عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

الوظيفة.. بين الأخطبوط والسَمَنْدل

يحدد الهيكل التنظيمي وصفا للوظيفة، ويعرف من خلاله مهام شاغلها ومسؤولياته وصلاحياته أي مربع سلطته أو صلاحياته؛ ولأن شاغلي الوظائف مختلفون في أفكارهم، ومتباينون في شخصياتهم، ومتمايزون في مهاراتهم، وغير متطابقين في فكرهم الإداري؛ فإنهم لا يكونون على نمط واحد في شغل تلك الوظائف!
هناك من يملأ جزءا صغيرا من مربع وظيفته، وهناك من يملأ جزءا كبيرا منه، وهناك من يملؤه كاملا، وهناك من لا تكفيه حدود وظيفته، فيكون التجاوز على الأول والثاني من المجاورين لهما، ويكون الثالث في حال حذر ودفاع، أما الرابع فمصدر خطر دائم على من حوله، فيتجاوز إلى المربعات المجاورة له أو التي تعلوه في السلم الوظيفي، فيتحول إلى واقع بديل غير إيجابي؛ لكثرة الأذرع التي يستخدمها في كل الاتجاهات، فيكون الذي حوله ممن يشغل مربعه كاملا في حالة حذر شديد، ودفاع دائم؛ لمنعه من التجاوز عليه أو التدخل في صلاحياته ومهام وظيفته، ويمكن تشبيه هذا البديل بالأخطبوط الذي يعتبرونه الأذكى في عالم اللافقاريات، وأنه قادر على القيام بإنجازات أو أعمال لا يمكن أن يقوم بها أي حيوان آخر من اللافقاريات، حيث أثبت باحثان إيطاليان أنه قادر على تعلم سلوك معين من خلال ملاحظة تصرف أقرانه.
ويمكن تشبيه بعض الموظفين بالسمندلات – واحدها سمندل – وهو كائن لديه قدرة عجيبة على البقاء إذ تمكن – في مقطع مصور – من التخلص من الأفعى التي كادت أن تبتلعه، ثم ابتلعه الضفدع – وهو تحت الماء – فتسبب له بموت سريع، فخرج السمندل من جوفه عائدا إلى بيئته دون أن يتأثر، وهو مشهد غريب يدعو من يشاهده لتأمله والوقوف عنده!
وقفت كثيرا عند ذلك المشهد الذي ربما دفعني الفضول أو غيره بعد رؤيته إلى البحث؛ لتتبع ما قيل عنه، والتعرف على خصائصه، فوقع في نفسي أن بعض البشر – وخاصة في الميدان الوظيفي – لديهم قدرات تفوق السمندلات!
يقول عنه العجوز (google): إنه يسمى النيوط أو السمندل المائي، وهناك من يسميه «السلمندر المائي» ويعرف بـ: (Newt) بالإنجليزية، وهو حيوان برمائي يعيش طوال حياته في الماء.
لقد وهب الخالق – سبحانه – خصائص وقدرات مختلفة لمخلوقاته، ومنها القدرة التي وهبها لهذا الكائن الضئيل – السمندل – على حماية نفسه ممن يفوقه قوة وفتكا، فقد وهبه قدرة على تجديد أطرافه وكثير من أعضائه حتى الدقيقة منها، وتجديد عدسة عينيه أكثر من مرة مع الاحتفاظ بخصائصها الهيكلية والوظيفية كما أن الخلايا في موقع الإصابة لديها القدرة على إلغاء التمايز الخلوي، فتتحول إلى خلايا جذعية تتكاثر بسرعة؛ لإنشاء طرف أو عضو جديد.
كتب نجيب الزامل مقالا بعنوان «المعلمات والمعلمون، والواقع البديل» في العدد (13684) من جريدة اليوم، واقتطفتُ هذه المقدمة المتعلقة بموضوع الإدارة من المقالة حيث قال «هناك كلمة في الإنجليزية هي (دي فاكتو)، وتستخدم كثيرا في العلوم والتقارير السياسية، وأيضا في المضامير والحالات البشرية المختلفة، وأقرب معنى لها بالعربية – برأيي – هي «الواقع البديل» فعندما يغيب «الواقع الأصلي» أو يتراجع أو يضعف يحل محله الواقع البديل، وإن كانت الواجهة فقط للواقع الأصلي».
ليس شرطا أن يكون من هو في قمة الهرم الوظيفي في المؤسسة أو الشركة أو الإدارة أو القسم هو القائد الفعلي، فقد يبرز أخطبوط أو سمندل فجأة فيختطف ذلك الدور منه بأسلوب من الأساليب المشروعة أو غير المشروعة، وقد يكون أحد تلك الأساليب برغبة أو موافقة منه؛ لإبرازه كواقع بديل من أجل هدف غير معلن لفترة محددة أو مرحلة – وهي ممارسة خاطئة دون شك – حيث تكون الخطورة كبيرة عندما يمارس دور الواقع الأصلي – رغما عنه – برغبة جامحة مستغلا ضعفه أو مستندا إلى دعم خفي من الرئيس الأعلى فتبرز صراعات معلنة أو غير معلنة بينه وبين زملائه المساوين له في الدرجة الوظيفية بسبب توسع دوره الوظيفي وصلاحياته، وتنامي نفوذه على حساب أدوارهم بل تهميشها في كثير من الحالات.
وقفة : إن وجود «الواقع البديل» أو البديل الأخطبوط في الهيكل التنظيمي أمر غير إيجابي، ولا يقل عنه سوءا وجود السمندل المهدد الخطر الدائم، فبوجودهما أو أحدهما تكون الأضرار كبيرة على الأداء العام، وغالبا ما يساهم ذلك في خلق بيئة عمل غير صحية، فانظر حولك هل ترى سمندلا أو أخطبوطا؟

التعليقات (4):
  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٣/١٢/١٢ - ١١:٥٩ ص

    اعتقد ان وجود السمندل يدل على ضعف المدير الفعلي فيلجأ الى السمندل ليحل مشكلته ويغطي على ضعفه وللاسف هذا موجود في مؤسساتنا العربية ، تحياتي لك استاذ عبدالله ولقلمك المبدع دائما" بكل جديد ودمت بالف خير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١٢/١٢ - ٠١:٠٣ م

    عزيزي م. خالد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لكن بعض السمندلات لم تكتف بحماية نفسها بل أخذت تهدد من فوقها في السلم الوظيفي فأصبح ذلك المسؤول أو الرئيس في حالة قلق دائمة من ذلك السمندل ... لا يستطع أن يتخذ قرارا أو يبادر بمشروع هربا من الوقوع في ما لا يرضي ذلك السمندل وأذرعه القوية أو الخفية ...
    دمت بعيدا عن كل سمندل وأخطبوط!

  • ابو عبد الله الاصلي ٢٠١٣/١٢/١٢ - ٠٣:٢٨ م

    يقول الاستاذ الدكتورحمزه..... " فقد رسم اللغويون والنحويون القدماء في تدوين نصوصها وفي مقولاتهم التي صرحوا بها عنها صورة مفادها ان العرب حتى اواسط القرن الثاني الهجري كانوا يتكلمونها لغة يوميه بالصوره التي نجدها في القرآن الكريم والشعر . وهو مايعني انهم كانوا يتبعون القواعد التي وضعها النحويون واهمها التي تحكم الاعراب"
    هذا رائع يادكتور حمزه .... هذا يكفي يادكتور حمزه لاقناع الاستاذ ابراهيم طالع بان من شكك في لغة الشعر او لغة القرآن في القرن الاول اوالقرن الثاني كانوا غير دقيقين او قاصدين الاساءة للغة القرآن الكريم ؟!.... ويثبت ايضا ان اللغة الفصحى ونحوها كانت محميه في وسط جزيرة العرب من اللحن المعيب .... شكرا يادكتور حمزه على جهدك الكبير ودورك الكبير في الدفاع والحمايه عن لغة الضاد لغة القرآن الكريم ... ويفهم من مقالك ان الدراسات التي قام بها العلماء هدفها حماية لغة القرآن وحماية لسان العرب الاصيل الذي تأثر بدخول الكثير من الاعاجم للاسلام او باختلاط العرب المواليد خارج جزيرة العرب او ماحدث للقبائل المتواجدة على اطراف جزيرة العرب واحتكت او استَعمرت من الاعاجم ..... شكرا للجميع مرة اخرى.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٣/١٢/١٢ - ٠٥:٤٢ م

    عزيزي أبا عبد الله الأصلي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جاء تعليقك في غير مكانه ولست أدري إن كان بسببك أو بسبب الشرق فمحتواه يدل على أنه تعليق على مقال الدكتور حمزة المزيني.
    وقد سبق أن كان لك تعليق منذ عدة أسابيع قد جاء خطأ كذلك.
    حفظك الله أخا عزيزا.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى