عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

الوظيفة.. بين اللياقة واللباقة

يطلب أهل الإدارة من أهل الطب الإفادة -من خلال تقرير طبي- عمَّن يرغبون في تعيينه إن كان لائقاً صحياً أو غير لائق، ويخلص التقرير –غالباً– إلى العبارة «لائق» لأن الفحوصات شكلية، ونادراً ما تأتي عبارة «غير لائق»!
وكلمة: «لائق» شائعة الاستخدام واضحة الدلالة، ومن معانيها: مناسب، وموافق، وملائم، وهي اسم فاعل من «لاقَ» ومنها اللياقة، ومفعولها مليقٌ به.
أما «لَبِقَ» فهي تعني لين الأخلاق واللطف والظرف، والرجل اللَّبِق هو الحاذق الماهر في كل عمل، والمرأة «لَبِقَة» يناسبها كل لباس وكل طيب، وتأتي بمعنى «يليق»، وهي كلمة يستخدمها إخواننا السوريون عجَّل الله فرجهم، وللكاتبة الجزائرية «أحلام مستغانمي» رواية مشهورة اسمها: «الأسودُ يليقُ بك».
ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه –كما قال ابن خلدون إن لم تخُني ذاكرتي– فإن حاد وُصف بأنه غير اجتماعي، وكذا يكون الحكم على الموظفين تبعاً لتعاملهم اليومي وما يصدر عنهم من مواقف وتصرفات، فيوصف موظف بأنه لبق بينما يوصف آخر بأنه فظ تبعاً لتعاملاته المتكررة، وتفاعله مع زملائه أو العملاء أو رؤسائه، وقد تكون مقرونة بمهارة عملية عالية لدى هذا الموظف أو ذلك.
فالموظف غير اللبق «الفظ» هو صريح دون مجاملة، وعندما يكون صادقاً فإنه يفيض بعبارات المحبة والإعجاب، وقد يحاول المجاملة، ولكن إمارات الخداع قد تظهر على وجهه، فهو –في الغالب- خائف من ارتكاب الأخطاء، وقلق من سخرية الآخرين منه، أو أنه لا يأبه لما يعتقدونه، وليس مستغرباً أن يكون منبوذاً نوعاً ما.
إن تعديل السلوك من أشق المهام وأصعبها، فتحويل «موظف» من شخص غير اجتماعي إلى الحالة الإيجابية المبتغاة أمر عسير ومهمة بالغة التعقيد، ولكن يجب ذلك حتى لا يكون ذريعة ليصاب المديرون باليأس إذا ما كان بين مرؤوسيهم شخص أو أكثر من هؤلاء، حيث يؤكد عدد من الخبراء أنه من الممكن تعليم هؤلاء الموظفين أن يقللوا من طباعهم الجافة أو الفظة من خلال الشروع في عمل التغييرات المرغوبة -وفق خطة عملية واضحة الأهداف- وعدم التعامل مع الأمر من منطق شخصي، ومن الممكن التعرف على هذا النوع من الأشخاص أثناء تقدمهم للوظيفة وقياس مدى لياقتهم لها، وتجنب تعيين من تكون حالته معقدة في الوظائف ذات العلاقة بالجمهور؛ لأن تعليم الشخص الاجتماعي «اللبق» كيفية إنجاز مهام العمل أكثر يسراً وسهولة من تعليم الشخص «غير اللبق».
إن مثل هؤلاء غير اللائقين أو اللبقين يعانون أمراضاً نفسية –دون شك– ولكن الطب النفسي -وهو علم كغيره من العلوم- لا يزال غير مفعل بالشكل المناسب، ولا تزال كثير من المستشفيات خالية من هذا التخصص المهم، وإن وُجدت له عيادة فإن المرضى وذويهم يجدون حرجاً شديداً في مراجعتها؛ بسبب الخلفية الثقافية السلبية للمجتمع تجاهه!
لقد حثنا ديننا على التفكر والبحث والتجريب، وتوصل العلم الحديث إلى ما أشار إليه القرآن الكريم من أسرار وإعجاز، وعلم النفس علم مهم له نظرياته وقواعده، وتقوم عليه كثير من الدراسات والتجارب، وتعتمد عليه كثير من الدول حتى في أمورها السياسية والمصيرية، وتستخدمه الشركات العالمية في مجالات ونشاطات مختلفة.
وهو علم متعلق بعلم الإدارة تعلقاً شديداً، وله إسهاماته الكبيرة والمؤثرة في جوانبها المختلفة، فعليه قامت كثير من النظريات الإدارية، كتحفيز الموظفين، ومعالجة جوانب القصور لديهم، والتأثير فيهم، وربطهم ببيئة العمل، وتطوير علاقتهم برؤسائهم وزملائهم، والمستفيدين من الخدمات التي يقدمونها، ويسبق ذلك كله تعلق علم النفس بمراحل النمو، ونظريات التعلم المختلفة.
يخضع طالب الالتحاق بوظيفة حكومية أو في بعض شركات القطاع الخاص إلى الفحص الطبي -وهو إجراء لا يخلو من الشكلية- لاقتصاره على فحص ظاهري لبعض الحواس والكشف عن بعض الأمراض الجسمية أو العيوب الظاهرة، وهي في حقيقتها لا تكفي؛ لإغفالها الجانب النفسي -وهو الأهم عند أي شخص يوكل إليه عمل إداري أو فني- ويتعرض لمقابلة الجمهور لقضاء مصالحهم، وتقديم الخدمات لهم.
إن خضوع الإنسان لاختبار نفسي لا يعيبه أو ينقص من قدره للتأكد من لياقته ولباقته؛ لأن مسألة التوازن النفسي مطلب أساس في تقلد أي مسؤولية إدارية أو فنية، فكم من الموظفين الذين تمنوا عرض مديرهم على الطب النفسي؟
وكم من المديرين عانوا من موظفين ليسوا أصحاء نفسياً فأعيوهم بتقلبات أمزجتهم، وسببوا لهم المتاعب في بيئة العمل.
همسة: هل ستفرض وزارة الخدمة المدنية تحويل طالبي الوظائف للطب النفسي؟ وهل سيتم عرض من يتقلد منصباً إدارياً –كذلك- قبل تسليمه المسؤولية؟!

التعليقات (18):
  • دعشوش ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٦:١٦ ص

    لا تفتح لنا باباً جديدا يتعذّر به من لا يريد السعودة , فلا يسعود !
    ولا تنس أن أبناءنا وبناتنا عائدون بشاداتهم ليشاركوا أخوانهم وأخواتهم في التنمية !
    خل الكلام هذا بينك وبين القراء فقط !
    لو سمحت !

  • دعشوش ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٧:٢٤ ص

    ما أجمل لو توفرت اللياقة البدنية واللباقة بدون نفاق !
    وما أجمل لو توفر الإنتماء لطبيعة الوظيفة ..
    والعمل على تطوير الذات لتحسين الأداؤء !

  • أم سعود ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٩:٥٠ ص

    اللباقة واللياقة تربية من البيت أساسا.. ماذا ستفعل وزارة الخدمة بمن تربي على عدم وجودهما في بيته مثلا ؟

  • محمّد الحويل ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٩:٥٩ ص

    تذكّرت معك طبيب الوحدة المدرسيّة وهو يحضر لمدرستنا بعد بداية العام الدراسيّ بشهر لإيقاع الفحص اللياقي والصحيّ أمّ النفسي الله لايعزنا له...!! كان يختصر الأشعّات والتحاليل وقياس اللياقة ..بمقولته ( عامل شي عمليه ) الطالب على طول ..لا..يادختور. !!!!
    وفي لحظات وقبل ماتبرد بيالة الشاهي ..أمضى ومهر 30ملفّا ودمغها بلائق صحيّا وبدنيا ولياقيّا وخذ معها نفسيّا..
    ياترى من كانت هذه أوّل ورقة في ملفّ حياته الدراسيّة والعمليّة ..كيف تكون ثقافته عندما يطلب منه نفس الإختبار.!!؟
    إنّها ياعبدالله ثقافة لوائح وأنظمة ..شكليّة لاتطبّق على أرض الواقع.
    وعندها لاتزعل ولا يجي في خاطرك إلاّ ماهو طيب ..عندما تجد موظّف الخطوط يكشّر في وجهك وكأنّه يمنحك قيمة التذكرة من حلاله ومعها حجز فندق وسيّارة لقضاء إلتزاماتك.
    لاتزعل وأنت ترى جندي المرور ينهرك..وقّف ياراعي الغمارتين..
    لاتزعل وأنت ترى مسئولك وهو يقول أحمد ربك ترى راعيناك ولا الحين أنت في المكان الفلاني ..وكأنّه هو من يملك المؤسسة الحكوميّة.
    لاتزعل وانت تسمع وترى قائمة من (المنّ عليكك في حقّ من حقوقك ) كفلها النظام ..وحاستها نفسيّات التنفيذيّون صغروا أم كبروا.

  • دعشوش ٢٠١٣/٦/٢٠ - ١١:٢٠ ص

    شبابنا في الخفجي الحبيبة غير - أخي محمد الحويل !
    هم صحيون بطبيعتهم !
    حتى أن أغلبهم لا يعرف الطبيب أو المشفى لعدم توفرهما !

  • نزار ٢٠١٣/٦/٢٠ - ١٢:١٨ م

    أخي الشقيق عبدالله مهدي الشمري. تحياتي لك ولمنطقك السليم وأسلوبك الجميل وتحياتي للعم العزيز دعشوش وأختي أم سعود وهما رائعان في كتابتهما وكذلك الأخ محمد الحويل تعليقه رائع.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠١:٣٧ م

    أخي دعشوش
    ما تزال الأبواب موصدة للسعودة أو توطين الوظائف وبخاصة في شركاتنا الكبرى التي استطاعت الالتفاف على مشروع السعودة بعقود التشغيل فصارت بابا كبيرا للفساد المالي والإداري .... المهم لا تبلغ هيئة الفساد أما القراء فكان الله في عوننا وعونهم...

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠١:٣٩ م

    أخي دعشوش
    عباراتك الثلاث هذه لا تحتاج تعقيبا ولا تعليقا ..
    دمت بخير متألقا .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠١:٤٢ م

    الأخت أم سعود
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    قديما قيل : وينشأ ناشئ الفتيان....
    وقيل أيضا : إذا كانت الطباع طباع سوء .... فلا أدب يفيد ولا طبيب

    ولكن لوزارة الخدمة أن تختار من يصلح لأداء مهام الوظيفة وتستبعد من المتقدمين غير الصالحين أو تحويلهم لمسارات وظيفية تناسبهم ....وبذل الجهد في تعديل سلوك من يؤمل صلاحهم ....

    لك التقدير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠١:٤٤ م

    أخي محمد الحويل
    سرني مرورك وأتفق معك في كثير مما قلت ولكنني دائم الأمل غير يائس من تغير الحال للأصلح ...
    لا تنقصنا الإمكانات قط ، ربما لدينا مشكلة في الإرادة والتصميم ...
    دمت بخير وأمل

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠١:٤٦ م

    أخي دعشوش
    شباب الخفجي - حقيقة - كثر منهم متميزون ويحبون مدينتهم وقد برع منهم كثيرون في مجالات مختلفة ...
    لهم التحية والدعاء الخالص بالتوفيق..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠١:٤٧ م

    أخي نزار
    شكرا لك على كلماتك اللطيفة والشكر موصول لمن ذكرت ولمن سيأتي ولمن قرأ ... وسيقرأ
    لك تقديري

  • حامد ال ظفيري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٢:٣٧ م

    شكرًا كاتبنا المبدع دائماً
    اعتقد لو طبق الفحص على منهم على رأس العمل لسرح الغالبية العظمى وخاصة من لديه بعض المسؤوليه وحاجة الناس عن طريقة فأذا لم يكن مريضا امرضناه بكثرة التبجيل والنفاق
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٢:٤٥ م

    أخي حامد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سرني تعليقك وبخاصة تركيزك على إفساد البعض لصاحب المسؤولية في المبالغة في التبجيل الذي يصل إلى درجة كبيرة من النفاق والكذب - وهما قرينان - لك خالص التقدير

  • عبدالكريم بن شلاش الكفش ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٣:٠٤ م

    حي أبو أسامة ،،، أوافقك الرأي بان الفحص الطبي يهتم فقط باللياقة البدنية دون الاهتمام باللياقة النفسية وحبذا لو أضيف هذا الفحص للوظائف التي لها علاقة بمصالح الناس والتواصل معهم أما فيما يتعلق بالباقة والأدب فهذا تعرية المقابلة الشخصية وشهور التجربة إلا أن العلة في الواسطة وهي المرض الذي لم يكتشف له علاج حتى تاريخية أو لم يخلق أو يمكن من يستطيع علاجة وتكبر المصيبة حين يمكن شخص غير متزن نفسيا من وظائف قيادية .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٥:٠٣ م

    أخي عبد الكريم الكفش
    سعدت بمروك أبا سلطان وزادني تعليقك تأكيدا بحقيقة المشكلة التي تحتاج حلا حقيقيا فهي ذات تشعبات كثيرة.
    أما أختها ( الكبرى ) الواسطة فيدو أنها لم تعد مشكلة بل باتت أكبر ...

    دمت بخير

  • أبوتميم حمد الربيعة ٢٠١٣/٦/٢٠ - ٠٩:١٥ م

    السلام عليكم يا صديقي العزيز أبا أسامة وعلى ضيوفك الطيبين ,
    ومن أهم الفئات التي يجب تطبيق هذه الإختبارات عليهم هم المعلمين ورجال الأمن,
    تحياتي ولايكاتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٦/٢١ - ٠٢:٤٤ ص

    عزيزي أبا تميم التميمي
    كم يسعدني وجودك، إن من ذكرتهم يمثلون شريحتين مهمتين وكبيرتين ولكن يجب أن يشمل الجميع!
    وخاصة ذوي المناصب الكبيرة


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى