عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

فرسان.. الإنسان والمكان (1-3)

جزر فرسان اسم يعرفه كثيرون، ولكن قليلاً منهم يعرف إنسانه المتميز بخصال رائعة كثيرة، وقليلاً منهم من رأى تلك الأرض التي لا تزال بكراً بما تحويه من تراث عمراني وآثار من عصور متعاقبة لحضارات مرت بالمكان ذي الطبيعة الفريدة..
في أوائل مارس الماضي التقيت في فرسان بالأستاذ إبراهيم مفتاح، وأجريت معه لقاء لمجلة الخفجي نشر في عدد مارس- أبريل 2014 فهو شاعرها الرائع، وعاشقها الهائم بها منذ طفولته التي قال إنها لم تختلف كثيراً عن طفولة بني جيله إذ ولد في الثالث عشر من ذي القعدة عام 1358 هـ في قرية القِصَار التي يعرف بيوتها بيتاً بيتاً، وداراً داراً، وأكاد أقول زنقة زنقة، وحجراً حجراً، تلك البيوت التي خلت من أهلها بعد هجرهم لها، وانتقالهم إلى المدينة الجديدة «فرسان» في نمط معيشة جديد ومختلف -كسائر أبناء الوطن- وعند قريته القصار التي يعتب على هيئة السياحة والآثار أنها لم تُحاكِ في تصميم بوابتها النمط العمراني لفرسان، واستخدام خامات لرصف ساحاتها من خارج المنطقة، وأن الهيئة لم تهيئ من القرية إلا ما يقارب 3% من مساحتها، وقد تغنى بقصيدته الرائعة -قصار الأمس- بصوته العذب، وأدائه المميز حيث يقول في مطلعها:
يا قِصارَ الأمسِ حُلمًا طَافَ بِي
عندما جِئتُكِ أشكو تَعَبي
عندما جِئتُكِ عمرًا ضائعًا
وتجاعيد زَماني المُجدِبِ
يقول مفتاح الذي يحظى بمحبة واحترام كبيرين بين أبناء المنطقة إن من حسنات والده إنه تركه لأمه حيث طلَّقها -وهو لا يزال جنينا في بطنها- فربته بمساعدة خالها وأخويها، فنشأ في حضنها.
ويتحدث عن مرحلته الأولى في الدراسة على يد امرأة اسمها «مرضية عبدالرحمن سهيل» كانوا يسمونها «مِعْلَامَة» ثم انتقل إلى الدراسة في كتّاب الشيخ أحمد بهلكي -إمام جامع فرسان- وتعلم الكتابة بجهود فردية في بعض بيوتها.
وعن ارتباطه بفرسان قال: إنه ليس شاذا عن غيره، فأي إنسان تربطه بمكان مولده وطفولته ونشأته روابط كثيرة، ففرسان هي مسقط رأسه، وموطن أهله، وعرف فيها أقرانه، وعاش طفولته بكل معطياتها -قسوة وسعادة- ولا يزال يذكر الدلو والجرار التي كان يحملها على كتفه -وهو يجلب الماء لأسرته من البئر- ولا يزال يذكر عيدان الحطب التي كان يحملها على رأسه من باب الهواية؛ لأن أسرته كانت ميسورة الحال؛ ولكنه لم يشأ أن يكون عالة على أحد.
ويستطرد في حديثه عن فرسان التي لا تزال تربطه بكثير من الأماكن فيها ذكريات لا تغادر ذاكرته، فهو لا يزال يتذكر مواسمها الكثيرة التي تختلف عن مواسم الآخرين؛ لأنها تأخذ صفة الاحتفالية -حسب قوله- ومنها: موسم أسماك الحريد في الثامن عشر من أبريل، وهو موسم يحتفون به إذ يعود الغائبون، وترقص العرائس في بيوتهن، وله في دواخل أهل فرسان كثير من الذكريات.. ولا يزال يتذكر جِمَال «الشدَّة» وهي الانتقال من فرسان إلى قرى النخيل، وما يصاحبها من أغانٍ وأهازيجَ وأجراسٍ تعلق على قوائم الجِمال -خاصة جمال العرائس- ولا يزال يتذكر الغائبين الذين يسافرون بسفنهم الشراعية في البحر، وما يعطونه للأطفال من نقود بسيطة -أثناء الوداع- تجود بها نفوسهم الكريمة على قلة ما يمتلكون، وتربطه بذلك عودتهم سالمين، وإشراقة الفرحة الجلية في وجوه ذويهم وأبنائهم.
ويتحدث الأستاذ إبراهيم مفتاح عن تذكره لبريق اللؤلؤ -الذي يسميه الفرسانيون اللُّول- بين يدي خال أمِّه حيث يجتمع عنده البحارة في الصباحات الباكرة؛ ليزنوا اللؤلؤ، ويضيف أنه لا يبالغ حين يقول إنه يعيش ذلك الزمن بكل تفاصيله.
ويتذكر اجتماعه مع أقرانه في الضحى، وأخذهم لزنابيلهم الصغيرة -حينما تشتد الحرارة- إلى النخيل؛ ليتسقطوا -أي يجمعوا ما يسقط من ثمارها على الأرض- وصعودهم أحياناً على الأشجار؛ ليجنوا منها مباشرة فيطاردهم العَصَّابُون -الرجال الذين يقومون بجني الرطب- ولا يزال يتذكر الأضحيات الجملية مع رفاقه عند فوهات الآبار؛ للاستحمام من مائها البارد تحت النخيل التي تظللها.
ويتذكر الشاعر العاشق أهازيج البحارة أثناء التجديف، ويقول إن أصواتهم تقرع سمعه، ويتذكر الفرح الطفولي والشبابي أثناء رحلاته إلى جازان – إبان الدراسة بمعهد المعلمين -في زمن كان الهواء هو من يتحكم بشراع السفينة، وكانت الرحلة تستغرق ساعات أو تمتد ليوم أو يومين بينما تقطعها العبارة الحديثة في ساعة واحدة.
وقفة: يقول الأستاذ إبراهيم مفتاح إن كل هذه الأشياء ما زالت تغذيه، وانعكست على كثير من كتاباته الشعرية والنثرية.

التعليقات (8):
  • D3shoosh ٢٠١٤/٤/١٧ - ٠٤:٣٥ ص

    دعني أصدقك القول .. لقد حسدتك .. عفوا .. إنها زلّة لسان .. كنت أود القول :
    لقد غبطتك وأنت في دار شاعر الوطن , حبيبنا , ابن فرسان البار.. الشاعر الكبير / إبراهيم مفتاح !
    هذا أولا ولنا عودة !

  • صقر ٢٠١٤/٤/١٧ - ٠٨:٥٨ ص

    بعد قرائة المقال الجميل، بادرت لقرائه المزيد عن هذه الجزيرة البعيدة عنا مسافة والقريبة الى قلوبنا، لفت نظري أن مساحتها كبيرة ( ٦٨٢ ) كم ٢ أي أنها قريبة من مساحة مملكة البحرين، وأنها تحتوى على قرى منها قرية تدعى " المحرق ".
    تحية إجلال وتقدير لك أبها الكاتب لإشارتك الى الشاعر الكبير " ابراهيم مفتاح " إضافة الى المعلومات القيمة الأخرى..!!..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٤/١٧ - ١١:٥٧ ص

    عزيزي شيخ المعلقين
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    التقيك عبر صفحات الشرق وعبر فضاء تويتر وأتوق - دون شك - للقائك ...
    دمت بخير رائعا.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٤/١٧ - ١١:٥٩ ص

    عزيزي صقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وصلتني رسالة قصيرة من أستاذي محمد العبدلي معلقا على المقال .. ومما قال: لو لم تلتق إبراهيم مفتاح فلن تكتمل زيارتك لفرسان...
    لك صادق التقدير...

  • نايف السعدون ٢٠١٤/٤/١٧ - ١٢:٠٧ م

    دائما مبدع ابو اسامه ..
    دائما تتحفنا بكتاباتك و مواضيعك المهمه الشيقه
    وقد التمست تأثرك بتلك الزياره لفرسان ولقاءك بالكبير ابراهيم مفتاح ..
    دائما نتمنى التركيز على اهل الابداع فمع الاسف لايوجد اي اهتمام بهم..
    دمت كما عهدناك

  • نواف الفهاد ٢٠١٤/٤/١٧ - ١٢:٣٠ م

    و ربّ السماء و الأرض أقرأك هنا و روحي قد ذهبت هناك تستنزف الخيال مركباً يُبحر بها تجاه فرسان و تجاه مفتاح في رحلة حرف .. أنت رُبّانها و قائدها بجمال قلمك المعهود و إطلالتك الأخّاذه .. زادك الله من فضله ..

    و هذا هو الحضور المختلف الذي لا يجيده إلا من تعوّدو على خطف الإعجاب .. و تعوّدت قلوبنا على حروفهم و كتاباتهم و ماتهطل به سحائب أرواحهم النقيّه ..

    لله درّ كل قلب جميل كقلب مفتاح و ذكرياته و شعره و وفائه ..
    لله درّ كل قلم مبدع كقلمك الجميل يا أستاذنا الغالي .. و يصحب الحديث عنك أنت ألف شوق للجلوس معك و تقليب صفحات نبضك و نزفك للحصول على هذه الدرر قبل نشرها في شرق صحيفة الكبار .. أمثالك يابطل

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٤/١٧ - ١٢:٤٥ م

    أخي نايف
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك بالمقال وسرني أنك وجدت ما جعلك تقرع لوحة المفاتيح لتكتب تعليقك.
    دمت بخير

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٤/١٧ - ٠١:٤٢ م

    عزيزي الشاعر المتفرد أسلوبا وكلمة ونهجا
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن أرواح الشعراء تلتقي وتتوق للقاء بعضها كما تاقت روحك للقاء مفتاح ذلك العاشق للمكان وأهله بل العاشق للوطن كله .. شاعر لا تمل الجلوس معه ولا تحسن في حضرته إلا الإصغاء ...
    له عاطر التحايا ولأهل فرسان الذين يتهيأون ليوم الحريد في موسمه حيث ينتظرون رائحة " بوسي " الليلة أو غدا...
    طبت شاعرا متألقا يا نواف


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى