عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

مطار الطائف وسوقها

تذكرت – أثناء خروجي من مطار الطائف – الفنان عبدالعزيز الهزاع الذي كنا نسمعه في الإذاعة، تذكرته وتذكرت رحلته الفكاهية بالطائرة؛ لأن الحديث ذو شجون – كما يقول المثل العربي الشهير!
خرجت إلى ساحة سيارات الأجرة التي لم تكن إلا «سوقا» يعج بالفوضى بكل ما تعنيه الكلمة، فلا نظام يلتزم به السائقون في وقوفهم، وهي ساحة بعيدة عن أي مظهر من مظاهر التحضر والمدنية؛ لما يكتنفها من مشاهد وصخب، وليس أمام المسافرين الخارجين بحقائبهم من المطار إلا الأخذ والرد في ذلك الجو الغريب الذي يقاطع فيه أحد السائقين المسافر الذي يكون منهمكا في الحديث مع سائق آخر، وليس أمام المسافرين إلا محاولة ضبط أعصابهم، والتحلي بالصبر، والتظاهر بالتحلم، وادعاء الحكمة؛ للوصول إلى وجهتهم دون استغلال كبير، فلا أثر لأي جهة تشرف على تنظيم تسيير سيارات الأجرة، ولا السائقون يلتزمون بعداد التعرفة الذي لا يعدو وجوده في سياراتهم إلا كعضو أثري!
قرأت في لوحة إعلانية قبل مغادرتي مطار الملك فهد أن مطاراتنا ستة وعشرون مطارا، وأن العدد السنوي للمسافرين يبلغ خمسين مليونا، وهو – بلا شك – عدد هائل يمر بتلك المطارات المنتشرة في أرجاء البلاد، وهي ذات درجات مختلفة من وجوه عديدة، وتعتبر – خاصة الدولية منها – بوابات رئيسة للبلاد تعطي المسافرين انطباعا يكاد لا يزول – إيجابا أو سلبا – حيث تعلق الصورة الأولى أو الموقف الأول في ذاكرة الإنسان بطريقة قوية!
إن أغلب المسافرين يحتاجون لوسيلة نقل – سيارة أجرة – توصلهم إلى وجهتهم عند خروجهم من المطار – وإن كان الحال كما في مطار الطائف – فإنهم سيصطدمون بسائقي الأجرة الذين غابت عنهم رقابة وزارة المواصلات غيابا كليا – وهي لا تعذر بذلك الغياب الطوعي – فالسائقون – بسبب غيابها – هم من يحددون كيفية التعامل مع المسافرين بصور مختلفة – تبعا لنظرتهم – وبعيدة كل البعد عن نظام الوزارة وتعليماتها، ويطغى الاستغلال بشكل واضح على كثير من أساليبهم – وينتج عن تلك التصرفات غير المسؤولة إساءة لسمعة البلاد، كما يحدث أن يقوم غير المصرح لهم ممن يوجدون في تلك الساحات أو خارجها بالنقل بسياراتهم الخاصة، وهو أمر فيه مخاطر أمنية شديدة!
إن الصورة غير الإيجابية في مطار الطائف أمر يحتم أن يكون لإدارة المطار موقف حازم من تلك المخالفات التي تعطي صورة غير حضارية، فإن لم تفعل فمن الواجب أن تتدخل الهيئة العامة للطيران المدني بحكم اختصاصها لمعالجة الموضوع في هذا المطار وغيره.
-ألا يمكن أن يعهد النقل من المطارات إلى شركات خاصة تلتزم بتوفير سيارات حديثة، وسائقين على درجة من التعليم والوعي والثقافة؟
-ألا يمكن أن تحدد شروط ومواصفات – وفقا لمعايير دقيقة – للسائقين الذين يسمح لهم بالنقل من المطارات، وأن يكون مستوى التعليم شرطا أساسيا من بين تلك الشروط؟
-ألا يمكن توفير حافلات متوسطة الحجم؛ لنقل من يرغب من المسافرين باستخدام وسيلة نقل عامة؛ للوصول إلى مركز المدينة؟
-ألا يمكن تدريب وتثقيف السائقين الحاليين الذين يقومون بالنقل من المطارات، وتزويدهم ببعض المهارات العامة التي تساعدهم على التزام قيم مهنية محددة؟
إن أكثر دول العالم تضع قوانين قوية تساهم في خلق نظام دقيق ومرن لسيارات الأجرة في وقوفها والتزامها بالدور، وبالتعرفة الرسمية المحددة التي يضبطها عداد إلكتروني، وفي بعض المطارات يتم تسجيل بيانات المسافر ووجهته، وبيانات السيارة التي استقلها واسم سائقها والوقت؛ لما يشكله ذلك التنظيم من أمان عالٍ للمسافر.
إن تنظيم عمليات النقل من المطارات وإليها ليس أمرا صعبا إن وجدت الإرادة الفاعلة، والإدارة الجادة معا لدى وزارة المواصلات والهيئة العامة للطيران المدني، كما أن نقل التجارب الناجحة والمتميزة من الدول المتقدمة ليس مهمة شاقة أو عسيرة، ولا تحتاج إلى كثير عناء من الدراسات الطويلة، واللجان المتعددة.
تزهو الطائف بسوق عكاظ هذه الأيام، ويصل إليها وإلى مطارها أعداد كبيرة من الزائرين، وأخشى أن يتسبب مشهد السوق الأولى الذي سيواجهه البعض في ساحة المطار في رسم صورة غير متفائلة عن فعاليات وأنشطة السوق الحقيقية.
لدي شعور كبير بأن سوق عكاظ سيمحو أي صورة اعترضت زائرا أثناء قدومه؛ لما سيجده فيه من برامج وفعاليات وأمسيات ثقافية وشعرية متنوعة.
وقفة: استطاعت المراكز التجارية الكبيرة تنظيم دخول سيارات الأجرة، وألزمت سائقيها بالنظام، وبالتعرفة الرسمية للنقل من خلال العداد الإلكتروني، فهل ستعجز وزارة المواصلات والهيئة العامة للطيران المدني عن ذلك؟

التعليقات (14):
  • عايد رحيم الشمري ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٧:٢٧ ص

    الاستاذ الفاضل عبدالله مهدي وصفت واقعا ملموسا... فأنت دوما تتحفنا بمقالات تخاطب عقولنا جميعا- فلك الشكر والتقدير - وتظل صاحب قلم مميز

  • صقر ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٨:٥٥ ص

    تجمهر سيارات الأجرة والسيارات الخاصة التى تستغل لنقل المسافرين القادمين عبر المطارات و محطات القطارات بل محطات النقل الجماعي هي تشكل ظاهرة في بلادنا قلما تجده في الدول الأخرى ومنها الدول المجاورة، تلك فوضى تعكس حالة مستوى التنظيم بل التقصير في الجهات المعنية ومنها وزارة النقل ، والهيئة العامة للطيران المدني ، وإدارة المرور لإجتثاث تلك الظاهرة التى تسئ لسمعة تلك المواقع التى تمثل واجهة للمسافرين، أتفق معك أنها مظهر من مظاهر الفوضى..!!..

  • عبدالرحيم الميرابي ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٢:٠٢ م

    سيدي وأستاذي عبدالله مهدي الشمري.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    من أجمل ما قرأت اليوم مقالك.
    خالص الود.

  • صقر ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٢:٥٩ م

    أبا سوار... سلام عليكم..
    في مقالكم القيم " مرضُ الاغتراب العقلي " أودعت لكم سؤال، إنتظرت الإجابة لكن يظهر أنكم شغلكم شاغل عن التعليق... :)

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٣:١٧ م

    عزيزي عايد ( أبا عادل ) العزيز
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لك الشكر على هذه الإطلالة الجميلة، وأتمنى أنني وصفت الواقع كما هو لعله يكون سببا في تحرك مسؤول في المواصلات أو هيئة الطيران.
    لك تقديري

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٣:١٩ م

    أخي العزيز صقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كم تكون سعادتي غامرة عندما أجد موافقة من القراء لأن في ذلك دعم كبير وتأكيد بأن المسار ما يزال صحيحا.
    لك التقدير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٣:٢١ م

    شيخي الجليل - شيخ كتاب الشرق - الدكتور عبد الرحيم الميرابي حفظه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    من عبق عكاظ أهديك التحية، وكم كانت فرحتي كبيرة بمرورك وإن كان ذلك يؤكد تقصيري تجاه شخصكم الكريم.
    دمت رائعا محبا

  • صقر ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٤:٢٦ م

    وعليكم - أخي عبدالله - السلام :)

  • حسن الغامدي ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٦:١٧ م

    مساء الخير . إمتياز النقل داخل المدن الذي كسبته شركة النقل الجماعي ، و يسمّونه في الخارج إحتكاراً أضرّ بجميع أنواع النقل و وسائله في المملكة . لم تستطع الشركة خدمتنا ، و قد نجحت في تمديد الإحتكار لأجل غير مسمّى و لم تتركنا لمن يستطيع ، اما الفوضى في مطار الطائف الإقليمي فهي في اي مطار دولي . تحياتي لك

  • احمد العازمي ٢٠١٣/٩/١٢ - ٠٨:٢١ م

    ابو اسامة دائماً متألق بقلمك ونقدك الهادف والبناء.. لعل ما حصل لك قريب مما حصل مع الاهل بمطار الملك خالد بالرياض من موظف شركة ليموزين يفتقر لمهارة خدمة العملاء..

    لك منا كل الشكر والتقدير

    أخوك
    احمد العازمي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٩/١٣ - ١٢:١٩ ص

    عزيزي حسن
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما ذكرته يا أخ حسن في تعليقك غاية في الأهمية ونجاح النقل في أي بلد سبب في نجاح أمور كثيرة.
    لك تقديري

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٩/١٣ - ١٢:٢٤ ص

    أخي أحمد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مواقفنا متشابهة لأن مشاكلنا واحدة فلذلك تتكرر في أوقات مختلفة وأماكن مختلفة.
    لك تحياتي من الطائف

  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٣/٩/١٣ - ٠٢:٢٢ م

    مقالاتك ومنها هذا المقال تخاطب هم المواطن العربي في كل مكان من وطننا العربي الكبير ، تحياتي لك استاذ عبد الله واتمنى لك دوام الصحة والنجاح كاعلامي متميز في تشخيص ونقد امراضنا الاجتماعية لنصل ما نقترب به من المدينة الفاضلة ، تحياتي مرة اخرى وشكرا" لسعادتك .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/٩/١٤ - ١٢:١١ م

    أخي العزيز م. خالد
    تحية من الطائف وعبق سوق عكاظ أهديك التحية حيث عمان العرب .
    تبدو همومنا في أرض العرب واحدة ولذلك علينا أن نسعى جاهدين للبحث الصادق للوصول إلى حلولها!
    دمت عزيزا


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى