عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

فرسان.. الإنسان والمكان (2-3)

أرسل لي أستاذي محمد العبدلي -بعد أن قرأ مقال الأسبوع الماضي- رسالة قصيرة ألخصها على هذا النحو: «لقد اجتمع في فرسان إضافة إلى جمال المكان جمال التاريخ الذي يرويه الأستاذ إبراهيم مفتاح، ولا تكفي صحيفة لنقل مخزونه من أقاصيص وتراث، فجعبته مليئة عبر سنوات عمره المديد -أطال الله عمره ومتعه بالصحة- عن جزيرة فرسان وأهلها ومعاناتهم في السابق، ويضيف: كانت فرسان محطة استراحة للسفن من الهند وعدن والحديدة وميدي، وكذلك السفن الصومالية والسودانية، ويختم رسالته بقوله: إن زيارة فرسان تشعرك بالسرور، وتكتمل السعادة بالحديث مع إبراهم مفتاح».
أثناء جولتنا في قرية القصار دخلت البيت الذي بناه إبراهيم مفتاح في شبابه وتزوج فيه، ووقفنا على البئر التي كان يشرب منها، وقال: كانت كل أسرة في فرسان تمتلك سكناً يناسب حالتها المعيشية، ولكن الحال تغيرت بعد أن جاءت العبارات التي وفرتها الدولة، ولم يعد الوضع السابق مرضياً، ولم تعد تلك الغرفة تكفي لعيش أسرة فتوسع الناس في مساكنهم كالآخرين من أبناء الوطن، وتوفرت في المنزل الغرف الكثيرة التي تناسب الحياة العصرية، وأصبحت الجزيرة مفتوحة لأبناء الوطن -مع توفر وسائل النقل الحديثة- ولكن السائح واجه مشكلة في عدم توفر السكن فتنبه أبناء فرسان إلى ذلك -وقد كان بعضهم يخلي بيته؛ ليسكن فيه بعض الزوار- فأصبح في فرسان ثلاثة فنادق، وعدد لا بأس به من الشقق المفروشة؛ لسد هذا الجانب في المواسم خاصة.
لاحظت جمال خط الأستاذ إبراهيم مفتاح وهو يكتب إهداء لي على أحد مؤلفاته فقلت له: ما شاء الله خطك جميل يا أستاذ إبراهيم! فرد عليّ بلا تردد: تعليم قديم.. ثم ابتسم، وكأنه غير راضٍ عن المستوى المتردي لخطوط أبنائنا.
وتحدث عن فترة دراسته في معهد المعلمين في جازان -عند افتتاحه- عام 1377 هـ وانتقاله مع ستة من زملائه -في وقت كانت الدولة بحاجة ماسة إلى معلمين- وأخذوا سكنا مشتركا؛ وتغلبوا -وهم شباب صغار- بالتعاون والإخاء والمحبة على ظروف المعيشة حيث كانت مكافأة الطالب الشهرية 60 ريـالا يتسلم منها 58 ريـالا بعد خصم ريـالين للطوابع، ثم تخرجوا وكان الواحد منهم -كما يقول- محط أنظار الآخرين كمعلم أو «أستاذ» -كما يسمونه- وكان راتبه 550 ريـالاً يتقاضي منها شهريا 467 ريـالاً ويدخر 300 ريـال يرسلها لأسرته، ومما توفر لديه من مال استطاع أن يبني بيتا في قريته «القصار» ويتزوج، ويقول إن عمله في حقل التعليم ساهم في صقل شخصيته، وقربه من الكتاب الذي لم يعد يستطيع البعد عنه.
وأضاف أن التعليم في تلك الفترة كان أفضل بمراحل مما هو عليه الآن، ويذكر أن شهادة المعهد تعادل الشهادة المتوسطة في وقتنا الحاضر، ولم يكن المعهد يدرس اللغة الإنجليزية، وقال: إن التعليم في المعهد كان راقياً، ويضيف أنه لا يبالغ حين يقول إن خريج الابتدائية في تلك الفترة أفضل مستوى من خريج الجامعة اليوم، ويقول بأسى –أيضا- إنه مما يؤسف له، ويؤكد تدنيا شديدا في مخرجات التعليم لو أمسك الآن بورقة كتبها بعض خريجي الجامعة أو حاملي درجة الماجستير أو الدكتوراة سيجد بها عدة أخطاء إملائية ونحوية، ويعزو ذلك الخلل إلى بعض القرارات حيث يقول: إن الذين أشرفوا على التعليم أرادوا أن يطبقوا نظريات تعليمية لدول فاقتنا أو تفوقت علينا وسبقتنا حضارة وتعليما فأتوا بما يسمونه «تقويم الطالب» فأصبح المعلم يضطر أن يعطي له الدرجات دون جهد منه!
استقبلني في ميناء فرسان شاب رائع هو أحمد داود زيلعي، وقد التقيته من قبل في جناح منطقة جازان في الجنادرية -وهو الذي يسميه الأستاذ إبراهيم مفتاح «الابن أحمد»- وقد فرَّغ نفسه لمساعدتي حتى أخجلني بكريم خلقه وكرمه، ولم يتركني إلا بعد أن ركبت العبارة عائداً إلى جازان، وفي منزله العامر اجتمع لديه شباب رائعون بحضور الأستاذ إبراهيم مفتاح.
التقيت بالأستاذ حسين الدعجاني -محافظ فرسان- في المساء، وكان حديثه مرتكزاً على تنمية المحافظة والاهتمام بمستقبلها السياحي، وثقته الكبيرة بأبناء فرسان وحبهم لجزيرتهم ووطنهم، وإعجابه بعطائهم المخلص والمتنوع، وكان المهندس رستم كبيسي مدير فرع هيئة السياحة بجازان مشاركا بحضور رئيس بلدية فرسان الأستاذ عبدالعزيز الشعبي الذي يشيد بجهوده كثير ممن شَرُفت بلقائهم من أهل فرسان.
وقفة: ينتقل معلمو ومعلمات جزيرة طُمَّاح من فرسان وإليها في زورقين صغيرين عليهما شعار وزارة التربية والتعليم!

التعليقات (6):
  • صقر ٢٠١٤/٤/٢٤ - ٠٨:٥١ ص

    نشكرك أيها الكاتب الفاضل على إطلاعنا على بعض من جوانب رحلتك الى أرخبيل جرز فرسان،
    ونتمنى أن تتحول جزيرة فرسان وما يحيط بها الى مكان سياحي متوفر به كافة مقومات السياحة..!!..
    وتحية لك وللقراء الكرام ..!!..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٤/٢٤ - ١٠:٥٩ ص

    أخي صقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك على المتابعة وأسأل الله أن يحقق الأمنيات.
    دمت بخير متفائلا

  • نواف الفهاد ٢٠١٤/٤/٢٤ - ١١:٣٣ ص

    و تتواصل رحلة الحرف معك يا أستاذنا الفاضل و نحن ننتصف من الأجزاء الثلاثة هذا المساء .. في حبكة حرف و تناغم روائي جميل منك لتلك الزيارة الجميلة لفرسان و الحديث عنها و عن شاعرها و أديبها الجميل .. و بأسلوب شيّق جعلني والله أتمنى أن لا تنتهي المقاله و أن تكون أطول من هالمساحه في قادم الأيام لماتمتلكه إستاذي من روعة أسلوب و تفرّد طرح .. ماشاء الله عليك ..

    أمّا .. مفتاح .. فحكايته حكاية و شجون قراءة تفاصيله شجون .. ففي كل إجابة منه تولد ألف قصة من إبداع و كفاح و عمل .. نتنفسها أوكسجيناً يدفعنا نحن للمثابرة و العمل لأجل النجاح ..

    سأكون بشوق و أراهن أن الجميع هنا كحالي في ترقّب و لهفة للجزء الثالث من هالمقالة اللي سأحتفظ بها .. كحال مقالاتك في الشرق كلها .. و أنت صاحب الأسلوب الذي يشدني و يستهويني كثيراً .. بل لا ابالغ والله لو قلت .. انك كاتبي المفضل و أصبحت أهوى كتابة اسمك في محرك البحث قوقل للإطلاع على ماتكتبه في الشرق و في غيرها ..


    الله لا يضرّك .. و لا يحرمنا منك ..

  • ابو محمد ٢٠١٤/٤/٢٤ - ٠٥:٠٦ م

    اﻻستاذ القدير عبد الله الشمري .. نشكر لك هذه الكلمات الرائعه في اديب فرسان ابراهيم مفتاح وابناء فرسان

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٤/٢٤ - ٠٦:٥٢ م

    عزيزي نواف
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إنني على ثقة بأنك ستكتب قصيدة رائعة بالإنسان والمكان لو كنت حللت بفرسان...
    إنسان حباه الله مزايا رائعة ومكان مختلف يشعرك بالتميز والبهاء.
    دمت بخير أيها الشاعر الرائع

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٤/٢٤ - ٠٦:٥٧ م

    أخي أبا محمد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن يومين في حساب الزمن لا يكفيان للمرور بفرسان ولا يكفيان للحديث مع عاشقها الأسمر وفتاها ذي الشعر الأبيض أ. إبراهيم مفتاح...
    فالشكر لكل من التقيته بفرسان
    ولك شكري وتقديري


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى