عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

المُدِيرُ المَسْعُول

كي لا يتهمني من يقرأ عنوان المقال بالتصحيف -الخطأ الإملائي- فأنا لا أعني المسؤول الذي تقع عليه المسؤولية بمفرده، ويحاسب عن أخطاء من دونه من المرؤوسين، بل أقصد المسعول – أي المصاب بمرض السعال – والسعال يزداد انتشارا كمرض موسمي في هذه الأيام؛ نتيجة لموجات البرد، وتقلبات الجو التي تغرُّ الكثيرين فلا يحسنون تقدير الوضع جيدا، فيقعون فريسة للسعال وغيره، ولا أبرئ نفسي لأنني – وأنا أكتب هذا المقال – أعاني من سعال مرهق نتيجة لنزهة برية قريبة قمت بها في أول هذا الأسبوع، بل في آخر الأسبوع الماضي – وفقا لترتيب الإجازة الأسبوعية الحالي – لكن بعض المديرين يستمر سعالهم طوال العام، ما يستدعي حاجتهم الدائمة إلى رعاية حثيثة، وعناية خاصة؛ إذ يتحول واحدهم من مسؤول يدير شؤون مؤسسته إلى مسعول متوتر قلق يتسبب في تراجعها!
شاع استخدام عبارة الهرم المقلوب في علم الإدارة في إشارة مباشرة إلى الخلل في واقع الهيكل الإداري للمؤسسة، والهرم – كما هو معروف – شكل هندسي، وصورته مقلوباً تعطي انطباعا بالخلل، وقد شاع استخدامه كأسلوب من أساليب الكتابة المنظمة، واصطلح على تسميته بـ: «أسلوب الهرم المقلوب» وهو بناء منطقي للنص المدون أو صيغة مثالية لصياغة الملخصات التنفيذية للعمل، ويعتبر من أكثر النظم استخداما في مجال التدوين والتأليف، وفي الصحافة أيضا؛ إذ يتم تقسيمه إلى ثلاثة مستويات كوعاء للنص.
ولكنه في الإدارة يعني خللا كبيرا في ممارسة المهام، وإرباكا شديدا للعاملين، وهدرا للوقت والجهد، وضياعا للمسؤولية التي تحددها المواقع الوظيفية في الهيكل الإداري في المؤسسة، وتشيع هذه الحالة ويظهر أثرها السيئ عندما يكون المدير مسعولا لا مسؤولا.
كتبت في جريدة اليوم – قبل خمس سنوات – في العدد 13067 مقالا بعنوان: «يعرض على الطب النفسي!» وهمست في آخره بقولي: هل سيأتي اليوم الذي تفرض فيه وزارة الخدمة المدنية التحويل للطب النفسي لطالبي الوظائف؟ وهل سيعرض كذلك من يتقلد منصبا إداريا قبل تسلمه مهمته؟!
يتسبب المدير المسعول لمؤسسته بضعف الإنجاز، الذي يعد من أهم القيم في حياة الإنسان المسؤول؛ حيث يرتكز على السرعة والمبادرة كنتيجة حقيقية لتقدير الوقت واستثماره؛ لأن الإنسان الذي يعمل في إخلاص ودأب وسرعة لإنجاز أعماله تتغير حياته نحو الأحسن تبعا للجودة والكمية، ولأن العلم قوة فإن سرعة الأداء، وإتقانه من أهم خصائصها، وقد حثنا الدين الحنيف على الإنجاز المتقن، واستثمار الوقت، وحذرنا من التفريط وهدر الوقت، وقد جاء في ذلك أمثلة كثيرة كما في قوله تعالى: «يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون»، وتؤكد السيرة النبوية المطهرة على أهمية الإنجاز، ومن ذلك ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم من حفر للخندق حول المدينة في سرعة وإتقان، ويمثل أدبنا العربي الذي ينضح بالحكمة صورة واضحة من قيم المجتمع وثقافته، وتقاليده، وعاداته، ومن ذلك قول الشاعر:
ولَا أؤخرُ شُغلَ اليَومِ عَنْ كَسَلٍ ** إِلى غَدهِ ؛ إِنَّ يَومَ العَاجِزِينَ غَدُ
تقع مسؤولية بث قيمة الإنجاز على عاتق المديرين – المسؤولين لا المسعولين – بترغيب الموظفين في سرعة الإنجاز بجودة عالية، وتنمية الإرادة في نفوسهم، وامتثال قيم العمل، وتحديد أوقات دقيقة للأفراد أو المجموعات لإنجاز أعمالهم عبر أمثلة حقيقية واضحة، وواقعية قابلة للتطبيق، ووضع الحوافز المناسبة، والتركيز على الإيجابيات؛ لتكوين موظفين مبادرين وقادرين على إنجاز الأعمال في أوقاتها بإتقان.
إن القدرة على إحداث التغيير السلوكي الإيجابي لدى الموظفين من أهم الصعوبات التي تواجه المديرين، وهي مهمة تحتاج إلى صبر طويل، وتعزيز مقنن ومستمر؛ لأن الموظفين – رغم اختلاف ميادين عملهم ومستوياتهم الوظيفية – مختلفون في قدراتهم، ومهاراتهم، وهم في حاجة ماسة إلى العمل بقيمة الإنجاز؛ ليكون إنتاجهم أكبر، وإتقانهم أكثر.
يحيط بالمدير المسعول – غالبا – مجموعة من الانتهازيين الذين يحاولون أن يزيدوا من قلقه، ويكثروا من توتره، ويحاولوا إخافته باستمرار؛ كي ينغلق على نفسه، ويصبح دائم الانطواء، وتزداد عزلته عن محيط مؤسسته العام، ويأنف التواصل والحوار، ولا يحسن الإصغاء إلا لمجموعة التأثير المحيطة به التي تحاصره، وتعزله باستمرار عن قاعدة الهرم، وأحيانا عن المستويات الأخرى في هيكل المؤسسة؛ كي يرجع إليهم أو إلى بعضهم في كل خطوة ينوي القيام بها، فيستمر رهين آرائهم وتوجيهاتهم، فيسيّروه وفقا لمصالحهم ورغباتهم، فيستمر في منصبه مديرا مسعولا.
وقفة: المدير المسعول قلق ومتردد وبحاجة للعرض على الطب النفسي؛ لتقييم صحته النفسية، وتقويمها عبر خطة علاج محكمة!

التعليقات (9):
  • غازي الرويلي ٢٠١٤/٢/٦ - ١٠:٤٠ ص

    ماتشوف شر كاتبنا المبدع وابعد الله عنك السعال والمسعووولييين

  • صقر ٢٠١٤/٢/٦ - ١٠:٤٦ ص

    أن يتحول المسؤول الى " رهينة " في أيدي مجموعة من الموظفين تسيره حيثما شاءات فهذا مؤشر الى عدم صلاحيته للإدارة، فهو ليس صاحب قرار بل هو بوابة لتمرير رغبات وأهواء هذه الجماعة المشبوهة.
    مفردة " المسعول " جعلتني أبتسم قبل قراءة المقال الجميل..!!..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٢/٦ - ٠١:٠٤ م

    عزيز غازي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك وبلطفك .. ولك مثل دعائك وزيادة من الخير.
    مع صادق محبتي وتقديري

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٢/٦ - ٠١:٠٧ م

    عزيزي صقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن أمثلة المديرين لا تنتهي قوة وضعفا، أحد الزملاء المصرريين يصر على قراءة العنوان : " المدير المعسول ) ...
    دمت بخير بعيدا عن السعال وأذاه

  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٤/٢/٦ - ٠٦:٣٧ م

    وصف دقيق ورائع لحالة معظم المديرين في مجتمعنا العربي ، تحياتي استاذ عبدالله ولقلمك المبدع كل الاحترام

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/٢/٦ - ٠٩:٤٩ م

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    المدير لمْ يهبط على الكرسيّ.
    * قدْ يكون جاء إلى الكرسيّ بكفاءته ومهنيّته .وهذا هو القائد المسئول.
    * قد يكون جاء إلى الكرسيّ عبر خطوات النظام والترقية وهو لم يكن أهلا ولا مؤهلا وهذا سيكون إمّعة.
    * قدْ يكون جاء إلى الكرسيّ محمولا على كفوف الراحة . وهذا سيكون أسير من حمله وأجلسه الكرسيّ..
    # في المجمل لايصل المدير إلى حالته الصعبة ( مسعول ) إلاّ بتوافر بيئة يشترك فيها مسئول أعلى يرى حالة مرَضيّة تتورّم أمامه لمْ يتخذ من العلاج المناسب مايوقف التورّم ؛ وإنْ أستعصت فلماذا لايستأصل..؟!!
    ويشترك معه جوقة حوله يزينون أفعاله كما ذكرت أنتهازيون .
    وقدْ يشترك في الحفلة عامّة الناس إذا كانت وظيفته هذا المدير خدميّة ؛ من خلال إرسال رسائل إنهزاميّة في طلب حقّهم الخدميّ.. مثل ( تكفى ) و( جعل ربي يرحم والديك ) مع أن هذه الأخيرة جميلة لكنها تقال في تلك المواقف للإستهلاك لا أكثر.
    دمت بخير وعافية وللجميع السلام

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٢/٧ - ١٠:٢٨ م

    عزيزي م. خالد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    همومنا العربية واحدة وأنماطنا الإدارية متماثلة لكننا لا نحسن البحث عن العلاج ..
    دمت بخير وعافية

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٢/٧ - ١٠:٣٠ م

    أخي الرائع محمد الحويل رعاك الرحمن
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لقد قمت بتشريح للحالة وفصلت تفصيلا دقيقا ينم عن براعة في التشخيص وقدرة على التوصيف ..

    دمت رائعا

  • مصطفى نمر ٢٠١٤/٢/٧ - ١٠:٤٦ م

    المسؤولون المسعولون كثر في عالمنا العربي يا أبا أسامة،
    وللأسف يجدون من يحميهم ويساعدهم على بقاء السعال معهم لأطول فترة ممكنة !!
    والضحية هي جودة العمل والإنتاج .
    أشكرك على طرحك المتميز.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى