عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

الفضاء المفضوح!

ما نزال ننظر إلى التقنية بذهول ودهشة، وربما تكون شيئا من الماضي بعد عشر سنوات أو خمس سنوات، فلقد عُرِضَتْ أكثر من مرة -عبر تويتر- وثيقة يعود تاريخها إلى عام 1361 هـ موجهة من الشيخ محمد بن إبراهيم إلى أربعة من أهل شقراء هم: عبدالرحمن بن حسين، وسعد بن سدحان، وعبدالله الزوم، وعبدالرحمن الحصين، وفيها تحذير من خطر الرجل الذي جاء إلى بلدتهم ومعه جهاز راديو!
عندما بدأ البث التليفزيوني في أوائل عام 1385 هـ لقي معارضة كبيرة ومتشددة، وليس ببعيد ما لاقته الفضائيات وصحونها (الدشوش) من المعارضة التي لا تقل عن سابقتيها عبر وسائل مختلفة – حتى أن البعض كان يضطر لوضع حاجز يحمي به (صحنه) من استهداف قلبه – المركز الخاص بالبث – من بعض القناصة البارعين – لكن الوقت كفيل بتغير المواقف أو تغييرها، فمن كان بالأمس يحرم رؤية تلك القنوات الفضائية، ويسيء إلى من يشاهدونها بألفاظ وعبارات غير لائقة بات اليوم من ألمع نجومها البارزين مقابل مبالغ مالية كبيرة، فأصبحت تمثل له مصدر دخل، وميدانا للشهرة والانتشار، والتباري أو التباهي!
الراديو اليوم بات شيئا من التراث كالساعة التي نزين بها معاصمنا دون حاجة حقيقية لها؛ لأن ما نحمله من أجهزة تقنية صغيرة تزودنا بالأخبار أولا بأول، وتنقل لنا صور الحدث نقلا مباشرا في أي مكان من العالم، وتُمكننا من مشاهدة أي بقعة في العالم فنراها بشوارعها ومبانيها وحركتها، ومن خلالها – أيضا – نتعرف على الوقت أينما كنا، وبواسطتها نستطيع الوصول دون الحاجة لسؤال أحد إذ تتحول تلك الأجهزة إلى بوصلة دقيقة عن طريق برامج خاصة توجه سيرنا حتى النقطة التي نقصدها فتوفر لنا الوقت والجهد!
لقد كانت الإذاعة قبل ظهور التليفزيون تؤدي دورا كبيرا للدولة وللمجتمع بما تبثه من أخبار محلية ودولية – مع قلة الكوادر المتخصصة وضعف وسائل الاتصال – وما يزال البعض يتابع الإذاعة من باب الهواية أو الغواية – مثلما يحب بعضهم أن يتصفح الجريدة الورقية أو الكتاب الورقي – إذ يتحدث كثيرون عن إمكانية اختفاء الورق والتحول إلى الشاشات عبر الأجهزة الكفية، وأجهزة الحاسوب في القراءة.
كتب إياد أبو شقرا تغريدة في حسابه على تويتر يقول فيها: «خلال رحلتي اليومية بالقطار لاحظت أن نحو 60% من الركاب داخل قاطرتي منهمكون بهواتفهم الذكية ولويحاتهم الإلكترونية».
وأضاف: «قبل عشر سنوات كانوا يقرأون».
فعلقت على قوله: «وهم الآن يقرأون ويتواصلون بشكل مباشر مع من يقرأون له»، وأضفت: «إنه التفاعل الحي الذي أحدثته التقنية الجديدة «.
تقول العرب في أمثالها: «إن الحديث ذو شجون»، ولقد قرأت عن كشف رئيس هيئة الإذاعة والتليفزيون عبدالرحمن الهزاع في المؤتمر العالمي للأرشفة الإذاعية والتليفزيونية الذي نظمته (فيات- افتا) العالمية بالتعاون مع قناة العربية في دبي قوله: «إنه قد تمت الأرشفة الإلكترونية لـ 350 ألف ساعة من البث التليفزيوني، وإنها تمثل أبرز المحطات التاريخية للمملكة في شتى المجالات، وتحدث عن امتلاك الإذاعة لـ 500 ألف ساعة بث لتسجيلات يعود تاريخها إلى أكثر من خمسين عاما».
ومما قال أيضا: «إنه كان هناك ضعف في ثقافة الحفاظ على المقتنيات التي كانت مفقودة في سنوات التليفزيون الأولى، وإن من أسباب ذلك قلة الإمكانات الفنية ومحدودية أماكن التخزين»، وأكد: « أن الاهتمام بالأرشفة الحديثة لا يقل في أهميته عن الاهتمام بالخارطة البرامجية والتجهيزات الفنية، فعبق الماضي ورائحته هو المتنفس الذي نستنشق فيه حياة الحاضر ونستشرف فيه المستقبل».
يتحدث العلماء المختصون عن تضاعف وتسارع كم المعرفة، وأن ما كان يحدث من معرفة كمية ونوعية خلال خمسين سنة سيختصر إلى خمس سنوات أو أقل!
إن تَيسر للباحثين والمهتمين الوصول إلى هذا الأرشيف بعيدا عن البيروقراطية من خلال التقنية المتطورة التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة فإنه سيكون ميدانا خصبا لدراسات حقيقية، ومرجعا بحثيا واسعا لكثير من المواضيع التي يحتاجها دارسو الإعلام والاجتماع وغيرهم.
ما يزال لدى الإذاعة فرصة للالتقاء بمن بقي من كبار السن الذين تزخر ذاكرتهم بمواضيع شتى كأولئك الذين عملوا في الشركات الكبرى أو سافروا طلبا للعمل خارج مناطقهم، ففي يوم الإثنين الماضي التقيت أحدهم، وتمنيت لو أن شباب اليوم يسمعونه!
وقفة: من المتفق عليه أن الفضاء بات مفتوحا، ولكنني أجزم بأنه تجاوز ذلك فصار مفضوحا لدرجة تفوق جميع وسائل المراقبة والضبط، وأن الأمر يتطلب النظر إليه بجدية وموضوعية ومسؤولية!

التعليقات (7):
  • صقر ٢٠١٣/١٠/٣١ - ٠٨:٥٦ ص

    الفضاء تحول إلى ساحة مفتوحة للبث الإعلامي بعضها يمكن مراقبتها وضبطها وأخرى قد يكون من الصعوبة بمكان أن يتم تتبعها، لا شك أن الإعلام الجديد أحدث نقلة نوعية في نقل الأخبار والأحداث العالمية لكنه أحدث أيضاً تغيراً في تعامل الناس، المواد التى تبث وسهولة الحصول عليها بل وإعادة إرسالها جعل الناس تنبهر لدرجة الجنون،
    أما ذلك المحذر من الراديو - أيام زمان - فإنه ما زال يعيش في المجتمع من يحمل نفس الفكر والتوجه، فلا تستغرب إذا سمعتهم يطالبوا بإمور يصعب تحقيقها عقلاً ومنطقاً..!!..

  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٣/١٠/٣١ - ٠٩:٠٦ ص

    نعم لقد اصبح العالم قرية صغيرة بفعل التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال والتواصل ، لكن هل هذا يعني نهاية عهد المطبوعات الورقية ؟ هناك مقولة تقول (لا تثق بالتكنولوجيا ) وأنا اعتقد ان هناك تكامل وليس تفاضل بين الورقي والالكتروني فنحن نحتاج كليهما ، كل الشكر استاذ عبدالله على طرحك مواضيع ذات قيمة مميزه دائما" مع امنياتي لك بالتوفيق ودمت بخير

  • احمد دماس مذكور ٢٠١٣/١٠/٣١ - ٠٤:٤١ م

    رائع ماكتبته فكرا وأسلوبا وطرحا

    الى هذه اللحظه لا يثق العلماء في وسائل التواصل العنكبوتيه
    كونه اصبح مصدرا لمعلومات. معلبه ومغشوشه سوا الرسمي منها كالصحف المطبوعة وهي دلاله على انه من الاستحالة الاستغناء عنها،،وانما المزج بينهما
    دمت رائعا خلوقا

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١٠/٣١ - ٠٩:٢٦ م

    عزيزي صقر
    أعتذر لك وللأخوين عن التعليق في حينه، كنت في جلسة الحوار الوطني ومنها غادرت الفندق إلى مطار الكويت حيث هو الأقرب لمدينتي الخفجي.
    سعدت بتعليقك، لا شك أن المجتمع منذ ذلك الزمن مر بمراحل وتغيرات كبيرة ...
    لك التقدير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١٠/٣١ - ٠٩:٢٨ م

    عزيزي م. خالد
    أشكر لك قراءة ما أكتب وتشريفي بتعليقاتك الموضوعية والتي تضيف للمقال إما فكرة جديدة أو معلومة تعززه.
    لك تحياتي.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١٠/٣١ - ٠٩:٣٢ م

    عزيزي أحمد دماس
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك وتعليقك، لقد شرفت بالتعرف عليك في مركز الملك الثقافي في اجتماع الجمعية العمومية للجمعية السعودية لكتاب الرأي.
    كانت فرصة رائعة لي.
    لك خالص تقديري ومحبتي

  • صقر ٢٠١٣/١١/١ - ٠٩:٤٩ ص

    أخي عبدالله
    الحمد لله على عودتكم سالمين، نحن سعداء بقرائة مقالتك وكذلك تفاعلك مع تعليقات القراء..!!..


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى