عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

مهمتان مرهقتان

ينشغل الإنسان بشكل كبير ودقيق إذا توافر له الأمن، وتيسرت له سبل المعيشة بأمرين اثنين هما: التعليم والصحة؛ لأهميتهما إذ يكون فيهما سلامة العقل والبدن معاً، فالاهتمام بالتعليم الراقي للأبناء والبنات بدءاً من رياض الأطفال ومروراً بمراحل التعليم العام الثلاث يشكل أهمية كبيرة ورئيسة في بناء المجتمع وتقدم الوطن إذ على أساسه تقوم مراحل التعليم الأخرى، وتفتح ميادين العمل أمام الشباب المؤهل تأهيلاً حقيقياً، وتشكل جودة التعليم هدفاً كبيراً للأسرة، التي تدفع بفلذات أكبادها إلى مدارس التعليم العام، وتعتني وزارة الصحة بسلامة البدن بدءاً بسلامة الزوجين وعناية بالجنين أثناء الحمل والاهتمام به في سنواته الأولى من توفير للقاحات اللازمة -وفقاً لمعايير منظمة الصحة العالمية- وتتعهده بالاهتمام أثناء مراحل الدراسة بكل سبل العناية والتوعية والرعاية اللازمة، التي تضمن له صحة عامة ممتازة.
إن وزير التربية والتعليم ووزير الصحة يقومان بمهمتين مرهقتين إذ تقعان في دائرة الاهتمام الكبير للأسرة والمجتمع، بل هما في أعلى سلم أولويات المسؤوليات الوطنية الكبرى غير القابلة للمخاطرة أو التهاون في أدائهما، وتتطلبان جهوداً كبيرة وشاقة تعتمد على الوعي التام بالأسس والمعايير العالمية المتجددة، حيث تتسابق الدول لتحقيق أعلى درجات النجاح في هاتين المهمتين؛ لعلاقتهما بالإنسان الذي لا يختلف اثنان على أنه يتسنم أعلى درجات الاستثمار؛ لأنه هو مَنْ يحقق النماء في كل ميادين الحياة العلمية والعملية والثقافية والحضارية، بل هو مَنْ يحمل على عاتقه مهمة عمارة الأرض.
ظهرت مؤخراً بعض الإحصاءات عن الخدمات الصحية، وهي تؤكد حقيقة قائمة أن وزارة الصحة لا تزال في حاجة أكيدة إلى بناء عددٍ كبيرٍ من المستشفيات العامة والتخصصية في كثير من المناطق، والتوسع في خدمات بعض المستشفيات القائمة، والبدء في مشاريع صيانة لبعضها، حيث لا تزال الخدمات الصحية المقدمة غير متناسبة مع النمو السكاني المتزايد، وأن الجهود المبذولة من خلال الاعتمادات الكبيرة التي تخصص كل عام لدعم القطاع الصحي في الميزانية العامة للدولة والتوسع في خدماته وتنويعها لم تصل إلى المستوى المأمول لسد هذه الفجوة.
إن البيئة التعليمية المثالية ركيزة أساسية من ركائز نجاح التعليم، وعامل مهم من عوامل تحقيق الجودة، التي يتغنى بها كثير من كبار المنظرين في وزارة التربية والتعليم، ومديري العموم في بعض المناطق -حتى أن الاهتمام بالدعاية لها أخذ وقتاً وجهداً من المدارس وهيئاتها الإدارية والتدريسية وطلابها وطالباتها بعيداً عن جوهر الجودة- ويتكرر الفعل سنوياً -دون إعادة نظر فيما يهدر من الوقت والجهد والمال.
لا تزال بعض المباني المدرسية في حال من السوء يرثى لها، وهي حقيقة ماثلة للعيان إذ لا تزال وزارة التربية تستأجر مباني لم تعد أصلاً لتكون حاضنة حقيقية لمشروع تعليمي، ولا يمكن أن تحقق للعملية التربوية ميداناً حقيقياً تتم خلاله عمليات تعليم مناسبة، ولم تتخلص الوزارة من هذه المشكلة رغم كثرة الوعود التي قطعها كبار المسؤولين خلال السنوات الماضية حتى أنهم حددوا سنة معينة يغادر فيها الطلاب أو الطالبات آخر مبنى مستأجر، ولكن الهدف المأمول والمعلن لم يتحقق رغم تعاقب الوزراء!
من المؤكد أن مهمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم شاقة وصعبة للغاية، وتتطلب جهداً كبيراً ومضنياً؛ لأنه سيحتاج لوقت غير قصير من أجل الوقوف على كثير من المشكلات القائمة والمتراكمة، وانتظار نتائج دراستها لوضع الحلول المناسبة لها، وستكون أمامه مهمة تغييرات إدارية قد تكون واسعة في بعض مواقع المسؤولية في الوزارة وإدارات المناطق والمحافظات.
يظن بعض المسؤولين أن تطبيق النظريات التربوية الحديثة هو الحل الأمثل لنجاح التعليم، وتحقيق الجودة المرجوة، والوصول إلى التميز المنشود، لكنهم يصطدمون بكثير من العقبات والعوائق التي لا يستطيعون تجاوزها أثناء عملية التطبيق، التي يهدر خلالها الوقت والمال والجهد، فيضطرون بعد مكابرة شديدة أن يعلنوا فشل تلك النظريات وعدم صلاحيتها، لكن الحقيقة أنها لم تكن نظريات فاشلة، بل كان الخلل في التطبيق الذي لم يأتِ وفقاً للمعايير التي وضعت لها؛ ولم يتم إعداد الكوادر المكلفة بتطبيقها إعداداً صحيحاً، ولم يتم توفير البيئة الحاضنة الملائمة لها، فجاء نتاجها خديجاً غير قادر على مواصلة رحلته دون دعم دائم، ورعاية مستمرة مكلفة.
من المؤكد أنه ليس في يد صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل عصا يستطيع بواسطتها أن ينتقل بالتعليم من واقعه الحالي إلى واقع مغاير تماماً.
وقفة: إن عملية الإصلاح -خاصة- في قطاعي الصحة والتعليم مهمة شاقة ومرهقة تستغرق وقتاً طويلاً، ولا تظهر نتائجها سريعة!

التعليقات (7):
  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١/٢ - ٠٧:٠٧ ص

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هناك عناصر ثلاثة رئيسة يرتكز عليها في عمليّة النجاح لعمل الوزارتين المعنيتين بهم المواطن في جسده وعقله.
    * الأولى : العنصر البشريّ المؤهّل.
    * الثانية : بيئة العمل.
    * الثالثة : المتلقّي للخدمة.
    فالتعليم مثلا كما قدر كثر طبّاخوه ؛ وكثرت مكونات طبخته ؛ فسمج ولم ينضج ؛ وزاد من ترهّله أنّه اصبح عبئا ثقيلا على أثافيه التي غاصت وتحطّمت تحت ثقله.
    وهنا ليس المطلوب من سمو الأمير الوزير أنْ يُكفئ القدر ؛ بل بإدخال ملعقته في العمق؛ والإبقاء فقط على ما يجعل الطبخة بمذاق يستساغ.
    * التعليم أُثقل بمهام ليست في صلب مهمّته فأصبحت همّا صرفه عن تقديم مهمته الرئيسة.
    # فالنقل المدرسيّ مثلا من مهامّ وزارة النقل ولديها من الخبرة والدراية مايؤهلها لحلّ معضلة النقل المدرسيّ الذي يأخذ من الجهد ـ الغير متخصّص ـ مايمكن توظيفة للعمل التعليمي.
    # المعسكرات الصيفيّة والتي تهدر فيها الأموال والأوقات بمناشط أقلّ مايقال عنها أنّها للإستهلاك من أجل العوائد الماليّة للقائمين عليها وصرف غير مقنن من المال العام .
    # المعسكرات والمناشط الصيفيّة التي تهدر فيها الأموال ببرامج أقل مايوصف أنّها للإستهلاك من أجل العوائد الماليّة والبدلات للقائمين عليها من المستخدم بالمعسكر الصيفي حتّى أعلى هرم بالقسم في الوزارة مرورا بإدارات التعليم.., والمخرجات لاشيئ.
    أليست المناشط الشبابيّة...

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١/٢ - ٠٧:١٠ ص

    تابع..:
    أليست المناشط الشبابيّة من مهام رعاية الشباب؟ فلتترك المدارس للتعليم ولتغلق أبوابها في العطل لتبقى على هيبتها التي تمتهن في أوقات خارج الدوام بما يسمّى مدارس الحيّ ؛ دون مراقبة فيجتمع فيها الصالح والطالح وبدلا من أن تؤدّي أدوارها البنّاءة تمارس فيها سلوكيات سيئة حين تكون موعدا للمفلوتين في الشوارع.
    @ بقي أن نعود للمرتكزات الثلاثة..:
    البيئة المدرسيّة ليست جاذبة .. فغير أنّ المباني الكثير منها غير مهيأ فالبيئة لاتقتصر على المكان فقط فما يقدّم من خلال البيئة له اثر نفسيّ على المتلقّي. فالمناهج التي تقدّم بحاجة إلى غربلة وإعادة صياغة ؛ فما يقدّم من مناهج من كثرتها ضاعت فائدتها.
    عدد الحصص عامل آخر في خلق بيئة جاذبة.

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١/٢ - ٠٨:٠٢ ص

    تابع..
    * المعلّم منذ أكثر من ثلاثة عقود رهين مستويات خمسة . وقليل من جاوز ذلك..!!
    وبقي بأربع وعشرين حصّة ؛لا تشفع له سنوات الخدمة في أن يتزحزح عن جادّة الأربع والعشرين.
    يوعدون برتب .. وطال الإنتظار.
    الأربع والعشرين مرهقة ومن يدّعي بأنّ المعلّم يؤديها بالتمام والكمال فقد غالط الواقع.
    المعلّم لمْ يحض بعد بدورات تدريبيّة على رأس العمل.. وما يقال من تدريب ماهو إلاّ تجميع أكبر عدد من المعلمين في غرف سميت قاعات تدريب ويعرض عليه أحد المشرفين الذين هم بحاجة للتدريب ؛يعرض على جهاز العرض برنامج مستنسخ لا طعم فيه ولا رائحة.
    هذا لايمنعني من ان أقول أنّ في الميدان من هم عبئ على التعليم وبحاجة لتقويم المعوج منهم معلما كان ام مشرفا .

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١/٢ - ٠٨:٠٩ ص

    تابع ..:
    المتلقّي للخدمة.. الطالب وأسرته.
    إذا تنازلت التربية والتعليم عن دورها الأساس في تربية الطلاب على الإنضباط والتعليم الجيّد .
    فحال الطالب وولي أمره سيبحثون على أقرب الطرق لتجاوز مراحل التعليم بشهادات ورقيّة لاتعطي نجاحا في ميادين الحياة .
    وهنا يمكن تغيير المفهوم بقرار ( يامدوّر الهيّن ترى الكايد أحلى)
    ## في المجمل التعليم بحاجة لغربلة تبدأ من الميدان المدرسيّ ؛ وللمارسين للعمل الميداني . فهناك الحلول جاهزة لاتحتاج لجان ولا تقصي حقائق.
    ودمتم بخير وعافية للجميع .

  • صقر ٢٠١٤/١/٢ - ١٠:١٥ ص

    العقل السليم في الجسم السليم: عبارة طالما تم ترديدها، العملية التعليمية هي منظومة متكاملة من عناصر محددة، الصحة ينبغى التركيز على طرفيها الجسمي والنفسي، أتفق معك أن القيام بهاتين المهمتين أمر شاق ويحتاج لبعض الوقت، لكن تحقيقه ليس بمستحيل إذا توفرت الإمكانيات والإرادة.
    تحية لك أخي عبدالله،
    وتحية للأخ محمد الحويل ، وكل من يأتي من القراء الكرام..!!..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢ - ٠١:٣٤ م

    الأخ العزيز محمد الحويل المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك المثري فلقد أضفت بتعليقاتك الأربعة مقالا جديدا عرضت من خلاله كثيرا من المشكلات والحلول .. لك خالص التقدير والمحبة

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢ - ٠١:٣٩ م

    الأخ صقر حفظه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذه العبارة المرددة : " العقل السليم في الجسم السليم " توقفت منذ زمن عندها فوجدت أنها ليست على إطلاقها بل هناك أجسام عليلة تحمل عقولا فريدة ونافعة وعلى النقيض تحمل بعض الأجسام الصحيحة والقوية عقولا هزيلة ...
    يعجبني في طرحك التفاؤل بتغير الحال إلى أفضل مما هو عليه، وأشاركك الدعاء للوصول إلى تعليم راق وصحة تحسن اختيار الترياق ...
    لك التقدير


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى