عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

تسريبات موظفين رسميين

* لدى بعض الدول أنظمة تجرم مسربي الوثائق، وتعمل دول أخرى على وضع تنظيمات لحماية أمنها، وقد ناقش مجلس الشورى هذه القضية فيما يعرف بنظام الوثائق السرية التي يؤدي إفشاؤها إلى الإضرار بالأمن الوطني

التسرب من الكلمات التي تعددت دلالاتها، وشاع استخدامها، ولم يعد فهمها يُشكل على أحد، فالتسرب لدى التربويين هو عزوف بعض الطلاب عن الدراسة ومغادرتهم الفصول الدراسية، إما بأعذار واهية أو بغياب متعمد أو هروب عبر أسوار المدرسة التي تراجع دورها.
أما المعنيون بالبيئة فأهم ما يقلقهم هو تسرب الغاز أو الزيت اللذين يلحقان الضرر المباشر أو غير المباشر بالبيئة، ويكون أول ضحاياهما الإنسان، الذي غالبا ما تنسب إليه الإضرار بالبيئة من خلال ممارساته غير الواعية، وأعماله المختلفة إما عمدا أو تهاونا أو جهلا!
شبَّه باراك أوباما – الرئيس الأمريكي – كارثة تسرب النفط في خليج المكسيك بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتعهد للسكان في المناطق المنكوبة بسبب البقعة النفطية بالحماية، وخاصة العاملين في قطاع الصيد البحري، وتذكر الأخبار أن تكاليف احتواء أزمة تسرب النفط تلك قد ارتفعت إلى 8 مليارات دولار أمريكي.
إن تسرب النفط من الناقلات العملاقة في البحار والمحيطات لا يقل خطرا عن الكوارث النفطية في تهديد البيئة البحرية وإفسادها.
في عام 1990 م غطت طبقات النفط التي سُربت عمدا زُرقةَ خليجنا العربي – إبان احتلال الكويت – ولم تسلم اليابسة من ذلك الإفساد عندما أحرقت الآبار النفطية – آنذاك – فأحالت نهارات المنطقة إلى ليل كئيب عدة أشهر.
إن ما تفعله داعش اليوم – في سوريا والعراق – من عبث وفوضى – بعد سيطرتها على بعض الآبار النفطية، ومعامل التكرير – ينذر بكارثة بيئية شديدة الخطر على البيئة بعامة، وأضرار شديدة على الإنسان الذي يعاني قهر داعش وبشار.
إن الإنسان هو المعني الأول بسلامة البيئة يسيء إليها بأشكال متعددة وخطيرة؛ فهل نسي أن الله استخلفه في الأرض من أجل عمارتها وإصلاحها، لا الإضرار بها وإتلافها والتعدي على حياة الكائنات والنباتات فيها؟
وهناك التسرب في شبكات المياه الذي يعترف به المسؤولون عن قطاع المياه في مدننا التي يعاني بعضها من العطش، لا تخلو مدينة من تلك العيوب التي تتسب في هدر كميات كبيرة من المياه، وتزيد من أخطار التلوث – لا سمح الله – ولم تفلح الملايين التي أنفقت للحد من ذلك التسرب المستمر والمتزايد، ويضاف إلى ذلك التسرب في شبكات الري، وفي خطوط نقل المياه.
ومن التسريبات نشر الوثائق الرسمية – وخاصة السرية منها – وقد شاعت – في السنوات الأخيرة – تسريبات ويكيليكس التي نشرت وثائق عدة دول.
لدى بعض الدول أنظمة تجرم مسربي الوثائق، وتعمل دول أخرى على وضع تنظيمات لحماية أمنها، وقد ناقش مجلس الشورى هذه القضية فيما يعرف بنظام الوثائق السرية التي يؤدي إفشاؤها إلى الإضرار بالأمن الوطني.
من المؤكد أن مناقشة هذا الموضوع لم تأتِ من فراغ، بل بسبب مخالفات ظهرت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي لا يزال كثيرون لا يحسنون التعامل معها، ولا يعون القيود التي يجب الالتزام بها في النشر، الذي قد يعرض كثيرين منهم إلى عقوبات نظامية أو يتسبب لهم بمواجهة دعاوى قضائية في المحاكم، بسبب الأضرار التي يسببونها لغيرهم.
ينسب إلى الشيخ تركي الشليل قوله: «إن مما يحتاجه الناس في معاملاتهم وتعاملاتهم، اللجوء إلى شيء من السرية في بعض الأمور؛ لما تحمله من حساسية أو لتعلقها بأشخاص زلت بهم الأقدام وتوجب الستر عليهم، أو لغير ذلك من الأمور التي تقتضي المصلحة اقتصار الاطلاع عليها من قبل عدد محدود من الناس، وجزء كبير من هذه التعاملات أو المعاملات خاص بالجهات التي تنظم شؤون الناس، سواءً كانت حكومية أم أهلية. وهذا ولا شك فيه أنظمة مرعية وتعليمات محددة تضبطه وتحدد ما يجب أن يكون سريًا وما يكون عاديًا».
ومن قوله – في ذات السياق – أيضا: «الجهات الأمنية والشرعية هي أكثر من يحتاج إلى تلك السرية والكتمان؛ كونها تتعامل مع قضايا ومخالفات مرتكبة من قبل أشخاص، وعورات لا ينبغي الاطلاع عليها ممن ليس له علاقة بمعالجتها والقيام بما يجب حيالها، .. ومن جانب آخر يكون فاعلها ممن سعى في فضح صاحب القضية أو المخالفة وكشف سوأته للناس، والكلام في الجانب الشرعي لهذه المخالفة يطول، وهو مفصل في مظانه من كتب أهل العلم».
وقفة: إن ما يتم تسريبه من صور لخطابات رسمية ذات علاقة بقضايا أفراد من قبل موظفين رسميين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يحتاج إلى متابعة وحزم من الجهات المسؤولة، إذ فيه تعدٍّ على الحقوق، وتجاوز للأنظمة، وممارسة للتشهير!

التعليقات (7):
  • محمد العُمري ٢٠١٤/١١/٦ - ٠٦:٠٤ ص

    شكرًا للتنوع بأساليب التسريب
    وكنت أتمنى ان تعرج على التسريب
    الفكري لدى الآمة ؟

  • ادو خطاب ٢٠١٤/١١/٦ - ٠٦:٣٤ ص

    موضوع مهم وتسلسل في طرح الموضوع من خلال زوايا مترابطة يظهر فيه جليا اسلوب الكاتب المميز .
    اتمنى لكم دوام التوفيق.

  • د علي إسماعيل ٢٠١٤/١١/٦ - ٠٩:١٣ ص

    تنوع التسريبات من تسرب تلاميذ الي تسرب اسرار يعطي للمقال شمولية رائعة

  • د علي إسماعيل ٢٠١٤/١١/٦ - ٠٩:١٥ ص

    شمولية المقال وتنوعه يعكس رؤية عميقة للكاتب

  • AMSHAlShammari9 ٢٠١٤/١١/٦ - ٠٢:٣٢ م

    عزيزي محمد العمري
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    التسريب/ التسريبات أنواع لا يمكن حصرها في مقال واحد...
    دمت بخير.

  • AMSHAlShammari9 ٢٠١٤/١١/٦ - ٠٢:٣٣ م

    ادو خطاب
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك على المرور بالمقال.
    سعدت بإعجابك به.
    تحياتي.

  • AMSHAlShammari9 ٢٠١٤/١١/٦ - ٠٢:٣٤ م

    د. علي إسماعيل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شرف كبير أن تمر بالمقال قارئا ومعلقا.
    دمت بسلام.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى