عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

من أجل اللغة

تسلل إلى العمل الإذاعي والتليفزيوني كثير ممن لا يجيدون اللغة العربية، ويفتقرون إلى الثقافة العامة التي تأتي في أعلى معايير اختيار المذيع الذي يجب أن يكون مبرزاً فيها؛ ليتمكن من أداء مهمته على أكمل وجه.
غداً سيقف ضيوف الرحمن في صعيد عرفة ملبين ومهللين وداعين الله بأن يقبل حجهم، وأن يغفر ذنوبهم، وأن يوحد كلمة الأمة العربية والإسلامية لما فيه خيرها وفلاحها فهي تمر بمرحلة خطيرة من تاريخها.
في ذلك الصعيد الطاهر -صعيد عرفات- تتعدد الألوان والألسن والأجناس، وتتوحد في هدفها السامي في سعيها لرضا ربها الكريم، وتلهج الألسن بالتلبية على تباينها في اختلاف نطقها أو أثر لعجمة أو طغيان للهجة، ولكنها جميعها تتوجه بدعاء واحد، هو دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلم أمته الخير وهاديها إليه: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنَّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ» بهذا الدعاء الخالص من أي شرك تتصاعد الأصوات وتعلو جماعات وأفراداً، وعلى وقعه ستذرف الدموع فرحاً بما منّ الله به على حجاج بيته من نعمة وفضل في أداء المناسك لركن عظيم من أركان الإسلام الخمسة.
ومن أجل اللغة العربية في مثل هذا الموسم العظيم تقع مسؤولية كبيرة على وزارة الثقافة والإعلام -خاصة الإذاعة والتليفزيون- في اختيار المذيعين المتمكنين من اللغة العربية تمكناً قوياً، وذوي الثقافة العالية التي تجعلهم قادرين على التواصل مع من يلتقون بهم من الحجاج أو الوفود أو أثناء تعليقهم على تصعيد الحجاج أو نفرتهم أو رميهم الجمار أو طوافهم أو غيرها من المواضيع الحوارية المختلفة فهي جميعها تحتاج لمذيعين بمواصفات خاصة يأتي في مقدمتها الإجادة العالية للغة العربية.
إن من يتابع نشرات الأخبار في الإذاعة والتليفزيون يسمع العجب العجاب من أفواه المذيعين والمحاورين كوقوع بعضهم في اللحن الذي لا يصدر عن طالب في المرحلة الابتدائية فينصب المرفوع أو يجر المنصوب أو يصر على رفع ما يجب كسره، ويقع بعضهم في تحريف أسماء المدن والمواقع عدا عن الأخطاء الفادحة في أسماء الأعلام وألقابهم -أحيانا- وهو أمر يجب أن تتنبه إليه وزارة الثقافة والإعلام، وتعمل على الاعتناء به من أجل اللغة العربية من جانب، ولكي لا يسيء ذلك إلى صورتها باعتبارها الجهة المنوط بها الحديث باسم الوطن للعالم أجمع.
إن ما أكد عليه صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل -وزير التربية والتعليم- بضرورة أن يتم الاعتناء باللغة العربية في جميع مراحل التعليم تعد خطوة رائدة في خدمة اللغة العربية التي شرفها الله بشرف كتابه العزيز، وهو مشروع ستأتي نتائجه مثمرة إن نال المتابعة الحقيقية، ويسرت له سبل النجاح، ووفرت وسائل تنفيذه، ولعل وزارات الدولة وغيرها تستفيد من برامج وخبرات مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية الذي أنشئ بتوجيه كريم من خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- وتم دعمه من أجل اللغة العربية وخدمتها؛ ليكون عوناً ومرجعاً ومنارة إشعاع وعطاء.
لقد كشفت مواقع التواصل الاجتماعي ركاكة الأساليب الكتابية، وشيوع الأخطاء الإملائية والنحوية لدى كثير من أساتذة الجامعات، وكتاب الصحافة وأعلامها وغيرهم ما ينبئ بخطورة كبيرة على مستقبل أجيالنا الذين يتلقون عنهم أو يتابعونهم، ومن المؤسف أن بعض أولئك لم يعد يخجل من الوقوع في تلك الأخطاء أو ربما أجاز لنفسه ذلك بتبريرات لا تجد لها سنداً من القبول.
كشف تويتر -خاصة- وقبله فيسبوك هذه الفئة التي ظنها بعض من القراء أو المتابعين -لسنوات بل لعقود من الزمن- جهابذة وفطاحل، لكن الحقيقة أن تصدرهم للمشهد الإعلامي أو الثقافي جاء بفضل من المصححين والمراجعين الذين يخفون عيوب كتاباتهم الركيكة، ويزينونها نيابة عنهم فيتلقاها القارئ فينبهر بها، وكأنه يطالع نصا لعبد الحميد الكاتب أو الرافعي أو العقاد أو الطنطاوي.
إن الصحافة الإلكترونية التي أسرفت وزارة الثقافة والإعلام في الترخيص لها -دون قيود في الحد الأدنى من الاهتمام باللغة العربية- قد أساءت كثيراً للغة وللصحافة، وستكون آثارها مدمرة على المدى البعيد إذ يتوجه إليها كثير من القراء -بحكم محليتها- في متابعة الأخبار، وغيرها من المواضيع الأخرى التي تنشرها دون مراعاة لأبسط معايير الصحافة، ومن الطريف أن يقوم بعض تلك الصحف الإلكترونية على جهد شخص أو شخصين غير متفرغين وغير مؤهلين أصلاً.
وقفة: يجب أن تعيد وزارة الثقافة والإعلام النظر في برامجها الموجهة للطفل في ظل فوضى البث!

التعليقات (11):
  • قاصد خير ٢٠١٤/١٠/٢ - ٠٦:٥٠ ص

    علينا النظر بالمضمون
    فما يقدمه التلفزيون اخطر من الاخطاء اللغويه
    بل اخطاء اجتماعيه
    كفانا الله شر المسلسلات التركيه والمدبلجه فإنها افسدت العقول ووسعت المدارك
    اين وزارة الثقافه من هذا
    نعم تذكرت وزاره الثقافه شغلهم الشاغل رخص المحلات وتسديد الرسوم اي جمع الاموال
    حسبنا الله ونعم الوگيل

  • سطام الهذال ٢٠١٤/١٠/٢ - ٠٩:٥٥ ص

    لافظ فوك..
    وقعت على الجرح
    وهذا للأسف واقع ..
    كما أتمنى ان تصل هذه الكلمة
    إلى وزارة الأوقاف ليختاروا
    من الخطباء من يجيد ويتقن قواعد اللغة
    كما يتقن ويجيد أساليب الخطابة والإلقاء ..

    تحياتي لك أبا أسامة..
    متألق كعادتك ..

  • سطام الهذال ٢٠١٤/١٠/٢ - ١٠:٠٧ ص

    لافظ فوك ..
    وقعت على الجرح ..
    للأسف هذا واقع
    كما أتمنى أن تصل هذه الكلمة لوزارة الأرقاف
    فهناك من الخطباء من يفتقر الى ابسط قواعد اللغة..

    تحياتي لك أبا أسامة
    متألق كعادتك

  • الدكتور عبدالرحمن عبدالله الواصل ٢٠١٤/١٠/٢ - ١٠:٣٦ ص

    أخي الأستاذ عبدالله الشمَّري: تحيَّاتي: لقد أبدعتَ في مقالتك فكرة وهدفاً وأسلوباً ولغة، وأحسب أنَّ الانحدار اللغويَّ الذي تلحظه لدى شرائح في المجتمع من مذيعين ومحاورين ومسؤولين وفي جهات التواصل وفي التعليقات في مواقع الصحف ما هو إلاَّ جانب من الانحدارات الثقافيَّة في مجتمعاتنا، ولعلَّك تلحظ المتطاولين في تعليقاتهم على الكتَّاب والأدباء بأساليب ركيكة ولغة فجَّة ولحن وتكسير لشواهدهم من الشعر الفصيح ومع ذلك يتاح لهم نشر تعليقاتهم باسم حريَّة التعبير، تحيَّاتي أخي عبدالله.

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١٠/٢ - ١١:٥٢ ص

    اللغة وسلامتها من العوج.
    والمتحدّث ورصيده من الثقافة
    والحضور الذهني .. وتجيير المواقف الطارئة أثناء الحديث المباشر لصالحه
    عوامل أساس في إيصال رسالة المذيع
    وبمناسبة يوم عرفة ونقل الحدث إعلاميا
    تعود بي الذاكرة لزمن العمالقة ماجد الشبل وحسين نجار ومحمد صبيحي وغالب كامل وسليمان العيسى والقائمة تطول من أولئك .. الذين وضفوا الصوت وتجسيد المناسبات عبر الأثير وقتها كان التلفزيون غائبا على الأقل في النقل المباشر.
    فكانوا يتعايشون مع المناسبة سواء في الحج أو المناسبات الرسميّة أ والإحتفالات .
    مع أنّ طريقة التلقي السمع لكنّه من دقّة نقلهم بالصوت كنّا نستمتع كالناظر بالعين.
    في يوم عرفة يتمّ حضور مذيعي الدول العربيّة مشاركين .. وكان الآن ينتقل الميكرفون مع ... من ... الشقيق لها وقع خاص.
    كل ماسبق يسجّل للإذاعة وهيئتها لاحقا.
    لكنّ حضور التلفزيون وتجدد وسائل التقنية لم ترتقي بالعمل الإعلامي المسموع والمرئي للمؤمل فيه فالنقل كأنهم بكامرة واحده والوصف والتعليق حتى في المباريات لايرتقي وصوت محمد رمضان أو سليمان العيسى وهم ينقلون مباريات دورة الخليج ويحددون الكرة بالمربعااااااات
    ياسيّدي..:
    وأنت تنقل هذا الهمّ كنت أتمنّى لو أفردت حلقات ..فالرموز التي كانت تأخنا في العجّة بكتابتها من وراء الستر وكشفها الاعلام الجديد تستحق مقال يشخص الألم والأمل.
    ومثله الصحف الألكترونيّة وعدم مهنيّة الكثير منها لغة أو أخراجا أو نقلا دون...

  • محمّد الحويل ٢٠١٤/١٠/٢ - ١١:٥٣ ص

    ..:
    تابع ..
    نقلا دون تثبّت. ومثلها الألسن المعوجّة في مدارسنا .. ولغة السوق التي يتعلم بها الطلاب والطالبات وهوس الوزير بلغة الضاد يمتد لإدارته في عسير كان يمنع وفق تعاميم منسوبي الامارة وجميع قطاعات الدولة بالمنطقة من المكاتبات إلا بالفصيح .
    كان رديّ غير مرتّب ..لشموليّة فكرتك .. وكل عام وأنت بخير وعافية ومن تحب الستر وللجميع عيدكم مبارك

  • صقر ٢٠١٤/١٠/٢ - ٠٢:٠٣ م

    مقالة جميلة ومفيدة، ولعلها صرخة صادقة الى من يهمه الأمر بضرورة الإعتناء باللغة العربية..!!..
    تحية لك أخي - عبدالله - ولجميع القراء ..!!..

  • نجم الدين الإبياري ٢٠١٤/١٠/٢ - ٠٢:٢٢ م

    ليس غريبًا على الأستاذ عبد الله الشمري غيرته على لغة أمتنا التي باتت غريبة حتى في ديارها ، إن الخطر لا محالة محدقٌ باللغة العربية مالم يتنبه له أهل الضاد ، ويحذر منه أولئك الغيورون من أمثال كاتبنا الذي حمل همها في أكثر من محفل ، وتبنى نهضتها في كثيرٍ مما يكتب . ولعل فعاليات حج هذا العام تكون فرصة ليطَّلع العالم علىى لغتنا الجميلة إ

  • D3shoosh ٢٠١٤/١٠/٢ - ٠٤:١٣ م

    كل عام وأنت بخير - سيدي !

  • الدكتور عبدالرحمن عبدالله الواصل ٢٠١٤/١٠/٢ - ١٠:٤٥ م

    صحَّتها اللغويَّة: كلُّ عام أنت بخير، إذْ لا مكان للواو فليست عاطفة ولا حاليَّة، فكيف تعلِّق بهذه العبارة بصياغة خاطة لغويّاً على مقالة كتبت من أجل اللغة يا هذا؟.

  • عبد الله الشمري ٢٠١٤/١٠/٣ - ١٢:٢٨ ص

    شكرا لكم جميعا فتعليقاتكم على المقال أضافت فوائد للقارئ.
    توقفت كثيرا عند تعليق الدكتور عبد الرحمن الواصل، وسرني استدراكه الجميل.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى