عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

أبو سِنَّة.. حدود المفارقة (2-3)

* الشعر ضروري عند البحث عن الجمال، فهو معرض له في الطبيعة، وفي الوجود، وفي الإنسان –وقبل وبعد– هو ضروري في اللغة، وفي الموسيقى والخيال

قال أبو سنة: نعم، هذا سؤال يلمس جوهر الحقيقة؛ بل يلمس جوهر رؤيتي وإحساسي بالمرأة طوال حياتي، فمنذ افتقدت والدتي وأنا في السابعة من عمري وأنا أبحث عن ظلها الوريف، أبحث عن ابتسامتها التي لا تغيب، عن حنانها المفقود، عن أصابع يديها التي كانت تتحسس بها وجهي عندما تقوم لصلاة الفجر وبعد أن تؤديها.
كانت تلك إجابته على سؤالي: تتمثل المرأة لديك سلوى وظلاً وماءً، وملاذاً من الوحدة واليأس، هل كانت هذه الرؤية حلماً تعويضياً عن اليتم من الأم في الطفولة؟
وأضاف أن المرأة مرت في حياته وفي شعره بمراحل مختلفة، كانت المرأة احتياجاً للتعويض عن اليتم، ولكنها تحولت من شجرة وارفة الظلال يسعى إلى الاحتماء بها من هجير الحياة إلى كائن جميل يبحث عنه، ويقع في غرامه، ويكتب عنه، ويتلمسه في سلوكه ومظهره ونظرته.
ولما سألته عن معنى الفرح الشعري لديه؟ وهل يسميه كذلك رغم مرارة بعض التجارب التي يعبر عنها؟
قال إنه عرف الفرح، يعني الفرح الإنساني، وهو يتجلى في أشياء كثيرة، يتجلى في الحب الذي عرفه منقوصاً وكاملاً، عرفه في كامل بهائه، وعرفه في كامل انطفائه، وعرفه في صور متعددة، منها أنه يقع فيه ولا يبادله أحد.
وفي ثنايا الحوار سألته: «لماذا كان الشعر ضرورة؟»، فأجاب: هذه العبارة لـ«جان كوكتو» الذي يقول: «الشعر ضروري وليتني أعرف لماذا»، وأضاف: نعم الشعر ضروري عند البحث عن الجمال، فهو معرض له في الطبيعة، وفي الوجود، وفي الإنسان –وقبل وبعد– هو ضروري في اللغة، وفي الموسيقى والخيال.
الشعر ضروري؛ لأنه في حالات كثيرة نوع من الدفاع ضد الانهيار، وضد الحزن، وضد الكآبة، وضد الإحباط، وهو ضروري؛ لأنه ينقذ الروح الإنسانية من الضياع.
وأكد أن الشعر ليس مجرد ترفيه أو مجرد هواية، وذكر أنه التقى بفتاة تعمل في مسرح العرائس في عام 1980 -عندما كان في الولايات المتحدة الأمريكية- وعرضتْ عليه بعض المشاهد من أعمالها، فقال لها: هل هذه هوايتك؟
فعبسَ وجهُها، وقالت له: هل الشعر هوايتك؟
فأجابها بقوله: لا، الشعر حياتي.
قالت: هذا الفن هو حياتي.
ولأن الحديث مع شاعر فقد سألته عمن يثير اهتمامه من الشعراء السابقين واللاحقين عليه، فقال: كلمة السابقين تنفتح طويلاً حتى تصل إلى امرئ القيس، ولابد من ذكر المتنبي، وأبي العلاء، وأنه قرأ للشريف الرضي –وهو شاعر ظُلِم كثيراً–، وقد وقع في غرام أبي فراس الحمداني فقرأه قراءة دائمة –عندما كان في المملكـة العربية السعودية–، وأكد أنه أحبَّ البارودي كثيراً لعبقريته المتوهجة، حيث استطاع أن يبدع شعراً حقيقياً صادقاً تميز بصدق المعاناة والوطنية.
ويضيف: أنه نتيجة لاهتماماته الوطنية -أيضاً- وإحساسه العميق بقضايا مصر أو وطنه العربي أو حتى الوطن الإنساني أحب البارودي -رغم إجلاله لشوقي، وإقراره بإمارته للشعراء- وأضاف أنه أحبَّ حافظ إبراهيم كذلك.
ويقول إنه قرأ إبراهيم ناجي في المدرسة الرومانسية، وقرأ علي محمود طه، وكان يعرف محمود حسن إسماعيل، حيث كانا يسكنان في الجيزة، وقرأ ديوانه «أين المفر؟».
أما المدرسة الحديثة فقد ذكر أنه قرأ لصلاح عبدالصبور -وكان قريباً منه والتقى به-، كما قرأ لأحمد عبدالمعطي حجازي؛ بل قرأ جيله كله –جيل الستينيات– في الوطن العربي، قرأ فاروق شوشة، وأمل دنقل، ومحمد عفيفي مطر، وهناك من التقى بهم وعرفهم كعبدالوهاب البياتي –الذي عرفه في الستينيات– وأحب شعره جداً.
وقال إنه جذبه للشعر الحديث ديوان «قرارة الموت» لنازك الملائكة، حيث تعلق به كثيراً، وقضى معه أياماً أثناء الإجازات في القراءة، وقرأ كذلك لشعراء عالميين كبار –أيضاً- ولا يزال.
قلت له: كيف تقيِّمُ أدوار المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية في خدمة الثقافة والمثقف؟
فأجاب: في مصر -مثلاً- كانت الثقافة مزدهرة فترة الستينيات أثناء وجود الدكتور ثروت عكاشة -مهندس الثقافة المصرية–، ولكن النقيصة التي طالت المؤسسات الثقافية العربية، وأثرت على ازدهارها كانت بسبب التحولات السياسية الجارفة التي كانت تصبغ الألوان الثقافية والأوعية التي تبث من خلالها، واختيار شخصيات تصدرت المشهد فأفسدته؛ لأنها كانت تقدم من خلال أدوار سياسية لا من خلال أدوار ثقافية من أجل إعلاء قيمتها.
وقفة: رأى شاعرنا أشياء كثيرة، وصوراً متعددة للفرح، ولكن فرحه الآن -كما يقول- هو الطفولة؛ لأنه أحب حفيده أحمد -ابن ابنته- الذي يراه تتويجاً لمهرجان الفرح في حياته!

التعليقات (0):

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى