عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

في حضرة عالم أحسائي «1-2»

لقد تميز الأحسائيون بخصال رائعة منها دماثة الخلق، وحبّ العلم والأدب، ورُقيّ الذوق، وحُسن التعامل، ومهارة التكيف مع الآخرين، والقدرة على التأثير، وهي خصال سامقة كنخيل الأحساء التي تمد المعمورة بطيب جناها عبر الزمن.
التقيت بمعالي الشيخ الدكتور قيس بن محمد آل الشيخ مبارك مرتين: كان اللقاء الأول في الرياض؛ حيث تجاورنا ليومين في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وتحاورنا بين الجلسات في مواضيع شتى، أما اللقاء الآخر فكان في بداية هذا العام؛ حيث أجريت معه لقاء استضافته فيه مجلة الخفجي في عددها الأول والثاني (يناير/فبراير 2014) فكان تعريفه لنفسه أن قال: إنه ولد في الأحساء، وتربَّى فيها، وقد كانت الأحساء – يومها – بيئةً علمية تزخر بالفقهاء والأصوليين والأدباء، فكان يقضي جلَّ وقته متردداً على مجالسهم، فكان ما يستفيده ويحفظه من تلك المجالس أكثر مما كان يقرؤه، فكانت المَحضِن الذي نشأ فيه وتربَّى بآدابه، فقد كان يستمع لما يدور في المجالس من فوائد وفرائد وحوارات علمية، وأهمُّ الحوارات التي تقع حين يأتي بعض الزائرين مِن العلماء مِن خارج الأحساء، فيرى الفوائد العلمية تخرج من ألسنٍ فصيحة مع كمالِ هيئةٍ ووقارٍ تامٍّ وحُسْن سَمْت، ثم أكمل الدراسة النظامية إلى مرحلة البكالوريوس في الأحساء، أما الدراسات العليا فقد أتم مرحلتيها – الماجستير والدكتوراة – في جامعة الزيتونة بتونس.
ويعود فضيلته إلى ذكريات الطفولة التي يرى أن نقشها يبقى في النفوس كبيرا، فهي اللبنة الأولى التي تنعكسُ آثارها على سلوك المرء، ويكتفي بأن يشير إلى معلِّمه الذي ربَّاه، وهو عمّه الشيخ مبارك – رحمه الله -؛ حيث كان يرافقه في كلِّ زياراته اليومية – صباحاً ومساءً – لأنه كان مكفوف البصر، ويحتاج لمن يرافقه، فلا يكاد يفوته درسٌ من دروس عمِّه، فضلاً عن أنَّ مجلسَه كلَّه كان أدباً وعلماً، فقد كان شأن عمِّه – رحمه الله – أن يلقي أكثر من درس في اليوم، ويحضر كذلك المجالس العلمية التي تتوزَّع على أيام الأسبوع، بل كان يرافقه فيها حتى زياراته الخاصة، وفي جولاته للقرى كالطرف، والجفر، والجشَّة، والشقيق، والمراح، والعيون وغيرها؛ للتعليم والإرشاد، وكان يطوف على المساجد للتعليم، وتُلقى عليه الأسئلة والاستشارات، وسافر معه إلى قطر مراراً، فلا يكاد عمّه مبارك يصلِّي في مسجد إلا ويلقي كلمةً فيه، وكان هذا شأنه في أبوظبي والبحرين والكويت.
ومما قال: إن كثرة العلماء في الأحساء جعلها بيئةً جاذبة لكثير من العلماء الذين يفدون إليها من الشام، ومن العراق، ومن مصر، ومن لبنان، وغيرها من البلدان، ومن داخل المملكة أيضا، ولذلك كانت مجالسها مدارس حقيقية، وأنه كان يحضرها، فكانت تعقد – أحيانا – في البيوت، وغالباً تكون في البساتين، فتنتثر البلاغة بينهم كالدُّرر، وربما جرت بينهم مناظرات وطرائف سجَّل بعضها كتاب «شعراء هجر»، وفي تلك المجالس كان يستمع إلى سِيَر هؤلاء الأعلام وأخبارهم، ويقفُ على هممهم العالية، فمنها أن الشيخ عبدالعزيز بن حمد المبارك كان يطوف بالبلاد واعظاً ومرشداً، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، فيتنقَّل بين البصرة والكويت والبحرين ودبي وأبو ظبي.
وعن تعدد المدارس والمذاهب قال: كلُّ علم من العلوم يقوم على مدارس، هذه المدارس هي قِوامُه التي بها يُحفظ وبها ينمو، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يحفظ أحكام الشريعة الإسلامية عبر أربع مدارس، فكلُّ واحدةٍ من هذه الأربع مدرسةٌ قائمةٌ بأصولها وضوابطها، وليست رأيَ فردٍ واحد، ذلك أن كلَّ مدرسةٍ تَعاضَد على بنائها وتأصيلها؛ لتبقى مستندةً إلى الكتاب والسنَّة على أيدي أئمة كبار، لئلا تنحرف بسبب طول الأزمان، وتجدُّد الوقائع عن نصوص الشريعة، ومن أجل ذلك فإن أيَّ حادثةٍ تجدُّ في الطب أو الاقتصاد، فإن استخراج حكمها سهلٌ وميسور، فالأمر لا يستدعي أكثر من عرضها على أصول أيِّ مدرسة من هذه المدارس؛ ليتَّضح حكمها، فكان تنوُّع المدارس مصدر إثراء ونَماء، أما حين يُفرَض على أيِّ علمٍ من العلوم الشرعية وغير الشرعية أن يلتزم مدرسةً واحدةً فإنه يَيْبَس ويموت.
يقول معاليه: إنه بعد تخرجه من الجامعة تقدَّم لكلية الشريعة في الرياض؛ لإتمام دراسته في الفقه، لكن الكلية اشترطت عليه أن يكمل الدراسة في أصول الدين، فكرَّر المحاولة مرة أخرى فلم يجد سبيلاً للموافقة، فتقدَّم لجامعة الزيتونة بتونس، فكانت مناسبة للالتقاء بصفوةٍ من علماء تونس قبل أنْ يرحلوا.
وقفة: أسرة آل الشيخ مبارك، تلك الأسرة «التميمية» ذائعة الصيت، واحدة من بيوتات العلم والأدب المشهورة في واحة الأحساء.

التعليقات (2):
  • صقر ٢٠١٤/٦/١٢ - ١٠:١٠ ص

    الأحساء دار علم على مر التاريخ، التعليم بها موجود قبل التعليم الحكومي ، أشتهرت بأسر علمية منها أسرة النعيم ، والسادة، وأسرة ال الشيخ المبارك وغيرها، ظهر في هذه الأسر شخصيات بارزة تعدت شهرتها خارج الحدود، الشيخ الفاضل الدكتور قيس من بين هؤلاء الشخصيات التى عرف عنها تلك الأوصاف المباركة ..!!..
    مقال جميل و يثلج الصدر، وما بين السطور أجمل..!!..
    تحية لك - أخي عبدالله - ولجميع القراء ..!!،،

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/٦/١٢ - ٠١:٣٤ م

    أخي صقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    نعم ( الأحساء ) دار علم وأدب، وتمتاز بمجالسها العلمية والأدبية، ومن بين تلك المجالس مجلس آل الشيخ مبارك.
    في العام 1416 تواجدت في الأحساء لأربعة أشهر وزرت بصحبة الصديق الرائع - معاذ بن عبد الله آل مبارك - مجلسهم عدة مرات في وجود الشيخين الراحلين عبد الرحمن بن علي آل مبارك و أحمد بن علي آل مبارك - صاحب الأحدية - التي حضرتها مرات كذلك ...
    يمتاز مجلسهم بعبق خاص ...
    لك تحياتي


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى