عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

لَقَد تَجاوزتَ حَدَّك!

شاعت مشاهد الإسراف والتفاخر بين الناس، وبات تداولها مجالاً خصباً لنقدها، وقام بعضهم بمقارنتها بمشاهد الجوع والفقر في بلدان العالم

لكلمة التجاوز استخدامات شتى، ومن بينها ما هو شائع كعبارة: «عزيزي العميل لقد تجاوزت حدك الائتماني» فشركات الاتصالات تخبر عملاءها الأعزاء -كما تسميهم في رسائلها النصية- بواسطة برامجها بتجاوزهم حدودهم الائتمانية التي ترسلها إليهم؛ لتنبههم بأوضاعهم؛ ليعودوا إلى ترتيبها أو يضطروها لقطع خدماتها عنهم.
أما «ساهر» فيرصد بدقة عالية عبر كاميرات لا يفلت من يمر في دائرة رؤيتها متجاوزا لسرعة أو مخالفا لنظام مروري، فَتتابع عليه الرسائل النصية؛ لتنبهه إلى تجاوزه الحدود المسموحة، ووقوعه في مخالفة مرورية يترتب عليها دفع غرامة مالية قابلة للمضاعفة في حال تأخره عن سدادها.
لكل أمر من الأمور حدوده التي يجب الوقوف عندها، وعدم تجاوزها بالخروج إلى دوائر المخالفة، والناس في أمر الالتزام والتجاوز على أصناف متعددة، ولكل منهم رؤيته التي ينطلق منها، وأسبابه الخاصة التي يتكئ عليها في تصرفاته سلبا أو إيجابا!
إن تجاوز الحد في الإنفاق مسألة جلية في مجتمعنا، وهي أمر مشاهد لا يمكن إنكاره أو التغاضي عنه، لقد وصل بعضهم في تجاوزه إلى حد الإسراف بل تعداه إلى التبذير والفوضى، وشاعت مشاهد الإسراف والتفاخر بين الناس، وبات تداولها مجالاً خصباً لنقدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقام بعضهم بمقارنتها بمشاهد الجوع والفقر في بلدان العالم، وحذر كثيرون من خطورة استمرار هذه الفوضى التي تنذر بخطر كبير على المجتمع بعامة!
يتفق كثيرون على أن حدود الإسراف والتبذير يجب ألا يسكت عليها من جهات الاختصاص المعنية القادرة على مراقبة تلك التجاوزات ورصدها ومحاسبة مرتكبيها، والضرب على أيدي هؤلاء المتجاوزين بقوة إذ لم تفلح في ردهم وردعهم كثير من المواعظ والخطب والبرامج الإعلامية الموجهة على مدى سنوات.
في الأسبوع الماضي عنونت مقالي بسؤال: «أين ملايين الجمعيات الخيرية» واستكمالا لجوابي عليه أقول: إن ملايين كثير من الجمعيات الخيرية تذهب مباشرة إلى المستفيدين من الفقراء والأيتام والأرامل والمرضى، وربما يصرف بعضها في بعض جوانب العمل الاجتماعي دون أن يتم استثمارها وتنميتها.
لا يعدو دور بعض الجمعيات الخيرية عن تمرير الأموال -وكأنها محطات توزيع- فهي تصرف ما يصلها من صدقات وتبرعات وإعانات إلى المسجلين لديها، وقد تتعرض إلى توقف أنشطتها -أحيانا- بسبب عدم انتظام تدفق الأموال والمواد العينية إليها أو تأخر بعض الإعانات عن مواعيدها المحددة، فترتبك أعمالها وقد لا يستطيع مجلس إدارتها المجازفة بالحصول على بعض القروض؛ لتجاوز الأزمة المؤقتة خوفا من عدم القدرة على السداد أو خوفا من تجاوز الصلاحيات، وتأتي مفردة التجاوز هنا حادة في كلا الأمرين.
يقول الدكتور حسين شحاته -أستاذ الاقتصاد الإسلامي- في تعريف الإسراف والتبذير بأنه: «ما يجاوز حد الاعتدال والوسط في الإنفاق والسلوك».
يمارس بعض أبناء المجتمع من إنفاق وسلوك يجاوز حدود الوسط بكثير، ويصل إلى ما يسمى بالهياط في أسوأ الصور، والقفز على تعاليم الدين الواردة في كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه الأمين -صلى الله عليه وسلم- والمعارضة الواضحة لقيم المجتمع السوية، وأعرافه المرعية.
منذ سنوات قال د. هاشم يماني وزير التجارة السابق: «إن على المجتمع أن يغير عاداته الغذائية»، ولكن نصيحته لم تلق آذانا صاغية في حينها، ولعل وزير التجارة الموفق د. توفيق الربيعة يسعى إلى تبني تلك الدعوة؛ لما يحظى به من قبول ورضا من المجتمع، وتأييد لما يقوم به من جهود تصب في صالح الوطن.
اطلعت -قبل سنوات- على خبر مرعب عن أطنان كثيرة من الطعام التي تنتهي إلى حاويات القمامة من مطاعم مدينة الرياض، وللقارئ أن يوسع الدائرة شيئا فشيئا حتى تشمل البلاد بأكملها.
ربما نصبح يوما على قرار لوزارة التجارة تضع فيه تنظيما دقيقا يلزم المطاعم بمقدار كل صنف من الطعام الذي يقدم للفرد الواحد، فبعض الأطعمة يحدد بالوزن، وبعضها يحدد بسعة الإناء؛ للحد من الفوضى التي تمارسها كثير من المطاعم، ويساهم فيها روادها الذين يحتاج بعضهم إلى إعادة تأهيل في مجال الاقتصاد في الطعام.
وقد نمسي يوما على قرار لوزارة الشؤون البلدية والقروية تتحمل فيه مسؤولية وضع الضوابط اللازمة لمراقبة كميات الطعام التي تنتهي إلى الحاويات من المطاعم، والمنازل، وقاعات الأفراح، والفنادق وغيرها.
إن تحديد الجزاءات اللازمة ونشرها وتطبيقها على المخالفين يساهم في الحد من التجاوز، ويعمل على توفير كميات كبيرة من الطعام، ويخفض الأسعار، وينمي الوعي بأهمية الاقتصاد.
وقفة: إن معالي وزير الشؤون الاجتماعية معني بشؤون الفقراء، ومكلف بتنمية المجتمع فهل سيبادر بتقدم شكاوى ضد المسرفين؟

التعليقات (10):
  • فهد الرشيدي ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠٨:١٩ ص

    أحسنت ودائما انت رائع وفعلا تجاوزت حدك بروعة اختيارك بارك الله فيك دائم أبا اسامه تبدع. وتبدع وأبدع

  • فارس بن عجل ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠٨:٢٩ ص

    أخي جزاااكِ الله الفردوس الأعلى

  • Ali Ismail ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠٩:٣٠ ص

    رائع قوي و في صميم ما يعانيه مجتمعنا لعربي من فوضى

  • عليان السفياني الثقفي ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠٩:٤٠ ص

    الكرم ليس في تكويم الطعام على السفرة، بل في صدق الدعوة وحسن الإستقبال وتواضع التعامل.. بدل خلنا ندق عيونهم....ابتسم

  • صالح العويضة السلمي ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ١٢:١٤ م

    نحتاج توعية مستمرة للحد من الإسراف تبدأ من البيت والمدرسة وخطب الجمعة..الإسراف في مجتمع المملكة يحتاج إلى وقفة تأمل وتدارك .
    سلمت يدك وبورك قلمك أيها الكاتب

  • D3shoosh ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠١:٢٠ م

    جزاك الله خيرا !

  • D3shoosh ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠١:٤١ م

    أعجبتني صحون الأباعر حوالي شبوك "أم رقيبة" الشهيرة عالميا بالتبذير ..
    فلقد عرضت علينا وسائل التواصل الاجتماعي ..
    صحون لا أعرف كيف تم صنعها ..
    ولا كيف تم تحميلها على الناقلات , ربما عن طريق سحبها عن طرق المد والجزر ..
    ولا كيف تم إيصالها لأم رقيبة "الحبيبة" ...
    حيث رأينا،ورأى العالم أن الصحن الواحد يدور ويلتف حوله، ما يقرب من 300 جمّال/ وبّال.. يمكن طول الصحن 200 مترا
    وعرضه لا يتجاوز السبعة أمتار ..
    ما لفتني - والدي الكريم - هو:
    كيف ذكاء هؤلاء الليوث العوابس، والكواسر في أن ..
    فلقد كانوا يسحبون، وهم {مشمرين} لحمة " الفقار" الحاشية/البعيرينية/الجملية/ القعيدانية.من بُعد مترين من الساحب "بكلاليب" خاصة أُعدت لهذا الغرض !
    يالنا من قوم بعارينيين - نحب الأباعر - وقد يأكل الثلاثة منا "بعرور" !

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠١:٤٨ م

    الأخوة الأعزاء ( فهد الرشيدي، فارس بن عجل، Dr.Ali Ismail ، عليان الثقفي، صالح السلمي ) قرأت تعليقاتكم على مقالي اليوم وسرني تفاعلكم معه وتقبلكم له بالموافقة.
    دمتم أهلا لنشر الوعي في المجتمع.

  • D3shoosh ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠٢:٠٩ م

    أنا أفكر يا أبا مهدي أن أستأجر أحد هذه الصحون الأمرقيبية الفوق عادية .. وأعمل وجبة "مواص" لما يزيد عن 1000 بعير- بعرور - واعزم عليها حتى "فازع بيشة من البعارين" وبذلك يدخل ابو الدعاشيش - فديته -موسوعة غينيس للأرقام غير العادية !
    شِرّ علينا أن كان تقترح زيادة العدد !

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٤/١٢/٢٥ - ٠٤:٤٧ م

    عزيزي أبا الدعاشيش
    أنت لا تفعل كما يفعل هؤلاء المسرفون الذين قد يتسببوا للمجتمع بعقوبة ما دام ساكتا عن فوضاهم....!
    أما الموسوعة فأنت أكبر منها بوعيك ولطفك.
    دمت بخير في ساحلنا الغربي ودامت ابتسامتك.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى