عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

حوار بلدي

أرجو ألا يتبادر إلى ذهن القارئ أنني أقصد ابن الناقة الذي لم يسمح لكثير من إخوانه بالعيش طويلاً، فلا يتجاوز منها إلى مرحلة عمرية أخرى إلا القليل بسبب مواصفاته التي تنبئ بملايين الريـالات، أما ما كانت مواصفاته عادية فيكون بعضه بين يدي جزار يحد شفرته باستمرار، فيقطعه إربا -بعد نحره طبعا- ثم يُعمل سكين أسعاره بالمستهلكين، فيتجاوز هامش الربح فيها الخمسين بالمائة، فلا البلديات تتابع لائحة أسعاره، ولا يخضع بيعه للوزن المعروف، بل يبيع لحمه أرباعاً أو أنصافاً ثم يأتي غير القادرين -من أهل الهياط- فيشتري أحدهم سنامه؛ ليضعه على صحن كبير للمفاخرة في إحدى مناسباته، وربما اشترى أكثر من سنام، فكثرت صحونه فزاد افتخاره.
أما ما تأخر فأسوأ أيامها عندما تساق إلى أم رقيبة؛ لتشهد الاحتفاء بأمهاتها وأخواتها، فتعمل فيها السكاكين في احتفالات لا معايير اقتصادية أو دينية لها، فتجمد على الرمال فإذا ذهب البرد صهرتها شمسنا الحارقة، فسالت شحومها على الرمال، وأنبأت مَنْ يمر بها في العام المقبل عظامها، وهي صور تستدعي ضربا بشدة على أيدي هؤلاء السفهاء الذين قد يَعم الناس غضب بسبب إسرافهم الذي يخجلنا أمام جياع المسلمين خاصة ومنكوبيهم!
جرى حوار في الشأن البلدي -وهو ما أعنيه- بيني وبين المهندس علي بن قائض -رئيس بلدية محافظة القريات- عبر تويتر حيث حسابه: @EngAlishamari حول صورة عرضها مغرد اسمه «صديق البيئة» وهي لمتنزه عام بعد مغادرة مرتاديه الذين تركوه في حال مزرية، وقد علق عليها صديق البيئة قائلاً: هل تستطيع الجلوس في هذا المكان؟
وأضاف: إذن لماذا تفعل هكذا؟
فقال المهندس علي: هذا يفترض أن يكون من قيم ديننا نمارسها دون رقابة، فإن كان إماطة الأذى أدنى درجات الإيمان، فهل بقي إيمان لمن يضع الأذى؟
فقلت: يحتاج الأمر لمراقبين يحررون مخالفات فورية.. لكن هل وضعت بلدياتنا ما يحث ويشجع ويذكر بأهمية ترك المكان نظيفاً؟
قال: لو كانت فئة قليلة التي تمارسه فيمكن ضبطها أما إن كان الطفل والشاب والشابة والأب والأم والكبير والصغير فالقضية تربوية.
قلت: ولكن واجب البلديات أن تهيئ جميع الأسباب التي تعين على تحقيق النظافة، وتيسرها، ليس كل الناس على درجة وعي واحدة.
قال: هناك دور للبلدية وغيرها من المؤسسات، لكن سنحتاج لجيش من المراقبين وآلاف الإجراءات الإدارية إذا كانت الغالبية تمارسها.
وأضاف: وصل الوضع إلى أن يتخلى الكل عن دوره حتى في التناصح والتواصي بالحق، والنهي عن المنكر، بانتظار إدارة أو مؤسسة؛ لتقوم بذلك.
قلت: أدرك أنك من بين رؤساء البلديات المتميزين، ولكن برامج التوعية تحتاج لشراكات حقيقية وفاعلة، وذات أهداف واضحة..
قال: تدخل الإدارات الحكومية في كل صغيرة أدى إلى تخلي المجتمع عن دوره، وأصبح لا يهتم إلا بما هو داخل أسوار منزله.
قلت: بث القيم وحفز الناس على تبني أهداف البلديات يتطلب مشاركة، وتواصلا مع المجتمع؛ لأن برامج البلديات متواضعة!
قال: هناك قصور في برامج التوعية بلا شك، والإدارات وإن كان لها دور المبادرة والقيادة إلا أنها تبقى متأثرة بمجتمعها.
وأضاف: أوافقك.. لكن بشكل عام علينا كمجتمع مسلم متمدن أن يمارس المجتمع دوره، وأن تكون هناك مبادرات من الجميع.
وقال أيضا: أقصد أن أي شخص لديه حس المسلم المواطن الصالح بإمكانه أن يبادر برفع الأذى، وسيرى الآخرين يتبعونه.. نحتاج قدوات.
قلت: هذا ما أقصده من تبني مشروع الشراكات مع التربويين والخطباء والدعاة والوعاظ والإعلاميين والأسرة..
قال: مشكلتنا أننا فصلنا المجتمع عن الإدارات، وكأن القيم والأخلاق أيضاً يجب أن تنفصل وتتوزع.. في مدننا التقليدية لم يكن ذلك.
قلت: إن شعاراً يرتبط بالمكان، ويوجه بذكاء، يخاطب إنسانه مباشرة، يحقق ما لا تحققه محاضرات بليغة، وخطب عصماء، ربما صورة!
قال: جميل.. ومن الممكن أيضاً أن يبدأ الشخص من نفسه دون حاجة لبرنامج أو مشروع رغم تأييدي ذلك.
وأضاف: بلاشك.. ونحن هنا بحاجة إلى مؤسسات مجتمع مدني من الممكن أن تبدأ بفرد أو بفكرة أو مبادرة.
قلت: ليس كل أفراد مجتمعنا مبادرين… ولكنهم عندما يقتنعون أو ينبهون يستجيبون ويضيفون أحيانا…
قال: لست مختلفاً معك، وما أود التركيز عليه ألا نحصر المبادرات، وأن نوسع مجالها حتى الإدارة تحتاج لقائد مبادر أو غيره من الأفراد.
وقفة: نوه صديق البيئة في تغريدة لاحقة بأن الصورة من الساحل الشرقي، والهدف منها توعوي؛ لنشر الفكر الجيد!

التعليقات (15):
  • نواف الفهاد ٢٠١٤/١/٢٣ - ٠٦:٣٠ ص

    بداية جميلة .. و هادفة .. ثم حوار بلدي مميز و رائع .. و بالنهاية .. تنويه تنفّس من خلاله الأستاذ علي الشمري الصعداء كون الصورة شرقاوية الهوى .. و سلام مربّع للأستاذ علي و لأهالي الفريات ..

    و خميس جديد من الحرف الأجمل .. و مقالة جديدة لـ كاتب .. لا تزيده الأيام إلا ألقاً .. و لا تزيدنا إلا عشقاً و إنتظاراً لحرفه و كتاباته ..

    قضية المحافظة على نظافة البيئة و دور المواطن و المجتمع في هذا .. يغفل عنها الكثير من بلديات الوطن و عن تفعيلها في الأوساط الإجتماعية .. ولا أجدها إلا في مدارس و معاهد أرامكو أو الهيئة الملكية سابك .. حيث تُنظم الرحلات للشواطيء و المتنزهات بشكل متجدد .. رغم أنها مهمة الجميع و لها أهمية بالغة كوننا أمة الإسلام الذي رسّخ مفاهيم النظافة و الطهر معنوياً و حسياً في حياة الفرد المسلم ..

    شكراً لك لجميل طرحك .. و شكر للأستاذ علي .. لردوده النيّره و حواره المميز في كل تفاصيله .. و شكراً للشرق على وجودك ضمن كتابها الرائعين ..

    و السلام ختام ..

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١/٢٣ - ٠٨:٠٢ ص

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحوار هو أبن بعيرنا سمْران الناقل لمؤنتنا من الأسواق؛ والجارّ لسانية الماء؛ والحارث لأرضنا لتنبت لنا ماتجود به من الخير.
    وهو أبن (سمرة ) حلوة اللبن للأهل البيت والضيف وأبن السبيل.
    وبين هذا وتلك ما ننعم به من لحم القليل منها ؛جرّاء كسر أو تقادم عمر.
    هي الوظائف التي عهدناها لسمْران وعائلته .
    وماعهدناها إلاّ خادمة لامخدومة.
    وما نشاهد من ممارسات تصنع لها وبها ؛ماهي إلاّ إنتكاس مفاهيم. هكذا أرى.
    في مكان نائيّ وبعيد أنعم بوصل لسمران بأكل لحم حواره مجزّءا بالكيلو وبسعر في متناول الجميع.

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١/٢٣ - ٠٨:١٧ ص

    ويبقى الإسراف في الذي يمارس لم يقتصر على مهرجانات الإبل ؛ بلْ نشاهده في مناسبات الأفراح . لكنّ عيون الكامرات لاتسلط الضوء على الإسراف في مايقدّم من وجبات غذائيّة تبدأ من عصر يوم الفرح حتى صباح اليوم التالي في أطعمة تذهب لمكبات البلديّة.
    وعلى البيئة تحمّل نزف مخزونها من الأغذية حتّى وصلت لمرحلة اليأس. ثمّ عليها إستقبال عبثنا في تدميرها بحقنها بمخلفات العبث والإسراف.
    أذكر قبل سنوات كنّا في المدارس طلابا ثمّ معلمين نقتطع حصصا من اليوم الدراسي لتنظيف بيئة الفصل والمدرسة والقرى والأحياء. لكنّها تلاشت ولا يستيع أحدم من من يمارس هذا النشاط أن يعيد التجربه ؛ فالمجتمع كفكر جمعي يجرّم هذا السلوك ولربما حوكم على فعلته.
    زبدة الهرج( إذا أردنا إعادة البيئة نظيفة .. علينا أن نمارس ديننا فعلا لاقولا. فنحن نؤمن بأنّ النظافة من الإيمان وهي كافية في خلق وعي تام . فماذا لو وضع يوما عامّا نمارس فيه النظافة ويعطى عمّال البلديات إجازة ؛ ماذا لو كانت حصص التربية الوطنيّة عمل ميداني للنظافة وإعادة دهن الأرصفة ..وغيرها)

  • مصطفى نمر ٢٠١٤/١/٢٣ - ١٢:٠٠ م

    حوار هادف وفعال .. وأنا أؤيد المهندس علي الشمري في قوله أن القضية تربوية وغياب للقدوة الحسنة ..
    ولا شك أن للبلدية دورا مهما .. فكل على ثغرة .
    لا فض فوك يا أستاذنا يا أبا أسامة .. ونشكرك على مقالاتك الهادفة والمتميزة في مواضيعها .. حتى أننا بتنا ننتظر يوم الخميس لقراءة مقالتك الأسبوعية في صحيفة الشرق .. جزاك الله خيرا ..

  • عليان السفياني الثقفي ٢٠١٤/١/٢٣ - ١٢:٢٠ م

    لا يوجد ما يعفي المواطن والمواطنه من الاهتمام بنظافة بلدهم .............ابتسم

  • بعيدة عن الأضواء ٢٠١٤/١/٢٣ - ٠٨:١٨ م

    الحوار هو التقاء الأشخاص... والتقاء ثقافاتهم المختلفة ..
    وهو في قمة الأهمية لدينا كمسلمين ..... حواركما كان رائعا ومثري في مجتمعنا حيث خلق تفاعلا بين الثقافات والافكار المختلفة ومن روعته وضح الفرق لمن يخلط بينه وبين الجدال.
    شكرًا لك

  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٤/١/٢٣ - ٠٩:٥٥ م

    أشكرك استاذ عبدالله على تناول هذا الموضوع الهام كما هي مقالاتك دائما" ،ما اود قوله اننا بحاجة الى غرس ثقافة البيئة في مجتمعنا وهي بنظري ليس امرا" سهلا" بل يحتاج وقتا" طويلا" وجهدا" من الاعلام والوعاظ والائمة والتربية والتعليم والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني وقبل ذلك من الاسرة ، وعندها ان شاء الله نصل للضمير الاخضر الذي يعتبر فيه المواطن كل الوطن بيته وحماية البيئة واجب اخلاقي ووطني وديني تحياتي لك استاذ عبدالله ولقلمك المتألق ودمت بخير

  • عبدالله عسيري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٢:٢٩ ص

    ابو أسامة
    حوار جميل وفي الحالتين كمجتمع نحمل نفس الشعور الذي يحمله رئيس البلدية ونشاطره الهم ولكن قلة اولئك المؤمنين الذين يطبقون أدنى درجات اﻹحسان .

    المشكلة استاذي تكمن في ثقافة المجتمع ومنذ النشأة الاولى ينشأ الفتيان على ثقافة ان هناك من يدفع لراحتهم في المتنزهات وتلمرافق والاماكن العامة ..

    الواقع يؤكد فشل برامج التوعية البيئية على مختلف المستويات وهذه حقيقة متى ما سلمنا بها استطعنا تصحيح الخلل .

    دمت ودام القك .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٩:٤٥ م

    عزيزي نواف
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك على المرور الأجمل حيث تضيف روح الشعر لما تكتب.
    دمت بود

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٩:٤٨ م

    عزيزي محمد الحويل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مرورك بالمقال دائما يضيف جديدا حيث تثريه بتعليقك أو تعليقاتك ..
    دمت مفيدا

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٩:٥٠ م

    عزيزي أ. مصطفى
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك لما أعرفه عنك تربويا يهتم بالقدوة ويعرف أثرها في التغيير ...
    دمت مضيفا رائعا.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٩:٥١ م

    عزيزي عليان
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لم أكن ملتمسا عذرا لمتهاون في أمر النظافة وهي من أمور ديننا التي وجهنا إليها بعناية شديدة..
    دمت مبتسما

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٩:٥٣ م

    الأخت البعيدة عن الأضواء
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أسأل الله أن يبعدنا عن الجدال وأهله وأن يجعلنا ممن يعون معنى الحوار ويمتثلون أصوله ..
    مع خالص التقدير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٩:٥٥ م

    عزيزي م. خالد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك على المتابعة والمرور المثري دائما بما تضعه كأحد المختصين بأمر البيئة ممن يعي أهمية أثر المحافظة عليها ورعايتها ...
    دمت بخير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١/٢٤ - ٠٩:٥٨ م

    عزيزي أبا أحمد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما دام هناك من يعون أهمية التعاون أمثالك وأمثال الأخوة الذين مروا بهذا المقال فإن القادم سيكون أفضل بعون الله ...
    دمت عزيزا أيها الكهل الرائع


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى