عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

خليل الفزيع.. أسئلة عبر عقود (2 - 3)

لن أقول: «أنا مَنْ ضيع في الأوهام عمره» بهذه العبارة الشهيرة بدأ الأستاذ خليل الفزيع حديثه، وأضاف: الحقيقة التي أعيشها تجسد واقعاً عربياً مأزوماً لا مفر من مواجهته بشجاعة، وقد قدر لي أن أكون واحداً ممن أنجبتهم مرحلة البدايات يوم كانت الساحة الثقافية تفتقر إلى زخم العطاء الإبداعي، وهي مرحلة برز فيها كتَّاب جمعوا بين الصحافة والأدب، يوم كانت المقالات الأدبية تنشر في الصفحات الأولى من الجرائد، قبل أن تتحول الصحافة إلى الخبر والصورة، وكانت مقالات الرأي هي العمود الفقري للصحافة، وهي ظاهرة أملتها ظروف البدايات الأولى لخطط التنمية وحاجتها إلى المساهمة في تقويم مسارها من قبل الصحافة، فكنت القروي الذي نزعت به الدهشة في المدينة للجنوح إلى البحث عن مواطئ قدم في ميدان البناء الاجتماعي، فكانت الصحافة هي الاختيار الأنسب، وأصبحت سطور حياتي مقروءة من الجميع بلا غموض ولا التباس.
لقد بدأت الدراسة متأخراً نسبياً في المدرسة الابتدائية الوحيدة، فلم يكن التسجيل مقترناً بسن معينة، وبعدها في المعهد العلمي الذي قدم للساحة الأدبية أعلاماً كان لهم شأنهم في الحراك الثقافي عامة والأدبي خاصة، وقد ضم المعهد حينها نخبة من المدرسين الأفاضل ذوي الثقافة الأصيلة، في علوم الدين واللغة والأدب، وكان والدي – رحمه الله – قد شجعني على الكتابة من خلال ما كان يحضره لي من مجلات وقصص الأطفال، وحثه لي على قراءة القرآن دائماً، وهذا ما أهلني أيضاً لأن أكون إماماً احتياطياً لمسجد الحي عندما يغيب الإمام.
وعند الحديث عن البدايات مع العمل الإبداعي، قال: ككل البدايات لابد من العثرات والعقبات، فالإنسان لا يولد متعلماً، وقد استهوتني كتابة القصة القصيرة منذ بداياتي الأولى، فكتبت بعض القصص التي لقيت قبولاً حسناً من بعض الصحف، وشجعني نشرها على مواصلة الطريق في هذا المجال القريب إلى نفسي، وقد صدرت لي حتى الآن سبع مجموعات قصصية، والمجموعة الثامنة مشتركة مع الدكتورة كلثم جبر، وظلت القصة هي عشقي الإبداعي الأول والأخير، حتى أن تنوعت كتاباتي الإبداعية في أكثر من مجال.
ويتعامل الفزيع مع مواقع التواصل الاجتماعي باحترافية عالية وراقية، وله متابعوه، ومن تغريداته: «التعليم يتقدم لدينا، ولكن إلى الخلف»، وقد علق عليها بقوله: في مجال العمل التنموي لا وجود للإحباط؛ لأنه عمل مستمر ومتجدد وإن تعثر في بعض الأحيان، والتعليم هو أبرز مجالات التنمية وأكثرها إلحاحاً في حياة الشعوب، ما يعني ضرورة ملاحقته بالنقد مهما كان متقدماً، وما ذلك سوى بدافع الرغبة في تحسين الأداء وتحقيق معايير الجودة التي نتحدث عنها دون أن نطبقها، لذلك قلت ولا أزال أقول: (الحديث عن الجودة هو بطبيعة الحال أسهل من تطبيقها) فما زالت مناهجنا الدراسية بحاجة إلى إعادة نظر من قبل التربويين أنفسهم، مع تحسين أوضاع المدرسين، والالتفات إلى مباني المدارس؛ لتواكب وتلائم التطور المنشود، وكيف ينجح التعليم إذا كانت أركان العملية التربوية بحاجة إلى علاج جذري، وليس ترقيعاً مؤقتاً وعلاجات مسكنة لآلام تعود للظهور بعد انتهاء مفعولها.. المناهج والمدرسون والمباني، كلها تعاني من فجوات لا بد من ردمها.
ويشكل التعليم هاجساً كبيراً للفزيع، ومن ذلك تغريدته: «ما زلت أحلم.. أن أرى أطفالنا يحملون آيباد وهم في الطريق إلى المدرسة…»، وأضاف عند تذكيره بها قائلاً: تطوير وسائل التعليم عبر التقنيات الإلكترونية متاح مع حالة الوفرة الاقتصادية التي تعيشها بلادنا.. والأولى أن نأخذ بهذه الوسائل، وقد سبقتنا دول كثيرة لاستخدامها، بعد ثبات نجاحها في ربط الطالب بالتقنية منذ وقت مبكر من سنواته الدراسية، و«آيباد» يغني عن استعمال وسائل التعليم التقليدية التي تجاوزها الزمن، ونحن نعيش في زمن تقتضي الضرورة الملحة أن نواكب منجزاته العلمية، لا أن نتفرج عليها، بينما يسعى الآخرون لاقتناص فرص الدخول في عالمها، والأمل في تطوير التعليم لا يمكن غيابه، رغم ما يكتنف التعليم في بلادنا من مشكلات يمكن القضاء عليها إذا توافرت الرغبة في ذلك، وهي رغبة يصنعها الإيمان بجدوى التطوير، والوعي بأهميته، ودوره في بناء الأجيال الجديدة.
وقفة: تكرار نقل الأخبار دليل على إفلاس ناقلها، فليس هناك ما يبرر نقل الخبر ذاته وبالصيغة نفسها، بينما يمكن التعليق عليه أو التغيير في صيغته أو إلقاء الضوء على جوانب منه غير معروفة، أما التكرار فهو ممجوج وغير مقبول إلى جانب أنه مضيعة للوقت.. وقت الناقل والمتلقي، كان ذلك تعليق الفزيع على تغريدته: «هل أفلسنا لنتحول إلى ببغاوات لنعيد المعاد»!

التعليقات (0):

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى