عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

في حضرة عالم أحسائي ( 2 -2)

يقول الدكتور قيس آل مبارك – عضو هيئة كبار العلماء -: التكليف يزيد الأعباء، ويضع المسلم أمام مسؤولية كبيرة أمام الله، فأخطر ما يواجه الفقيه ألا يؤدِّي الأمانة بما يرضي الله، أو أنْ يَضعف أمام رئيسه، وأخْفَى هذه المخاطر أنْ يَضعف أمام الناس فيفتيهم بما يرضيهم.
كان حديث الدكتور قيس – في المقال السابق – عن الأثر الكبير لعمه الضرير الشيخ مبارك، ولكنه لم يغفل أثناء حديثه عن دور المرأة في حياته، وأثرها الكبير في أسرته ومجتمعه فقد عرَّج على الدور الكبير لعمة والده طرفة بنت إبراهيم – رحمها الله – في حياته لمجالسته لها، وتعلمه كثيراً منها، وأثرها البارز في حياته، فهي أديبة وفقيهة، ولها كلمة مسموعة عند الجميع، فكانت سيَّدةً في أسرتها، فجميع أفراد الأسرة يهابونها ويجلُّونها؛ لعلمها وأخلاقها، وحصافة رأيها، فكانت تصلح بين المتخاصمين، وتأمر وتنهى، ولا يُردّ لها قول».
وعن مسائل الخلاف قال: إن قبول الخلاف مقصدٌ شرعي، وأدبٌ إسلامي رفيع، ما أحوجنا إلى التخلُّق به، فقد يغيب عن بعض المسلمين أنّ المسائل الفقهيَّة إذا كانت من مسائل الاجتهاد، فإن الخلاف فيها سائغ، وأن اختلاف الفقهاء في حكمها لم يكن في يوم من الأيام سبباً للتنازع والفرقة، فمعرفة هذا المعنى والعملُ به هو نهج السلف الصالح، وهو علامةٌ على فِقه الرَّجل في دينه، فكلما كان المسلم إلى منهج السلف أقرب، كان عن التبديع والإنكار في مسائل الاجتهاد أبعد، وآيةُ ذلك أنَّ الصحابة الكرام اختلفوا في كثير من مسائل الفقه، بل اختلفوا في أخصِّ شؤون دينهم، وهي الصلاة، حيث اختلفوا في كثير من مسائلها، ولم يكن اختلافُهم سببا لاختلاف قلوبهم، فكان بعضهم يُصلِّي خلف بعض بلا حرج.
سألت فضيلته عن إشارة له في أحد اللقاءات ملخصها قوله: إن كتب الفقه أصبحت قديمة وبعيدة المنال، ويتعسر على الناس فهمها، ويتعذّر عليهم معرفة مصطلحاتها، فصارتْ عبئاً..، فهل يفهم من قوله أنه يدعو لتركها وإهمالها؟ فكان جوابه بالنفي، وأكد على أهمية إكمال ما بناه العلماء السابقون لنا، فقد تطور الفقه تدريجياً من عصر الصحابة الكرام إلى أيامنا، فبلغ مبلغاً عظيماً، فلولاه لما وجدَ المادة العلمية التي ضمَّنَها كتابه «المسؤولية الطبية»، فمن الجناية على الإسلام إلغاء اجتهاد السابقين وجهودهم، وترك البناء عليها، ثم البدء بالبناء من جديد.
يقول معاليه إن من أعظم ما أكرمه الله به قراءته على علامة تونس الكبير الشيخ محمد الشاذلي النيفر – رحمه الله – الذي كان عطوفاً عليه وحفيّاً به، وأنه أفاد من مجالسته له في بيته كثيراً، فأخذ من هدْيِهِ وخلقه وسمته وأدبه، فقد فتح له أبواب بيته ومكتبته الملأى بنوادر الكتب بين مطبوع ومخطوط، وأنه أثناء دراسته بتونس التقى بعديد من رجالاتها وباحثيها أدبائها ومؤرخيها ومفكريها وغيرهم.
توقفت مع معاليه عند معرف حسابه في تويتر: @Qais_almubarak الذي لا يظهر أنه من الحسابات ذات الأرقام المليونية كغيره، وسألته عن وضع اسمه (قيس المبارك) دون لقب شيخ أو دكتور أو جميعهما، فقال: الألقاب لا معنى لها، فالناس يريدون علماً ونَفعاً، ولا حاجة لهم في المسمَّيات.
من تغريداته في تويتر: «تَجادلَ أناسٌ عند الإمام مالك، فقامَ ونفضَ رداءه ثم قال: إنما أنتم في حرب»، قرأتها عليه وسألته: هل طغى الجدال على أكثر حواراتنا؟ ما سببه؟ وكيف علاجه؟
فأجاب: الجدل ثمرة للاعتداد بالرأي، والكبرياء عن الرجوع للحق، والكبْرُ – كما يقول العارفون – أعظم حجابٍ يحجب المرءَ عن الله، وعلاج الكبرياء أن يتواضع المسلم.
وفي وقفة عند مقالين كتبهما عن كثرة الرقاة ومعبري الرؤى قال: الرؤيا ظنٌّ من المعبِّر، وما أسوأ المعبِّر حين يستغلَّ حسن ظن الناس فيوهمهم أنه عليم خبير، والرؤيا جزءٌ من النبوَّة، فما أشد ذنبَ مَن يتلاعب بالنبوَّة، ويذكر معاليه قول أحد هؤلاء: (أريد أن أفرِّح الناس) عندما كاشفه بسوء عمله، وأنكر عليه تأليفه كتابا في تفسير الأحلام، أدخل فيه الغثَّ بالسمين!
وينصح الدكتور قيس من يرى رؤيا ألا يسأل إلا معبِّراً تقيّاً، وأن يعتقد أن التعبير ظنٌّ، وليس يقينياً، وألا يغترَّ بالرؤيا إن دلَّت على صلاحٍ فيه، فالرؤيا تسرُّ ولا تغرُّ.
وقفة: عندما سألته عن عدد مؤلفاته قال: ما كَمُل وتمَّت طباعته اثنا عشر بحثاً فقط، وأضاف أن الكتابة صنعةٌ، وفنٌّ لا يُحسنه كلُّ أحد، وأنه ليس من المكثرين، بل هو أقلُّ من غيره تأليفاً، وسأل الله أن يرزقه جودة التأليف، والنَّفْعَ به.

التعليقات (4):
  • صقر ٢٠١٤/٦/١٩ - ٠٦:٣٦ ص

    نعم هكذا ، مجالسة العلماء الأتقياء يدرك الحاضر شيئا ً من شذى علمهم و نور تقواهم وحسن خلقهم..!!.. أود التذكير أن أسرة ال الشيخ مبارك هم مالكي المذهب، ومع ذلك لتسامحهم ومحبتهم للأخرين، توجد حالة انسجام مميزة مع الأطياف الأخرى..!!..
    شكرا ً أخي - عبدالله - على هذه المقالة الجميلة التى لبت ما كنا نتظر في المقالة السابقة.
    تحية لك و لجميع القراء..!!،،

  • عبد الله مهدي الشري ٢٠١٤/٦/١٩ - ٠١:٤٩ م

    عزيزي صقر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تسرني متابعتك وتسعدني تعليقاتك، لم أشر في المقالين عن مذهب الضيف " المالكي " اعتمادا على معرفة القارئ الكريم وما جاء عن دراسته في تونس ..
    لك تحياتي

  • حامد بن صلال ال ضفير ٢٠١٤/٦/١٩ - ٠٢:٤٥ م

    شكرًا أبا اسامة
    هؤلاء من يجب تسليط السوء عليهم والاستفادة من فقههم وعلمهم فنحن أحوج مانحين لهم في هذا الزمان الذي كثرت به الفتن وتصدر المنابر والمجالس أنصاف المتعلمين بل والجهلة والرويبضه من الناس.
    شكرًا من القلب

  • عبد الله مهدي الشري ٢٠١٤/٦/١٩ - ٠٩:١٦ م

    أخي حامد
    السلام عليكم ورحمة الله
    رأيت في الرجل مهابة العالم وتواضعه ... سعة علم ووضوح رؤية ووعي بشؤون الحياة والثقافات ...
    لك تحياتي


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى