عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

خُدي رُوجِي!

استمع كثيرون لعبارة: «خُدي رُوجي» بلهجة مصرية واضحة حيث قُلبت الذالُ دالا، وهي عبارة قالها أحد المصريين لزوجته؛ لتقوم بأخذ ابنتها وتدخل إلى الشقة كي يكمل تصوير ما يستطيع من مشهد الشغب في منفوحة، وهو ما تم عرضه عبر مقطع (YouTube) قام بتصويره بواسطة هاتفه النقال من شرفة شقته، ويُفهم من سياق كلامه ذلك أنه كان يرد على زوجته الخائفة التي تطالبه بالدخول؛ ليبتعد عن الخطر!
عاد اسم منفوحة – وهي اليوم أحد أحياء الرياض المعروفة – من جديد لواجهة الإعلام عصر السبت الماضي بسبب أعمال الشغب التي قام بها عدد من مجهولي الهوية الذين تحصنوا في شوارع ضيقة في الحي، وأثاروا أعمال شغب، ورموا المواطنين والمقيمين بالحجارة، وهددوا الأرواح بالسلاح الأبيض، وعرضوا الممتلكات للتلف والحرق والتكسير، ونتج عن ذلك مقتل أحد المواطنين، وأحد مجهولي الهوية، كما حدث عدد من الإصابات بعضها لمواطنين.
ارتبط اسم منفوحة بصناجة العرب ميمون بن قيس الملقب بـالأعشى المتوفى سنة 7 هـ، الذي ينسب إليها في أرض اليمامة، وقد تردد اسمها في سوق عكاظ الأخير في أواخر العام الماضي حيث كان الأعشى الشخصية المحورية فيه، وقد حضرت السوق بدءا من الافتتاح الرائع الذي شرفه صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير مكة المكرمة، وتخللته مسرحية الأعشى، وما تبعها من أمسيات شعرية.
استطاعت الأجهزة الأمنية – بحمد الله وتوفيقه – حسم الأمر بسرعة تدخلها، وسيطرت على الوضع، وعزلت مثيري الشغب عن المواطنين والمقيمين، وقبضت على أكثر 500 من المحرضين على أعمال الشغب ومجهولي الهوية، واستطاعت أن تقوم بإجراءات الضبط الجنائي والتحقيق في الحادثة.
لقد أصبح وجود ملايين العمال أمرا حتميا في البلاد؛ للقيام بالأعمال المختلفة، وقد ارتفعت أجرة العامل خلال السنوات الأخيرة – خاصة بعد الحملات الأمنية، والفرصة التي منحت لتصحيح أوضاع إقامتهم – ولا شك أن وجود هذه الأعداد المهولة من المخالفين نتج بسبب ممارسات خاطئة من بعض المسؤولين، وجشع كبير من المواطنين – عدا تلك الأعداد التي وصلت بطرق غير مشروعة من الإثيوبيين الفارين من بلادهم – من أجل العمل، وقد يكون بعضهم دخل مدفوعا من جهات خارجية؛ للعبث بأمننا!
إن وجود هذه الملايين من العمالة الأجنبية بجنسيات مختلفة وديانات وثقافات متعددة يتطلب – دون شك – إعادة النظر في الإجراءات التي تنظم العلاقة بهم مع كفلائهم ومع الدولة فتكون أكثر وضوحا ودقة؛ ليقوموا بأعمالهم على أكمل وجه، ويحصلوا على حقوقهم كاملة دون الإضرار بأمن الوطن وسمعته في إقامة العدل وحفظ الحقوق.
إن واجب الوزارات المعنية بأمور الوافدين أن تعمل على منع ارتكابهم الجرائمَ بتوفير جميع الأسباب اللازمة التي تحول دون وقوعهم فيها، وأن تبين لهم بوضوح الأنظمة المرعية في البلاد بلغاتهم المتعددة وبوسائل مختلفة، وأن يكون لسفاراتهم دور في توجيههم بالالتزام بالأنظمة وعدم تجاوزها، وحثهم على احترام التقاليد والأعراف السائدة، وعدم الخروج عليها، كما أن من واجب الوزارات المسؤولة أن تبين لهؤلاء الوافدين – خاصة أن فئة كبيرة منهم غير متعلمة – العقوبات المترتبة على المخالفات والجرائم، وتحديدها لهم بأركانها، وأن يكون تطبيق تلك العقوبات على المخالفين بحزم وحسم ودون تهاون أو استثناء.
إن المواطن الذي شاهد الصور التي تم تداولها عن أعمال الشغب يتساءل كيف وصل هذا العدد من الجالية الإثيوبية إلى البلاد؟ وله أيضا أن يسأل ما سر عدم القدرة على صد موجات العابرين للحدود منهم؟ وله أن يتساءل عن قدرة هذه المجموعات الكبيرة على الانتقال بين مناطق المملكة وكيفيتها؟ وللمواطن أن يخشى من الأخطار التي تتهدد أمنه، وأمن أسرته بسبب وجود هؤلاء المخالفين الذين رأى بعينيه فعلهم السيئ، وخطرهم الشديد في منفوحة؟ وله أن يسأل ما الذي سيحدث إن تأثرت بفعلهم مجموعات من بعض الجاليات الأخرى لأي سبب من الأسباب؟
إن الثقة بالأجهزة الأمنية ما تزال كبيرة – ولله الحمد – في قدرتها على القيام بواجباتها في حفظ الأمن الذي تميزت به بلادنا، ولكن الأمر يتطلب – دون شك – القيام بإجراءات أمنية حقيقية تمنع تكرار ما حدث أو ما يماثله، ولا يخفى على رجال الأمن أن دورهم الأساسي هو منع الجريمة قبل وقوعها، وأن من أولويات مهامهم أن يستشعروا وقوع الخطر عبر وسائل المراقبة والمتابعة والرصد لأي فعل مخالف يبعث الريبة، فغالبا ما يكون لمثل هذه الأفعال مقدمات تنبئ بحدوثها!
وقفة: كان العامل قبل الحملات الأمنية يأخذ أجره كاملا قبل أن يجف عرقه، فأصبح اليوم يأخذه مضاعفا ومقدما قبل أن يَعرق أصلا!

التعليقات (8):
  • عادل سالم الرحيل ٢٠١٣/١١/١٤ - ٠٧:٤٦ ص

    مقال رائع حقاً اتسم بعرض شامل لما يحدث حاليا على الساحة الاعلامية
    سلمت يمينك يااستاذي الفاضل ونتطلع الى المزيد من روائعك الثقافية.......دمت بخير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/١٤ - ٠٩:١٣ ص

    عزيزي عادل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرور بالمقال وزادني تعليقك سعادة ..
    دمت بخير

  • نواف الفهاد ٢٠١٣/١١/١٤ - ٠٩:٤٣ ص

    صحيفة الشرق تتميز بكُتّابها .. و ما الأستاذ / عبدالله مهدي .. إلا صفحة إبداع من صفحات التميز التي تعيشها الشرق مع مُتابعيها .. و الذي نتمنى أن يتواصل إبداعاته و كتاباته ..

    ماتطرّق له الأستاذ عبدالله لم يدع لأمثالي أي مجال لتقديم إضافة لهذا الموضوع .. فقد ألمّ الأستاذ بالموضوع من جهات النقاش الأربعة ..

    و لكن مايمكنني قوله أن مثل هذه الأحداث ناقوس خطر .. و عيار لم يصب لكنه أدوش .. و آن الأوان لإن يرمي كل مسؤول رداء الغفلة و الطيبة و الإستنفاع .. فالقضية لم تعد تمثل أشخاص .. بل هي قضية وطنية مهمة و خطيرة جداً ..

    حمى الله هذه البلاد و أهلها .. و أدام علينا و على بلادنا نعمة الأمن و الأمان .. و أقول لكل رجل أمن و بلهجة الوطن العامية .. الله يقوّيكم !

    و آسف للإطالة ..

  • محمّد الحويل ٢٠١٣/١١/١٤ - ١٠:١٨ ص

    {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]}.
    منفوحة تقع في قلب الوطن النابض ؛ والمساس به مساس بالأطراف وبقيّة الجسد.
    منفوحة لمْ تكن على الشريط الحدودي للوطن.
    ولكي يقضى على هذه المشكلة يتطلّب ..:
    * أولا ..: أن نعترف بالمشكلة.
    *ثانيا ..: أن يبحث عن أسباب وطرق دخول مثل هذه الجموع .
    * ثالثا ..: معالجة الثغرات الأمنية التي تم تجاوز هذه العمالة عبرها. وذلك بمحاسبة المخطئ بأثر رجعي. وتحسين بيئة عمل الموكلين بالشريط الحدودي ماليا ووظيفيا .
    * رابعا..: إعادة تشكيل أنظمة الإقامة ؛ فالمدة المفتوحة للمقيم بالعمل لأكثر من عشر سنوات مدعاة لتجذّر المقيم ماليا من خلال التستر ؛ ومجتمعيا من خلال تكتّل جماعات تنتمي لأسر في بلدانها تأتي هنا لتشكّل تجمع مستقل يتوالد وفي قادم الأيام تستوطن المكان مولدا ونشأة وربما طالبت بحق المواطنة غير أنّها غيرت من التركيبة السكانيّة.
    # منفوحه علّقت الجرس في فوضويّة يشارك فيها الجميع. وتعامل القوات الأمنيّة بنجاح . لن يغلق الملف مالم تعاد هيكلة ومحاسبة لإدارات كانت سببا في وجود المشكلة

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/١٤ - ١٢:٣١ م

    عزيزي وابن عزيزي
    لقد أضفت الكثير بمرورك ولامس شعورك واستشعارك حجم الموضوع وخطره.
    دمت شاعرا مبدعا بقيمك .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/١٤ - ١٢:٣٣ م

    عزيزي محمد الحويل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    افتقدت تعليقاتك الراقية والواعية والمفيدة وها أنت اليوم تعود وتثري هذه الصفحة بتعليق راق يؤكد ما تحمله من وعي بالمشكلة وخطرها.
    حما الله الوطن والمواطنين والمقيمين الشرفاء على أرضه وأعان الله رجال أمننا ووفقهم ..

  • أحمد شلبي ٢٠١٣/١١/١٥ - ١٢:٤١ ص

    مقالة محترمة من كاتبٍ قضيتُه وطنه , رؤية للقريب البعيد من أمن الوطن . . حفظ الله المملكة من غوائل التسلل والتربص والقنابل البشرية المجهولة التي لا خير في وجودها .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١١/١٥ - ٠٧:٢٠ م

    عزيزي الأستاذ أحمد شلبي المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إنه لشرف كبير لي مروركم بالمقال والتعليق عليه، وأعلم كم هو حبك للمملكة العربية ولمصر الكنانة.
    لك أعطر التحايا


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى