محمد الحرز

محمد الحرز

العلمانية والدين: تاريخ من النزاع والتصالح

يلفت انتباهنا الفيلسوف بول ريكور في كتابه «الذاكرة.. التاريخ.. النسيان» إلى جانب مهم يخص تاريخ الفكر الغربي، خصوصاً ما يتعلق منه بفكر عصر الأنوار، فقد كانت سهام النقد، في ذلك العصر، موجهة بصورة مباشرة، إلى كل فكر ظلامي، يرتكز على التطرف والتعصب الديني، والخرافات والاعتقادات التي تتعارض مع العقل الإنساني، والدفاع في نفس الوقت عن الحريات بالأخص منها الحريات الدينية، لقد كان التنويريون شرسين تجاه محاربة كل مظاهر هذا الفكر، وكانت سهام نقدهم تصل إلى العمق. بينما في العصر الراهن تغيرت وجهة النقد تماماً وصار الشك والارتياب سمة بارزة فيه، وأصبح لا يبقي على كل اعتقاد أو إيمان إلا وسعى إلى تفكيكه أو الشك في صدقه أو حقيقته.
لذلك لا يخفى على كثيرين الهجمات الشرسة التي قامت ضد كل فكر كان ينطلق من مسلمات دينية أو معتقدات لها صلة وثيقة بمفاهيم دينية. وبول ريكور حين يبين الفرق بين وظيفة النقد وتوجهاته بين عصر الأنوار، والعصر الراهن، يعلم فداحة الأمر الذي أوصل الفكر النقدي الغربي إلى مرتبة الأسطورة بمسلماته التي لا يقابلها في المرتبة سوى مسلمات الفكر الديني، الذي سعى هو إلى محاربتها. هذه الفداحة لم تترك للفكر الديني خياراً آخر، سوى أن ينهض ويدافع عن نفسه، بل اضطراراً تارة، ورغبة تارة أخرى، سعى إلى تجديد خطابه، وجعله مسايراً للفضاء العلماني للمجتمعات الغربية، أو بمعنى أصح أصبح متصالحاً معه.
لقد ظل الفضاء العلماني الغربي يستبعد الدين عن مجال تفكيره، وكانت تحرك هذا الاستبعاد قناعة سيطرت على جُل المفكرين والفلاسفة، رغم اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وتخصصاتهم، وهي أن الدين سيفقد شرعية وجوده مع تطور المجتمعات وتقدمها، وليست سوى مسألة وقت وينتهي كل شيء. كانت الانعطافة الكبرى حدثت ما بعد فترة السبعينيات في القرن العشرين، حيث بدأ الدين وتأثيراته يعود بقوة، وأصبح الإقبال عليه والتمسك به يشكل ظاهرة لافتة للنظر في المجتمعات الغربية، وأصبحت مسائل من قبيل الهوية والعدل والحريات والأخلاق تفرض نفسها في المجال العام، انطلاقاً من علاقتها بالدين، وأصبح رجل الدين والمسجد أو البابا والكنيسة له تأثيراته على صنع القرارات السياسية ورجالات الدولة. والسؤال الذي أود طرحه هنا الآن: هذا الرجوع للدين بعد أن ظن الفكر الغربي أنه تخلص منه، أو في طريقه للتلاشي، ماذا كان موقف الفضاء العلماني منه؟ هل ظل على قناعته التي توارثها من عصر الأنوار، أم عمل على إزاحتها كي تستوعب التبدلات والتغيرات التي حصلت؟
من دون أدنى شك، هذا الرجوع سبب صدمة للفكر العلماني الغربي. لكنه لم ينفِه أو يهمشه، وهذه إحدى الميزات الكبرى للفكر الغربي، قابليته واستعداده للحوار والنقاش. لذلك كانت القوة المدهشة التي كان يمتلكها الخطاب الديني في إضفاء المعنى على حياة الإنسان، وبروزه بوصفه هوية له يتحرك من خلالها في مجاله العام وعلاقاته في الأخلاق والسياسة والاجتماع، هي التي جعلت المفكرين العلمانيين يسعون لفهم هذه الظاهرة، واستيعابها، حتى أنهم بعد التقصي والبحث أوجدوا كثيراً من المبررات التي ترتكز عليها في تبني بعض القناعات، من قبيل أن فضاء الفكر العلماني هو خارج من فضاء الدين المسيحي، لم ينقطع عنه البتة. والصلة التي تجمعهما أكبر من الصلة التي تفرقهما. من هذا المنطلق قامت كثير من الدعوات، وأطلقت كثير من المقولات التي تطالب بعدم اقتصار فهم الدين في مجاله الفردي فقط، وإنما ينبغي معاملته كما تعامل السياسة والأخلاق والعلم على اعتبار أن خطاباتها تشتمل على القوة والمنفعة، والخطاب الديني لا يختلف عنها في ذلك. وفي هذا الإطار بدأت تتشكل الدراسات التي تعتني بالظاهرة الدينية، وأخذ المفكرون، على اختلاف توجهاتهم، ينتجون النظريات تلو الأخرى، ويقترحون على الفكر ما يغني الموقف، ويعمق الرؤية، ويوسع الإدراك، وأصبحت الجامعات ومعاهد الدراسات تستقطب كثيراً من أصحاب هذه النظريات، وتهيئ لهم الأجواء الصحية للحوار والنقاش، وتقيم المؤتمرات وتدعو لها أقطاباً شتى من المهتمين من جميع الأديان دون استثناء، حتى أنه بدأت تبرز ملامح تخصص أطلق عليه دراسات ما بعد العلمانية، وتبلورت رؤية لم تطرد الدين من مجال تفكيرها، بل فهمته وتعمقت في فهمه، ولو أردنا أن نحصي أو نقف على مسار كثير من النظريات التي أنتجت حول مسارب كثيرة لها صلة بالظاهرة الدينية لاحتجنا إلى كثير من الوقت والجهد والفهم. لكن حتى تقع أيدينا على الصفة الدقيقة التي تميز الفكر الغربي، يمكن أن نجدها هنا تحديداً، في مسيرة الفكر في تجلياته العلمانية في تعامله مع الدين، فهي تبين لنا الحصانة التي يتمتع بها الفكر الغربي بميراثه وتقاليده التي تجعله ممتنعاً أو عصياً على الاختراق أو التوظيف في المجال السياسي، فمنذ النزاعات الحادة التي بدأت تظهر في أواخر القرن التاسع عشر، حين ظهرت نظريات حاولت أن تقرأ الدين من خلال منطق العلم البحت مثل نظرية ماكس مولر الذي أشار إلى أن اللغة هي أصل الدين، ثم توالت بعدها نظريات إدوارد تيلر، وجيمس فريزر، مروراً بماركس وفرويد وانتهاءً بماكس فيبر الذي كان يرى أن عقلانية الرأسمالية والحداثة كفيلة بإزاحة الدين الذي لا عقلانية له. لاحظوا معي هذا الموروث من النزاعات الحادة لم يصل إلى القطيعة بينهما، ولم يترك ثغرة يستغل الفكر من خلالها، وهنا الدرس الذي ينبغي استيعابه بالنظر إلى النزاعات الحادة في مجال الفكر العربي الإسلامي، فمنذ أن ورثنا الأدبيات العلمانية من الغرب بعد الحرب العالمية الثانية على اختلاف توجهاتها من قومية وليبرالية ويسارية، ونحن لم نخرج من ثنائية الديني والعلماني، مما أوصلنا إلى حالة من انسداد الآفاق في وجه تطور الفكر والثقافة. الفيلسوفة النسوية جوديث بتلر حين تقارن العلمانية الصهيونية في تطرفها وظلمها للشعب الفلسطيني بالتراث الديني اليهودي الذي فيه أفق أرحب للتعايش والتفاهم، فهي تعطي الدليل القاطع على قوة الفكر النقدي وحصانته وقوة قيمته في نفوس الباحثين والمفكرين. فبرغم علمانيتها إلا أن الحقيقة هي المطلب الأهم. فمتى نتعلم هذه الروح في الفكر والتربية والبحث؟!

التعليقات (7):
  • محمد الغامدي ٢٠١٣/١٢/٩ - ٠٩:٤٦ ص

    لا اعتقد بوجود صراع بين العلمانيه والفكر الديني في الغرب. الجميع متفق علي مبادي العلمانيه هناك.
    لان العلمانيه اساسا تقوم علي فصل الدين عن السياسه وليس الغاء الدين او مخاربته' وهذا ما يحدث في اوربا منذ نشوء الحركه العلماتيه والي اليوم.
    صحيح ان التدين عاد بقوة كممارسه فرديه لكن الدين لا علاقة له البته في الحراك السياسي عموما
    ويمكن الاستشهاد علي ذلك بان البابا بندكتوس السادس عشر. كان علمانيا

  • ابن فأمده ٢٠١٣/١٢/٩ - ٠٦:٠٣ م

    وجهة نظر ودروس يستفاد منها من اقتنع

  • ابن فاهده ٢٠١٣/١٢/٩ - ٠٦:٠٥ م

    وجهة نظر

  • العبدلي ٢٠١٣/١٢/٩ - ٠٩:١٠ م

    بعد كل الفشل الذي مني به العلمانيه واللبراليه بالوطن العربي واتجاههم لاساليب اخرى وماثبت بعدها بانهم كانو يخططون ويرسمون لسراب لم ينجح ، بعد كل هذا مازالنا نرى من يكتب عن هذه الافكار الدخيله الفاشله ، فشلت في الغرب وصدروها لنا وفشلت ن من المفترض ان يعي اؤلئك الدرس ، واخيرا اتى من يقول الدين الاسلامي لبرالي واخر يقول الرسول سعودي ، لم يعد لديهم شي ولذا نرى ان يطوو كل ملفاتهم ويهاجروا ليعودو بافكار ربما تقنع جيلا اخر لينشروه ، وكان الاحرى بهم ان ينشروا الفكر السماوي ويتبنوه لانه الاصل ، والله المستعان .

  • ابو عبد الله الاصلي ٢٠١٣/١٢/٩ - ١١:٣٣ م

    المعلق ابو عبد الله الاصلي للاحاطه وشكرا....

  • ابو عبد الله الاصلي ٢٠١٣/١٢/٩ - ١١:٣٨ م

    اهلا استاذ محمد الحرز .....مقال مهم فهل تعي المراجع الدينيه انه زمن الضحك على العقول انتهى وان ربط قرارات الناس برخصه دينيه من المرجع اصبحت تصرف خارج اطار الزمن ..... وحتى لدى بعض الزوايا الصوفيه الذين يريدوا توجيه الناس لرغباتهم حتى لو القبول بالاستعمار ؟!... وان من ليس لديه شيخ فان شيخه الشيطان وزيارة القبورالتي ليس لقريب للدعاء له او للعبره .... وانما للدعاء والاستغاثه من ميت؟!!... هذا السلوك المتخلف هل مقالتك انشاءالله ستكون سببا في مراجعة افكارهم امثال هؤلاء المستغلين للجهلاء ؟!!....وكذلك توعيه لمن جهل او استُجْهِل ... لك تحياتي

  • merzook ٢٠١٣/١٢/١٠ - ٠٢:٢٢ ص

    هناك قيم إنسانية~أخلاقية موجودة عند البشر عامة, حتى من يعيشون في ألأدغال. ألدين (الفطرة) تتقاطع مع هذه القيم ألإنسانيه ويفهم هذا التقاطع ~خطءً~ بأنه رجوع إلى الدين. ألإنسان, سواءً كان توجهه دينيا أو علمانيا يتمسك بالقيم النبيله ألتي فُطر ألإنسان عليها كحالة أساسية في بنيته.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى