عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

أبو سِنَّة.. حدود المفارقة (1-3)

* يقول أبو سنة إنه حمل صوراً كثيرة للشقاء الإنساني الذي استمع إليه في طفولته المبكرة من خلال الحكايات التي لا تزال في وجدانه؛ لأنه احتفظ لفترة طويلة بصور قريته في كثير من قصائده

محمد إبراهيم أبو سنة الشاعر الذي صاغته الشاعرية والإنسانية معا، التقيته في سبتمبر الماضي في القاهرة، وأجريت معه لقاء نشر في مجلة الخفجي، كانت البسمة – غير المصطنعة – لا تفارق محياه، وأتى الترحاب الصادق سلسا جميلا في كلماته، وزاد الحضور بهاء الهدوء المهيب الذي صقلته أكثر من 7 عقود من السنين.
هنأته في بداية اللقاء على الجوائز الكثيرة التي منحت له ومنها: جائزة الدولة التقديرية، وجائزة العويس، وباركت له صدور أعماله الكاملة.. وسألته عن الأثر النفسي والمعنوي لكل منها عليه شاعراً وإنساناً.
قال: إن الجوائز ربما تأتي في مرحلة يحتاج فيها الشاعر أو المبدع إلى الإحساس إلى أن المجتمع الذي عاش فيه، وقدم عطاءه وانخرط منذ نعومة أظفاره، هو معنيٌّ ومشغول ومهموم بقضاياه وتجاربه وكل ما يهمه، ويحب الشاعر في مرحلة خاصة أن يرى أثر ما قدمه في لفتة إما من الدولة أو من مؤسسة كبرى؛ ولهذا كان فرحه عظيماً وإحساسه بالامتنان للذين منحوه شرف جائزة الدولة التقديرية – سواء من لجنة التحكيم أو أعضاء المجلس الأعلى للثقافة – كان تقديره عظيماً لهم، خاصة أن هذه الجوائز لا يرقى إليها الشك؛ لأنها تصدر عن قامات أدبية عالية تعرف كيف تميز بين الغث والسمين.
وسألته عن فلسفة الترتيب المتضادة في إصداره الأول والأخير لأعماله الكاملة، وأيهما يراه أنسب للشاعر والناقد والقارئ، فقال: إن أعماله الكاملة «الأولى» التي صدرت عام 1985، كانت تضم 6 دواوين بادئة بديوان «البحر موعدنا»، وأنه كان في تلك المرحلة يحب أن يواجه القارئ بأحدث ما كتب – خاصة أن ذلك الديوان منذ صدوره كان محل اهتمام من جانب النقاد، وقد حصل بموجبه على جائزة الدولة التشجيعية، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، فاعتزازاً بما حققه بدأ به، واستمر هذا الترتيب؛ فكانت رؤيته في ذلك الوقت تلتفت إلى اعتبارات نفسية وفنية ووجدانية.
أما الأعمال الكاملة «الأخيرة» التي صدرت هذا العام فقد جاءت بالترتيب الزمني لصدور الدواوين منذ ديوان «قلبي وغازلة الثوب الأزرق» الذي صدر عام 1965 م، وهو ترتيب ملائم لحركة التاريخ؛ لأنه أمام الأعمال الكاملة الأخيرة ربما يريد أن يسجل أمام النقاد والقراء والمتابعين أن هذه الأعمال صدرت متتابعة خلال خمسين عاماً؛ لكي يطّلع القارئ على حس الكتابة وروحها والخيال الذي صاحبها والتجارب التي عاشها، وكذلك الصور الواقعية والرمزية التي احتواها الديوان.
وأشرت إلى ظهور المفارقة المدهشة – غالباً – في شعره في ثنائيات: الحزن والفرح، اليأس والأمل، الهزيمة والنصر، الفناء والبقاء، أو ما يسميه «اللهيب الأخضر» الذي يشتعل بالحزن والحسرة، وإلى الأمل الذي يظهر – دائما – في نهاية المشهد الكئيب!
وقلت له: إلى أي مدى تعكس هذه المفارقة واقعية تلك الأبعاد التي تشكل – تقريباً – عالمه الشعري: الذات، الوطن، العالم؟
فأجاب: أنه ولد في قرية على حدود المفارقة، إذ كانت قريته تطل على الضفة الشرقية للنيل جنوب القاهرة، وينتهي طرفها الآخر في الصحراء، وبين الماء والرمل كانت باكورة وجوده، وفي تلك البقعة الجميلة رأى صورة الطبيعة الرائعة التي ظلت حية ومشرقة ونضرة حتى الآن.
المفارقة كانت في الطبيعة بين النيل والصحراء، بين الفلاحين البسطاء الذين كان يعيش وسطهم والمصنع الكبير على مقربة من القرية، الذي يضم طائفة من العمال الذين يختلطون بعدد من الموظفين القادمين من المدينة، ونشأ عن ذلك الاختلاط تشكيل حضاري تمثل في مجموعة من القيم في الثياب، وطريقة التعامل، واللغة، والأسلوب.
ثم سألته منطلقا من عبارته: «لإبقاء ذاكرة سعيدة على قيد الحياة» عما إذ كان أسيرا للطفولة والحنين للماضي.
فقال: إنه في الحقيقة ما زال شغوفاً بصور الطبيعة في قريته التي شاهدتها أو طالعتها في سن مبكرة جداً، ولكن الصورة التي ظلت كامنة وحية تحلق في وجدانه، وربما أحلامه وربما قصائده لم تكن صورة وردية؛ لأن والده في واقع الأمر كان رجلاً متديناً يأتي إليه كثير من أهل القرية ومن خارجها، لا ليحل مشكلاتهم فلم يكن يمتلك كثيرا، ولكنه كان يصغي إليهم، ويستمع إلى شكاواهم، ويتعاطف مع قصصهم، وفي كثير من الأحيان يذهب معهم إلى حيث يريدون؛ ليؤانسهم أو يساعدهم.
وقفة: يقول أبو سنة إنه حمل صوراً كثيرة للشقاء الإنساني الذي استمع إليه في طفولته المبكرة – وهو في فراشه – من خلال الحكايات والقصص التي لا تزال في وجدانه؛ لأنه احتفظ لفترة طويلة بصور قريته في كثير من قصائده.

التعليقات (4):
  • محمد خليفة الذايدي ٢٠١٤/١٠/١٦ - ٠٥:٣٠ ص

    كعادتك يا ابا اسامه تجلب الدرر من اعماق الكنوز لتعرضها لنا بأجمل الحلل.

    شكراً لك .

  • AMSHAlShammari9 ٢٠١٤/١٠/١٦ - ١٢:٣١ م

    شكرا لك أخي محمد
    شرف لي أن أكون من بين الذين تقرأ لهم.
    دمت بخير.

  • أحد شلبي ٢٠١٤/١٠/١٧ - ٠٩:٤٦ ص

    مقال رائع عن شاعر يستحق عمره الشعري والإنساني ، دمت يا أخي منصفا وباحثا عمن يستحق كلماتك وحوارك ، أن أبا سنة علامة شعرية متميزة في أدبنا الحديث .

  • عبد الله الشمري ٢٠١٤/١٠/١٨ - ١٢:٣٨ م

    أخي أحمد
    مساؤك بهاء
    عندما تأتي الشهادة من أديب اسمه أحمد شلبي الشاعر والناقد والكاتب فهي وسام شرف رفيع.
    دمت بخير


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى