عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

شمسُ العربِ.. لمْ تعدْ سَاطِعَة!

تعددت في عصرنا مصادر المعرفة، وتنوعت وسائل الاتصال بشكل كبير إلا أن الكتاب لا يزال هو الأكثر متعة وفائدة وخصوصية، وخير الأصدقاء لمن وقع في حب القراءة التي تعبر بالقارئ حدود الزمان والمكان، وتضيف له كما لا حدود من المعارف والفوائد، وبخاصة عندما تتصل بحياة الأعلام السالفين أو المعاصرين وسيرهم.
تقول المستشرقة الألمانية الدكتورة «زيغريد هونكه» في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب»: قدَّم طالب عربي شاب في عام 1924 أطروحة باللغة الألمانية إلى كلية الطب في جامعة «فريبورغ» أحدثت دهشا وعجبا شديدين، وجرت حولها بحوث محمومة ومقارنات عديدة، فكانت النتيجة أن صادق الجميع على ما ورد فيها من نتائج علمية؛ والدهشة لا تزال تملأ النفوس من المختصين أنفسهم!
استمع بضعة أساتذة ألمان إلى ما قدمه ذلك الشاب العربي، فأخرجوا من مكتبة الدولة كل المخطوطات القديمة، وأشبعوها بحثا وتنقيبا ومقارنة حتى وصلوا إلى النتيجة الحتمية التي لم يكن منها مفر، وهي نتيجة تؤكد أن الباحث الدكتور «التطاوي» من مصر على حق بما جاء فيه بأن أول من نفذ ببصره إلى أخطاء «جالينوس»، ونقدها ثم جاء بنظرية الدورة الدموية لم يكن «سافيتوس» الإسباني، ولا «هارفي» الإنجليزي بل كان «ابن النفيس» -من القرن الثالث عشر الميلادي- الذي قيل عنه: «لم يكن على وجه الأرض قاطبة مثيل له، ومنذ ابن سينا لم يوجد أحد في عظمته»، لقد وصل ابن النفيس إلى هذا الاكتشاف العظيم في تاريخ الإنسانية والطب قبل هارفي بأربعمائة عام، وقبل سارفيتوس بثلاثمائة عام.
ولأن الحديث ذو شجون -كما قالت العرب- فإن كتاب «عصر العلم» للبروفيسور «أحمد زويل» مفيد ورائع؛ لما يحويه من فوائد وتجارب وخبرات ذاتية، فصاحبه من أبرز أعلام عصرنا، وقد نال جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999م، وقبلها جائزة الملك فيصل العالمية.
في الكتاب فوائد كبيرة للقارئ، ومتعة لا توصف، وقد ارتكز في جزئه الأول على التجربة من خلال استعراض موجز لسيرته الذاتية، أما جزؤه الثاني فقد ارتكز فيه على رؤيته الشخصية لوضع العالم، ومستقبل العالم العربي والإسلامي في عصر العلم تمثلت في: ثلاث محاضرات، ومقال بالعربية نشره في جريدة الأهرام، وحوار مع محررها «أحمد المسلماني» -الذي تتصدر صورته اليوم- شاشات الفضائيات العربية والعالمية بعد تعيينه متحدثا باسم الرئيس المصري المؤقت «عدلي منصور»!
وضع الأديب الراحل «نجيب محفوظ» مقدمة الكتاب، وقد طبع منه أكثر من عشر طبعات -خلال عامين- وترجم إلى عدة لغات، ومن هذا الكتاب «عصر العلم» – أي زمنه – أقتطف – بتصرف – أسطرا استوقفتني – أثناء قراءتي – حيث يقول البروفيسور أحمد زويل:
•العلم والتعلم هما الأساس في ربط الثقافات المختلفة، وتحقيق التقدم والرخاء، وتقدم الدول يرجع إلى قوتها العلمية والتكنولوجية.
•المثلث اللازم لتحقيق نهضة علمية، ومن ثم اقتصادية وسياسية وثقافية يتمثل بـ: العلم، والتكنولوجيا، والمجتمع.
•استغرق وصول الصور إلينا من المريخ عشر دقائق، وكانت تأتي بسرعة الضوء المقدرة بـ (300,000) كيلو متر في الثانية.
•التقويم الزمني الجديد «الفمتو ثانية» هو الذي فتح أبواب عالم المادة وديناميكيتها على مصراعيه، فكما نرى الكواكب تدور بالتقويم الشمسي نرى الذرات تدور بتقويم «الفمتو ثانية»، ولهذا الفتح أيضا تأثير علمي عالمي أدى إلى الحصول على جائزة نوبل.
•الإنسان لديه الوعي أو الضمير، وهو أمر لا نعرف أساسه جيدا، وسوف تكون دراسات الضمير من الدراسات العلمية في القرن الجاري.
•المجتمعات غير المترابطة هي مجتمعات غير فعالة، وتبدو مشوشة، وتسير على غير هدى من أمرها.
•قابلت بعض أفراد العائلة -يعني عائلته- في الاحتفال الذي أقامته الدولة تكريما لي بعد منحي جائزة نوبل، علما بأنني لم أر كثيرين منهم قبل انتقالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
•أنجبتْ والدتي بعدي ثلاث أخوات أخذن أسماءهن من أسماء جداتنا وخالاتنا وعماتنا: «نفيسة، وخضرة، ونعمة»، وقد غيرن أسماءهن القديمة إلى: «هانم، وسهام، ونانا».
أقول: إن الاطلاع على تجارب ورؤى المتميزين ممن حققوا ابتكارا وإبداعا علميا وفكريا يؤكد أن ما وصلوا إليه لم يأت إلا بجهود وتضحيات كبيرة -عبر السنين- أحسنوا فيها استثمار الوقت بدقة عجيبة، وأصروا على التعلم بدأب لا يعرف المستحيل.
إن البحث المستفيض الذي قام به الأطباء الألمان دون كلل أو ملل أو تحيز؛ للوصول إلى الحقيقة العلمية والتاريخية التي عرضها الباحث المصري في أطروحته يؤكد أن الحقيقة تحتاج لأمرين مهمين هما: الأمانة، والبحث الجاد.

التعليقات (13):
  • صقر ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٧:١٠ ص

    السلام عليك - أخي عبد الله - وعلى القراء الكرام ...!!.،
    الشاعر العظيم أبو الطيب المتنبي قال ذات مرة :
    أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ *** وخير جليسٍ في الزمانِ كتابُ
    أتظن لو أن المتنبي خرج في عصرنا سيكرر نفس البيت أم أنه سينشد بيت الشعر بما يتلائم مع المستجدات الجديدة..!!..
    عصرنا عصر المعرفة الرقمية، عصر السرعة، لا مجال للتريث في إستخراج معلومة في ظل توفر الوسائل الحديثة القادرة على الوصول إلى المعلومة في ثوان معددوة، لكن يبقي للكتاب الورقي طعمه ونكهته المميزة التى قد لا تجدها في الكتاب الرقمي ..!!..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٨/٢٢ - ١٠:١٩ ص

    أخي صقر حفظه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لن يتزحزح الكتاب عن مكانته وإن تعددت أسباب الوصول إلى المعرفة، فالكتاب أسها المتين.
    لك خالص التقدير

  • ahmed shalaby ٢٠١٣/٨/٢٢ - ١١:٥٣ ص

    أحييك أخي عبد الله على هذا المقال الرائع , والعرض الممتع والاقتطاف الذكي المكثف من كلمات العالم أحمد زويل , وهي مقتطفات تثير في النفس العربية الألم والحسرة لأنها تكشف العورات من جهل وإهمال للعلم وضعف في الضمير وانفصال عن الماضي ونفعية , رغم أن العقلية العربية تحتاج فقط إلى المناخ الصحيح الذي لا تجده ـ للأسف ـ إلا في الغرب , ولذا جاء عنوانك المعبر ليمثل صدمة الحاضر مقابل عظمة الماضي الذي شهت به هونكه .. ليتنا نركز من الآن على المنتظر من دراسات الضمير .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠١:١٥ م

    عزيزي الأستاذ أحمد شلبي رعاه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كم كان مرورك بالمقال رائعا روعة الشعر الذي أنت أحد أبرز أقطابه، كما كانت إضافتك واعية وعيك بالنقد الذي تشرف الساحة الأدبية بوجودك فيها علما له الصدارة !
    حفظ الله مصر وشعبها ذخرا للأمة

  • سلمان الحربي ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٢:٢٢ م

    السلام عليكم أستاذ عبدالله
    أتمنى ان كان عنوان الموضوع
    شمس المسلمين وليست شمس العرب
    لان العرب لم تقم لهم قائمة لولا الإسلام
    فقد قالها الصاحب عمر بن الخطاب في معني قوله
    لأعز لنا إلا بالإسلام
    وثانيا معظم الإنجازات الإسلامية لم تكن محصورة على العرب فقط
    وشكرا

  • د.سائر بصمه جي ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٣:٣١ م

    أقول:
    تشرق شمس الأستاذ عبد الله الشمري علينا كل أسبوع على صفحات هذه الصحيفة الغراء، واليوم تسلط أشعتها الحانية على إحدى "مآسي" هذه الأمة، ألا وهي قضية العلاقة بالعلم والتكنولوجيا.
    على مدى أكثر من عشرة أعوام وأنا أدرس تاريخ العلوم العربية، ليس بهدف إبراز إسهاماتها فقط، وإنما لأرصد الأخطاء التي وقعوا بها سابقاً وهم في أوج قوتهم، ولماذا فشلت مؤسسة العلم (بمفهومنا الحالي للعلم) آنذاك بالاستمرار، بينما نجحت مؤسسة العلم في مشروع النهضة الأوربية؟!
    مع أن العوامل الثلاث التي تكلم عنها زويل (العلم، التكنولوجيا، المجتمع) كانت تقريباً متاحة بشكل أفضل بكثير من وقتنا الحالي.
    دراسة مسألة سطوع شمس العلم أو أفولها، تختلف من مجتمع لآخر ومن حقبة زمنية لأخرى، لها أسبابها التي يجب الأخذ بها، الفارق بين الإنسان العربي الذي أسس حضارة لا زلنا نتغنى أمجادها حتى اليوم، وبين الإنسان العربي الذي يستهلك من حضارة غيره هو أنه كان في السابق مهيئاً (علمياً وتربوياً ومجتمعياً) للعطاء العلمي، أما العربي اليوم فلم تتوفر له أسباب العطاء.
    طبعاً وقبل أن نطالبه بالعطاء لنسأل: ماذا قدمنا له؟ ماذا أعطيناه؟ كيف تم تهيئته؟
    لقد أوجد الله على هذه البسيطة سنناً ثابتة من أخذ بها -كافراً أو مسلماً- نجح، ومن أهملها لا يعتقد أنه سيحصد البرقوق (الخوخ).
    ونحن كمجتمعات وكأناس عرب نحيا في هذه الفترة...

  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٥:٤٢ م

    تحياتي استاذنا الكبير عبدالله فأنت دائما" تتحفنا بالكلمة الها دفة و الناقدة ، وفعلا" مقالك أثار لدي شئون وشجون فقد أسهم كما تفضلت ابائنا واجدادنا في الحضارة الانسانية ولكنا الان تأخرنا عن ركب هذه الحضارة ، لابتعادنا عن القراءة ومواكبة العصر وعدم توفر بيئة الابداع ،خاصة اذا علمنا ان مساهمة العرب والمسلمين في البحث العلمي العالمي لا تزيد عن 1% ، وهذا يحتاج منا جميعا" اطلاق قدراتنا ولكن قبل ذلك تطبيق قوله تعالى ( الذي أطعمهم من جوع وامنهم من خوف) فالقضاء على الفقر وتوفير الامن هي الحاضنة الاولى للابداع ، شكرا" لكلماتك الهادفة التي تضع بها يدك على الجرح دائما" وتحياتي لك

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٧:٥٩ م

    أخي سلمان الحربي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    احترم رأيك ولكن الحديث كان عن العرب وهم أهم مكونات المجتمع المسلم ...
    كما أن الحديث يدور حول كتاب شمس العرب وعن عالمين عربيين
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٨:٠١ م

    عزيزي الدكتور سائر بصمه جي المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تشرفت بمرورك ولقد كانت إضافتك مقالا رائعا
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٨:٠٨ م

    عزيزي م. خالد العنانزة المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك هذا المرور الجميل بالمقال، وأشاركك ما ذهبت إليه من تدني مستوى البحث العلمي وما يرصد له من ميزانيات!
    لك تقديري

  • القرني ماغيره ٢٠١٣/٨/٢٢ - ٠٩:٤٨ م

    يتمحور رأي في مجمل المقال وعلى ما ورد فيه ، في نقطة أرى أنها وكما يُقال "زبدة المقال " وهي الأساس في كل شيء آلا وهي ما قاله البروفسور : " الإنسان لديه الوعي أو الضمير، وهو أمر لا نعرف أساسه جيدا، وسوف تكون دراسات الضمير من الدراسات العلمية في القرن الجاري " _ كل عام والجميع بخير .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٨/٢٢ - ١٠:٢٢ م

    عزيزي القرني رعاك الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لا تخلو اليوم قناة عربية في يوم لم تعد لهم فيه قناة من مخاطبة الضمير العالمي لمعالجة شأن أو حدث أو كارثة عربية!

    العالم كله يعرف الضمير يا أخي ولكنه لا يجعله يعمل وفقا للفطرة الإنسانية ...


    دمت رائعا

  • القرني ماغيره ٢٠١٣/٨/٢٢ - ١١:٣٤ م

    وعليك السلام ورحمة منه وبركات ،، ما يسعدنا وما يبث الأمل في نفوسنا ويجعلها تتشبث بأمل الخير والفأل الطيب في تحريك الضمير وفقاً للفطرة الإنسانية لهو وجود أمثالكم يابن مهدي اللذين يشعلون ما خمد من فطرة الضمير الانساني ، بما تستحثه أقلامهم وتناشد به وله _ حفظك الله _وأنت الأروع دوماً _ دمتَ بكل خير.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى