدا أحيانا، وإعاقة لطالبي الخدمة الأساسية وتأخيرا لهم، فكم من شخص لم يستطع الدخول للتزود بالوقود؟
وكم من آخر لم يتمكن من الخروج بسيارته من المحطة بسبب وقوف خاطئ لمتسوق أوقف سيارته بمكان خاطئ، وتركها غير آبه بمن سيأتي بعده أو من جاء قبله؟
وكم من ملاسنة أو مشاجرة حدثت بين اثنين في تلك المحطات بسبب مثل تلك المواقف المتكررة؟
لكن لاختلاف الظروف بين محطات المدن، وبين المحطات الموجودة على الطرق الخارجية، فإن الحاجة ملحة لتوفير خدمات إضافية ومتنوعة وراقية في المحطات الخارجية؛ لبعد المسافات بين مدننا، واحتياج المسافرين إلى وجودها في مكان واحد، وعدم إمكانية توافرها إلا في تلك المحطات التي يتيح اتساع مساحاتها لمثل هذه المرافق الإضافية، وهي تعد وسائل جذب لقاصديها ممن يعرفونها – وفقا لمستوى تلك الخدمات – وقد يتورط من يمرون ببعض الطرق لأول مرة بمحطات سيئة – وهي تختلف من منطقة لأخرى – إذ ما يزال كثير منها يعاني قصورا كبيرا في مستوى الخدمات، وتدنيا شديدا في النظافة لا يمكن وصفه؛ لأنه غاية في السوء!
إن محطات الطرق السريعة تتفاوت في حجمها وكذا في الخدمات التي تقدمها لمرتاديها من المسافرين، بل إن بعضها يجب أن يتم إغلاقها نهائيا لسوئها ورداءتها وضعف الخدمات التي تقدمها بدرجة مخجلة بل إن بعضها لا توفر الحد الأدنى من الخدمات، لكنها تستغل وجودها في مكان متميز يدر عليها ربحا دون بذل جهد أو توفير خدمة مناسبة!
همسة: لقد أصبحت المجمعات التجارية المتخصصة متوافرة في أغلب مدننا، ولم تعد الحاجة قائمة كي تنافسها محطات الوقود في أنشطتها الأساسية، وتنازعها اختصاصاتها!

التعليقات (10):
  • دعشوش ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٧:٢١ ص

    صدقت !
    كل الأمور التي تكلمت عنها مُعتنى بها في دول العالم المتحضر !
    هل علينا أن ننتظر حتى نتحضر , ثم نقوم بما اقترحت - أخي الكريم ؟
    يظهر أن الواقع يقول ذلك !!!!!

  • دعشوش ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٨:٢٨ ص

    العنوان جميل جدا , وتناول معنى بقلم أجمل !

  • دعشوش ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٩:٤٦ ص

    أستاذي عبد الله بن مهدي !
    عليّ الطربوش يا ابن مهدي أ استراحات الطرق السريعة تسيء لبلدنا عند :
    الحجاج ..
    المعتمرين ..
    الزوار ..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/١٣ - ١١:٢٣ ص

    أخي دعشوش
    صباحك كله تفاؤل وأمل
    لطالما قلت أن كثيرا من التعليقات على قصرها تكون بمثابة مقال جديد غالبا ما يكون أفضل من المقال الأصلي !
    وهناك تعليقات تقوم بإضاءات على جوانب لم يتم التطرق لها في المقال الأصلي.
    أخي العزيز ، يسعدني مرورك المثري دائما.
    دمت بخير وعافية.

  • فارس بن عجل ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٣:١٢ م

    الاستاذ: عبدالله
    كالعاده مميز بمقالاتك ،
    اشكرك وفقك الله

  • ابوخالد ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٤:١٢ م

    ستكتب وتكتب ... ولن تنتهي مواضيع الكتابه
    دلني على شيء واحد أتقنا تنظيمه وترتيبه >>? >> حتى المناسبات الرسميه العامه ،،، عجزنا عن تنظيمها وترتيبها ،،، فاصبحت مثالا ودليلا واضحا وصارخا على فوضانا وعجزنا
    هذا خلافا لما يضاف الى الفوضى العارمه ،من مشلريع وهيئات جديده ،،، تقام على ركام هيئات ومشاريع اخرى ،،،، لنزيد الفوضى فوضى
    قلنا ولازلنا نقول ،، ان الأداره الحكوميه بحاجه ماسه جدا وملحه الى أعادة تقويمها ودراستها ،،، وأعادة هيكلتها ،،، بعد أن أضحى بعضها عبئا على الآخر
    فمتى بالله تمت آخر عمليه لتطوير هيكل الأداره الحكوميه ..؟

  • عبدالله الصالح ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٥:١٠ م

    ليست مقتصره على دول العالم المتحضر كما ذكرت اخي دعشوش
    فمجتمعات مجاوره لنا كانت اكثر بداوة منا ..
    لكنها الرؤيه ،، والعزيمه الصادقه ،، واخلاص النوايا
    حيث يمكن جلب ( المتحضرين ) ليساعدونا في تنظيم انفسنا ،، كما فعل غيرنا
    بدلا من اهدار المليارات في تجارب فاشله من غير مختصين ،، تتلوها تجارب افشل منها
    ولاممن يقيم و يحاسب
    ويستمر مسلسل العبث والأهدار
    ( مثال بسيط : مرت المدن العريقه والمتحضره بتجارب عديده للوصول للنظام الأمثل لتسمية وترقيم الشوارع / ونصر نحن على تطبيق تجاربنا الخاصه ،، فنخرج من تجربه فاشله الى اخرى ... وهكذا
    . بينما هي متاحه لدى من سبقنا
    لكن اخذها منهم مباشرة ،،،، لن يجعل للفاسدين مجالا للأستفاده ،،،،،،، والى ألان لم نصل الى تنظيم معتمد ......... وقس عليها )

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٥:١٦ م

    أخي فارس بن عجل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك مرورك وأعتز بعبارتك.
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٥:٢١ م

    الأخ أبو خالد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تبدو أخي العزيز منفعلا جدا أو لنقل محبطا بعض الشيء ، أتمنى أن يحدث كثير من التطوير وهو هدف معلن للحكومة .
    أشكر لك مرورك .
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/١٣ - ٠٦:٤٥ م

    أخي عبد الله الصالح
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي دعشوش جالب للنقاش حيث يحل ، فجزاه الله خيرا حيث كان سببا بوجودك.
    تعليقك يجب أن يوجه إلى هيئة مكافحة الفساد !

    دمت بخير


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى