عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

المسؤولية الثقافية والوحدة الوطنية!

أمر مستحيل أن يكون أبناء الوطن متطابقين متماثلين في أفكارهم وآرائهم وثقافاتهم ومعارفهم كمنتج أحد المصانع، ويجب أن نقر بوجود التصنيف الفكري كحقيقة اجتماعية من أجل البحث عن علاجها، فهي موجودة على بعض المنابر، وموجودة في ميدان التربية والتعليم، والجامعات، وفي غيرها، ولقد باتت وصمة التصنيف تشكل هاجساً مرعباً وضغطاً كبيراً على بعضهم منعتهم من التعبير عن أفكارهم بحرية، وعرض آرائهم دون خوف، وإننا بحاجة إلى دراسات اجتماعية حقيقية؛ للوقوف على كثير من التحولات التي مرَّ بها المجتمع خلال العقود الماضية.
إن التصنيف الفكري موجود – شئنا أم أبينا- فإن لم نستطع تجريمه، فلنقم بترشيده؛ لأننا بحاجة كبيرة إلى التنوع الفكري – بشرط ألا يتعارض مع ثوابت عقيدتنا- أي لا بد لنا من الالتزام الديني والتنوع الفكري معاً.
كانت هذه المقدمة من مداخلتي في إحدى جلسات اللقاء السابع للخطاب الثقافي السعودي: «التصنيفات الفكرية وأثرها على الخطاب الثقافي السعودي» الذي عقد في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في الرياض آواخر ذي الحجة من العام الهـجري الذي غادرنا، حيث نوقشت على مدى يومين محاور اللقاء الأربعة بمشاركة عدد من أبناء وبنات الوطن في قاعتين منفصلتين ربطتهما التقنية الحديثة في حوار موضوعي متعقل، تمت إدارته من معالي الأستاذ فيصل بن معمر الأمين العام ومساعديه ببراعة إدارية عالية، وثقة بأهمية الحوار رافقت جميع الجلسات، ولقد كان لحسن التنظيم والتنسيق والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة ما يؤكد أن عملا شاقا وتخطيطا مستمرا سبق اللقاء، وأن كوكبة من العاملين المخلصين من أبناء وبنات الوطن كانوا وراء نجاحه وتميزه، وأن هؤلاء الرائعين قادرون على أن يتركوا أثرا نافعا ومهما في موقع مسؤولياتهم.
لقد ناقش المشاركون والمشاركات التصنيفات الفكرية في محاورها الأربعة، وأكدوا على دور المثقف في إدارة الحوار وتوجيهه، وأهمية تقبله الرأيَ الآخر، وعدم تهميشه، بل تناوله بالنقد الموضوعي بعيدا عن التشخيص، وأكدوا على ضرورة التنوع الفكري، وأنه ظاهرة طبيعية في كل مجتمع.
كان محور الجلسة الثالثة: «التصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية ومسؤولية النخب السعودية في هذا الشأن» ومنه أقتطف هذه التلخيصات المهمة:
- إن اختلاف الآراء ظاهرة صحية وليس عَرضا مرضيا، وأن مناقشة الرأي الفاسد والرد عليه تكون بالحجة والبرهان، وليس بالسخرية والانتقاص.
- إن لوسائل الإعلام المختلفة دوراً مهماً في الارتقاء بمستوى الحوار، والابتعاد عن الخوض في أعراض الناس، وتحويل الاختلاف حول الأفكار إلى خلافات شخصية، وأن الاستعداء من معوقات تنامي الاتصال، وأن من عوامل القبول والائتلاف أننا جميعا مسلمون يجمعنا دين واحد ووطن واحد.
- إن النتيجة الحتمية للتصنيفات الفكرية في ظل الأزمات، وتنامي الأحداث هي اضطراب في الأمن، وانتقال لمرحلة من التحزبات، وأن الأحداث الراهنة في محيطنا وَسعت من خطر التصنيف، وأن المسؤولية مشتركة بين المثقف والسياسي تجاه التنوع الفكري بما يعزز الوحدة الوطنية التي تسهم في محاربة المجتمع لظاهرة الإرهاب الفكري.
- إن التسرع في إصدار الأحكام دون تروٍّ مدعاة للفرقة، وإن وجود التصنيف يقتضي بالضرورة وجود الإنصاف، ونبذ التصنيف الفكري المؤدي للعنف والفرقة من خلال نشر ثقافة الحوار والشفافية وتكثيفها، وتكريس مفهوم: «أنت تختلف معي؛ إذا أنت وجه آخر للحقيقة».
- إن التكامل له أهمية بين جميع الفئات في المجتمعات الحية، وأن للتصنيفات الفكرية آثارا سيئة تتمثل في منع التكامل والتجانس بين المثقفين، والبعد عن التصنيفات الجائرة التي تتسبب في فشل التواصل بين النخب الثقافية.
- إن على المثقفين استثمار فرص الحوار بمناقشة الأمور المهمة، والطرح الموضوعي المتزن لها، والوعي بأن التنوع الفكري ثروة وطنية لا بد من تنميته وتطويره، وتغذيته بثقافات متنوعة، وأن التعددية الفكرية لا تهدد الوحدة الوطنية مما يتطلب نشر الوعي حول مفهومي الوحدة الوطنية والفكرية، وفك الاشتباك بينهما.
- إن الدولة الحديثة هي التي تتعدد فيها الآراء والاتجاهات، وأن واجبها حمايتها، ومنع فئاتها من الاحتراب والتصادم، والابتعاد عن أحادية الرأي، وطرح فكرة خضوعه للمراقبة الحكومية خطر فكري كبير يعوق الحراك الثقافي.
- إن مسؤولية النخب الثقافية تظهر في انتصارها للحق، والترفع عن الذاتية والشهرة، وحل أزمة الثقة بين الشباب وجيل الرواد، وإتاحة دور أكبر للمرأة المثقفة في التغيير والتخفيف من آثار التصنيفات الفكرية، والتأكيد على أهمية الصدق في الطرح دون خوف من التصنيف تحقيقا للتعايش المطلوب.
وقفة: أيها المصنف/ون إنني أعرف نفسي أكثر منك فأضعها حيث أريد لا كما تريد أنت أن تقولبني بمقاساتك الضيقة!

التعليقات (24):
  • Latifa ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٧:٢٩ ص

    مقال رائع يستحق القراءة اكثر من مرة.....شكرا للكاتب.

  • لعن الله بشار طاغية الشام ومن عاونه حتى لو بالكلام. ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٨:٠٩ ص

    الوحدة الوطنية لا تحتاج الا ثقافة,,,,,فوحدة أفراد الأسرة لا تتطلب من الأم والأب الثقافة,,,,كل مافي الأمر نلتزم بتعاليم الاسلام ونقتدي بنهج حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ,,,, وبس.

  • عايد الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٨:٣٠ ص

    شكرا استاذ عبدالله لطرح هذا المقال حول الافضليه وحرية الرأي التصنيف ... كل هذه الاموره تشكر عليها .. والاروع مخاطبتك ايها المثقفين وشريحه من الكتاب وكيفية التصنيف للاخرين... ويبدو ان شريحة كبيرة استهوتهم الكتابة عن قيادة المرأة وحقوقها... وكأن كل المشاكل والقضايا انتهت سوى تلك الهاجس- . شكرا لكم وقلم مبارك باذن الله

  • حمد ٢٠١٣/١١/٧ - ١٠:٠١ ص

    ينشرح القلب وهو يقرأ مثل هذا المقال الجميل ويتفائل بما تم طرحه من رؤية واضحة تدعو إلى الوحدة وإحترام الرأي الأخر، لكن يأبى بعض الناس إلا أن ينغص على الأخرين فرحتهم والخروج عن الموضوع من البداية لدرجة يتساءل الإنسان هل تم فهم المغزى من المقال، أم أن التعليق فقط لنفذ بواعث نفسية باللعن وغيره ، والكتاب يقرأ من عنوانه.
    تحية لك أخي عبدالله
    وتحية للقراء الموجودين لطيفة وعايد
    وكل من يأتي من القراء العقلاء،،،

  • قرنا الإستشعار ٢٠١٣/١١/٧ - ٠١:١٤ م

    مقال رائع أهديه للكاتب عبدالرحمن الواصل مع التحية عسى أن يجد فيه ماينفعه ويجعله يراجع بعض أفكاره وتصنيفاته المستدامة

  • فارس بن عجل ٢٠١٣/١١/٧ - ٠١:٥٧ م

    أحسنت / أستاذ عبدالله

  • فهمي حمود السعدون ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٤:٢٧ م

    شكرا لك اخي الكريم أبو اسامه على هذا المقال الرائع الذي يمثل ذروة النضج الفكري وان الاختلاف في الأفكار والآراء حقيقة طبيعيه وواقع لا يمكن التنكر عنه او رفضه لأنها طبيعة الحياة التي خلق عليها الله الإنسان ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحده ولا يزالون مختلفين ، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) كذلك يقول المفكرون ان كل فكرة تولد ، تولد معها جرثومة نقيضها وهذه سيرة الحياة حتى يرث الله الأرض ومن عليها . ولذلك وجب على الجميع عدم إلغاء الرأي الآخر والنظر الى الحياة بصوره شموليه ومن جوانب متعدده .

  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٦:٢٧ م

    الاختلاف يعني الحياة والتماثلية تعني الموت ومهما اختلفت الاراء والافكار فهذا لا يعني الخلاف وقديما" قيل نختلف لكن لا نفترق ، شكرا" استاذ عبدالله على هذا المقال الرائع والذي تطرح فيه موضوعا" هاما" وهو اختلاف الافكار والاراء فما احوجنا هذه الايام لكي يسمع كل منا الاخر بعيدا" عن لغة الاتهام والعصبية ، تحياتي استاذ عبدالله وشكرا" لقلمك الرزين والمتجدد ودمت بخير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٨:٥٢ م

    الأخت الكريمة لطيفة
    شكرا لك على هذا الثناء وهو دافع للتجويد.. لك خالص التقدير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٨:٥٤ م

    صاحب التعليق الثاني ..
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لك حرية عرض وجهة نظرك ولكن لو عدت للمعنى المعجمي لكلمة الثقافة لربما غيرت وجهة نظرك .. لك تقديري.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٨:٥٦ م

    أخي العزيز عايد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن مرورك بالمقال تشريف لكاتبه، وإن ما أضفته في تعليقك شهادة أفتخر بها من أخ يحسن فهم الحوار ويمارسه في سلوكه بأعلى درجات الوعي .. لك خالص المودة أبا عادل

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٩:٠٠ م

    أخي حمد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك مرورك الرائع وثناءك العطر وإن كنت أتمنى ألا يطغى الغضب عليك بسبب تعليق قد لا يروق لك.. إنه حق للجميع أن يعلقوا بما يرونه أو يعتقدونه فما يقوله الإنسان مسؤول عنه وما دامت إدارة الموقع قد أجازته فهي قد رأت فيه حقا لقارئ أن يقول ما يعتقد أنه صواب .. لك محبتي وتقديري

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٩:٠٢ م

    قرنا استشعار
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكر لك على وصف المقال بالرائع وشرف لي أن يقرأ الدكتور عبد الرحمن الواصل المقال .. دمت رائعا

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٩:٠٣ م

    أخي فارس
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لك خالص التقدير أن شرفتني بالمرور ..
    دمت أخا عزيزا

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٩:٠٥ م

    الأخ العزيز فهمي السعدون حفظه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لك التحية والتقدير على هذه الإضافة الرائعة التي صغتها بخبرة السنين وروعة الإطلاع ..
    دمت أخا كبيرا

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٧ - ٠٩:٠٨ م

    الأخ العزيز م. خالد العنانزة المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن الوعي بأهمية الحوار واختلاف الآراء وتعدد الرؤى أمر يحتاج إلى ترويض للنفس وتدريب للعقل وهي مهارات تحتاج إلى دربة ومران ... وتصقل بتوسيع المدارك وزيادة المعرفة والاطلاع.
    لك تحياتي

  • محمد النافع ٢٠١٣/١١/٧ - ١٠:١٠ م

    دائما مبدع ابو اسامه

  • merzook ٢٠١٣/١١/٧ - ١٠:٥٢ م

    وبعد كل هذا: من هو المثقف?

  • أحمد شلبي ٢٠١٣/١١/٨ - ٠٩:٥٣ ص

    لقد كنت متشوقا للوقوف على أنشطة وحوارات هذا الملتقى وأهدافه .. وهو ما استطعت إيصاله ببراعة وإيمان برؤيتك الفكرية التي تستوجب التحية والتقدير .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٨ - ٠٨:٣٥ م

    عزيزي محمد النافع
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك المرور والقراءة، وأشكر لك الثناء.
    لك تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٨ - ٠٨:٥٥ م

    عزيزي مرزوق
    لا أحسبك ممن يحار في الوصول إليه!
    دمت متسائلا ذكيا

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/٨ - ٠٨:٥٩ م

    أخي أحمد شلبي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أتمنى أن تتصفح الموقع الرسمي لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.
    سررت بمرورك المميز كتميزك إنسانا وشاعرا وناقدا
    لك تقديري

  • الجوري ٢٠١٣/١١/٩ - ٠٣:٤١ ص

    مقالك جيد ولاكن حز في خاطري انك ذكرت المسؤلين الذكور القائمين على القاء السابع للخطاب الثقافي ولاكن لم تذكر اسماء النساء المساعدات على هذا القاء اتمنى
    عدم التهميش حتى ولو كان شيء بسيط بنظرك فهو ليس بسيط بنظري انتم الذكور دوما تحاولون تهميش النساء
    عموما مقال جيد ولاكن ليس دقيق واهدافة ملغمة ويعجبني جدا التلغيم في المقالات وتشويق البسيط

  • الجوري ٢٠١٣/١١/٩ - ٠٣:٥١ ص

    الأخ merzook انا اخبرك من هو المثقف الذي ليس علية خلاف المثقف هو كتاب الله القرأن الذي اتى مواكب لجميع الأزمان والعصور لانة كلام الله مهمى بحثت فلن تجد الجمال الا في كتاب الله والثقافة والرقي والأعجاز فاتمعن به لتتثقف


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى