عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

المهنا.. القراءة لذة (2-2)

وصلتني رسالة قصيرة من الشاعر إبراهيم مفتاح – بعد قراءته الجزء الأول من مقالي هذا – يقول فيها: «موضوعك اليوم عن المهنا ذكرني بطفولتي، وبداياتي مع القراءة».
يتذكر المهنا الطفولة فيقول: إن والده كان يهتم به كثيرا، ولا يرد له طلبا، ويستدرك قائلا: إنه لم يكن مدللا كثيرا – وربما عاقبه أبوه أو ضربه – لكنه كان مربيا رائعا يضع الكرم في أعلى سلم القيم عنده، ويتجاوز كل ذنب له إلا البخل، وكذلك كانت والدته التي كان الصدق يقع في أعلى سلم أولويات القيم عندها، وكل ذنب يمكنها تجاوزه له إلا الكذب، ويتذكر من الطفولة الخوف أو أساليب التخويف التي كانت تمارس؛ لكنه لمّا كبر تأكد له أن الإنسان يبني أصناماً من الوهم.
إن الشعور بالضيق حالة تنتاب الإنسان بين حين وآخر، ويختلف الناس في محاولة الخروج من آثارها الضاغطة على النفس، فمنهم من يفلح، ومنهم من يتعثر ويفشل، فتزداد حالته سوءا وتعقيدا، فتتراكم عليه الضغوطات، وترهقه وتعييه، وربما يكتشف أنه لم يكن قد بذل جهدا كافيا للوصول إلى طريقة مناسبة للتعامل معها.
لكن المهنا يتجه صوب الكتاب عندما يحس بالضيق، فإما أن يخرج إلى المكتبات أو يعود إلى مكتبته، فيفتح ألغاز محمود سالم التي جمع منها أعدادا كثيرة في فترة الصبا، واستكمل أعدادها الناقصة من سوق الأزبكية، ويرى أنها تعيده إلى طفولته وذاكرته الخصبة، وأنه مع القراءة يعود إلى أجمل أيام عمره، فيخرج من حالة الضيق المسيطرة عليه، وكأنه يقول لنا: القراءة نوع من العلاج النفسي!
ويقول: إنه إذا قرأ شيئا فإنه يعايشه حقيقة – وكأنها حالة تتلبسه أثناء القراءة – فيحس برائحة المطر والطين، ورائحة العشب لو قرأ قصة في القرن التاسع عشر من الأدب الإنجليزي، ويتذكر: أنه قرأ قصة ليلة الإعدام أو ليلة محكوم بالإعدام فكان يعيش توتر المحكوم، ومن غريب ما ذكر: أنه يُقسم كتبه إلى كتب يقرأها في الشتاء، وأخرى في الصيف؛ ليكون متوائما مع ما يقرأ!
ويذكر أنه كان يقرأ حتى اثنتي عشرة ساعة في اليوم، إلا أنه بعد الزواج، ووجود الأبناء فإنه لا يفرط في أن يقرأ ثلاث ساعات – في حال إذا كان مشغولا جدا – ويؤكد: أن العلم لا يعطي نفسه للإنسان حتى يكون شيئا منه كمقام الدم واللحم، ويضيف: أنه يعاني من ضيق الوقت بسبب العمر الذي لا يراه كافيا لقراءة جزء مما يود أو مما هو عنده من كتب اشتراها، وضاق بها منزله، ويقول: كان راتبه – قبل الزواج ومسؤولية الأسرة – يذهب في شراء الكتب، ولكنه لم ينعتق تماما من مسألة الشراء؛ حيث أشار إلى وصول آخر كتابين اشتراهما بمبلغ 1600 دولار أمريكي من تركيا، الأول: كتاب تاريخ الدولة العثمانية لـ فون هامر – الطبعة الأولى – وهو في أحد عشر مجلدا، والثاني: تاريخ نعيما – الطبعة الأولى – يقع في تسعة مجلدات، ويتحدث عن ازدحام وقته – عدا ما لديه من التزامات اجتماعية لا يمكنه التخلي عنها – وأنه يفرح باجتماع كثير من أحبته عنده كل ثلاثاء.
ويرى أن الكتابة بالأسلوب الأدبي انخفضت عند الكثيرين، وحصلت ندرة في علو الأسلوب، فلا أحد يكتب اليوم بأسلوب الرافعي – إمام الأدب العربي – الذي كانت لغته قوية جدا، وعبارته تحتاج إلى جهد في تتبعها، ولا أحد يكتب بأسلوب طه حسين ذي الجمل القصيرة السهلة الممتنعة، ولا بأسلوب الزيات أو العقاد، ويرى أن مقولة «الكتاب الأكثر مبيعا» مضحكة، ولا يعول عليها مطلقا، ويؤكد أن قيمة الكتاب ليست بعدد ما يباع منه؛ لأن الأمر خاضع لثقافات مختلفة، وعمليات تسويق متباينة، وأن بعض الطبعات تباع لشركات إعادة التدوير، ويطبع بعض الكُتَّاب خمسمائة نسخة فإذا نفدت قال: «إن كتابه هو الأكثر مبيعا»، ويضيف المهنا أنه لا يلجأ للكتاب الإلكتروني إلا مضطرا – عندما يعييه البحث – وينظر إليه نظرة المضطر لأكل الميتة!
ويقول: إنه عايش المعنى الحقيقي لقولهم: «أكرموا عزيز قوم ذل» عندما قابل أحد أحفاد ابن السلطان عبدالحميد يبحث عن وظيفة في الكويت حتى أعياه البحث فعاد إلى بلاده؛ ليعمل مترجما في إحدى السفارات.
وقفة: يأمل المهنا أن تسهم مواقع التواصل الاجتماعي في العودة إلى القراءة، والتفاعل الثقافي؛ لأنه بدأ يلمس حرص البعض على الوصول إلى المعلومة، ويتوقع أن الأمة ستتجاوز الانشغال بالتسلية إلى العودة الحقيقية للكتاب!

التعليقات (12):
  • عايد الشم ري ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠٨:١١ ص

    مشوقه بحق تلك المقاله والرساله .... سلمت ودمت استاذ عبدالله - مااحوجنا للقراءه وكيف بشخص ينفق اكثر مرتبه على الكتب والبحث عن الكتب - واين تنفق الكثير من مرتبات الوقت الحالي .. بالفعل تحتاج تقرأ هذه المقاله اكثر من مره لجمالها وجمال ماتحمله من قيم جمه.. دمت متألقا دوما.. رعاك الله

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٣/٢٧ - ١١:٢٢ ص

    أخي أ. عايد الشمري
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    يسعدني مرورك بالمقال، وأشكر لك لطيف عبارتك وجميل مرورك ..
    دمت رائعا

  • المهندس خالد العنانزة ٢٠١٤/٣/٢٧ - ١٢:٠١ م

    هذه نماذج اصبحت نادرة هذه الايام في ظل التطور السريع الذي نعيشه ، تحياتي استاذ عبدالله ودمت بخير

  • فارس بن عجل ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠١:٠٢ م

    الاخ / ابو اسامه المحترم
    جميل جدا، وفقك الله يااخي

  • دعشوش ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠١:٤٤ م

    أخي الكريم الأديب أبا أسامة / عبد الله مهدي الشمري !
    السلام عليك .. وعلى شاعر الوطن الكريم ..
    ابن فرسان البار / ابراهيم مفتاح ..
    خالص المحبة والود ..
    وعسى أيامكما سعادة وحبور !

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠١:٤٩ م

    عزيزي م. خالد العنانزة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تسعدني بمرورك دائما، وأتمنى أن تزداد هذه النماذج الرائعة من القراء والمثقفين.
    ولكم تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠١:٥٢ م

    الأخ فارس بن عجل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك بالمقال وزادك الله جمالا وبهاء
    تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠٢:١٣ م

    مرحبا بشيخ المعلقين أبا الدعاشيش
    يسعدني وجودك وأفرح بتعليقاتك الرائعة، وسترى لقاء رائعا مع عاشق فرسان وشاعرها الجميل على صفحات مجلة الخفجي خلال عشرة أيام إن شاء الله...
    لك وله خالص المودة والتقدير والمحبة

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠٢:١٣ م

    الأستاذ/عبدالله بن مهدي الشمري وضيوف صفحته الكرام
    السلام عليكم ورحمة الله
    القراءة زاد يمدّ العقل بالمعلومة ؛ليعملها الفكر. المهنا أنموذجا .
    اليوم في الغالب الأعمّ سطحيتنا في القراءة وهجوم وسائل الإتصال على مابقي من تلك السطحيّة ؛ صارت سطحيّة ثقافتنا .
    * البذرة الأولى لحبّ القراءة هي الإستزراع في حقول المدارس ؛التي غشتها الأتربة على الأرفف في مكتبات تئنّ هي الأخرى من النسيان ؛ أضف لها مناهج ليس فيها مايدعٌ لإعمال الفكر أو البحث بل أضعفت حتّى مهارة الخطّ والإملاء .
    * وفسيلة حبّ القراءة والبحث في مزارع الجامعات والتي كفتهم نخيل (مراكز الطلاّب للتصوير ونسخ البحوث) عناء التوبير والتلقيح ؛ والإكتفاء بحصد الثمر وتعليبه وتقديمه على أنّه من عرق الجبين.
    # البيدر هنا يا عزيزي ..
    لن يخرج لنا إلاّ مسخا من الثقافة نتشدّق بها في منتدياتنا وإستراحاتنا . وما سترناه تفضحه تغريداتنا التي يعج بها فضاء التواصل.
    ** أعرف أنّ تعليقي شطح ؛ لكنّه ما أستنتجته من مقاليك في رسائل غير مباشرة ؛ لتشخيص واقعنا الثقافي.
    دمت بخير وعافية وللجميع أعطر التحايا

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠٧:٤٠ م

    الأخ محمد الحويل المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لم يشطح تعليقك وقد أتيت فيه على أمور مهمة وأضفت نقاطا مهمة تعزز والوعي بأهمية القراءة للفرد والمجتمع، وقد حددتَ مكامن خطرة تنخر في جسد الوعي الحضاري.
    دمت بخير ووعي

  • القرني ماغيره ٢٠١٤/٣/٢٧ - ٠٨:١٢ م

    كاتبنا الرائع/عبد الله الشمري ، قد وضع الخطوط والنقاط المهمة ، الأخ/محمد الحويل ، وأقول كما قال الشاعر : أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ // وخير جليسٍ في الزمانِ كتابُ ،، ويقول آخر : وخير جليس في الزمان كتاب // تسلو به إن خانك الأصحاب ،،وأخيراً يقول الشاعر : أجلّ مصائب الرجل العليم// مصائبه بأسفار العلوم _إذا فقُد الكتاب فذاك خطبٌ//عظيم قد يجل عن العميم_وكم قد مات من أسف عليها// أناس في الحديث وفي القديمِ _ تحية لك وللحويل وللجميع _دمتم جميعاً بخير.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٣/٢٧ - ١١:٤٧ م

    الأخ القرني ما غيره المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أهلا بك من خلال صفحات الشرق، وسعدت بمرورك الرائع ، ويستحق الحويل أن تشيد بما كتبه في تعليقه المميز - وتعليقاته مميزة دائما - لك التحية والتقدير


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى