عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

بين الاعتذار والنفي

* إن ما يقطع الطريق على تداول الأخبار غير الإيجابية أو الشائعات بين الناس هو تحمل الجهات المعنية بتلك الأخبار مسؤوليتها في رصدها وسرعة الرد إما بنفيها أو بتصحيحها

يقول أحد المغردين في تويتر «الاعتراف بالخطأ والرجوع للحق مهارة تحتاج إلى تدريب وتعويد منذ الصغر وتطبيق عملي في منازلنا ومدارسنا، الاعتراف بالخطأ منزلة رفيعة نادرة».
من أكبر المشكلات المتأصلة في سلوكنا الجمعي سرعة تصديق الأخبار – خاصة الغريبة منها – ويعزِّز ذلك تأخر المعني بالخبر – جهة أو فرداً – في نفيه أو تصويبه أو تكذيبه، ولاتزال مسألة المحاسبة غائبة أو متوارية عن المشهد لاعتبارات كثيرة.
في الرابع والعشرين من الشهر الأخير العام الميلادي الذي غادرنا بالأمس القريب رأى أهل الرياض مشهد تسرب المياه على متن طائرة الخطوط السعودية في رحلتها رقم: ( 038 ) القادمة من واشنطن إلى جدة، بل شاهده كثيرون في العالم عبر شاشات الجوال التي نضعها على كفوفنا في غالب وقتنا، لقد بات العالم على كف إنسان – كما يقولون – ولم يعد قرية صغيرة – كما رددوا على مسامعنا سنين طويلة – ولا أظن أن عبارة «العالم على كف عفريت» عادت معبرة عما يدور في عالمنا المتلاطمة أحداثه!
لم تعد لهذا العالم أسرار يمكن أن تطوى، ولم يعد أمام الناس إلا مواجهة الحقيقة، ما يعني أن الصمت لم يعد مجدياً، وأن على بعض المسؤولين أن يغيروا من سلوكهم، إذ ليس أمامهم إلا الشجاعة في مواجهة تقصير مؤسساتهم، والاعتراف بالأخطاء التي تقع فيها، والسعي لإصلاح الخلل، وتعلم الاعتذار كونه قيمة سلوكية راقية، والسعي إلى نشره في مؤسساتهم وتأصيله.
مَنْ لا يعترف بخطئه لا يمكنه أن يتجاوزه، فالاعتراف بالمشكلة أول خطوات حلها، وهو ما فعلته مؤسسة الخطوط السعودية.
لم تتأن المؤسسة في اعترافها بالمشكلة، ولم تكابر في مواجهتها، وساهمت في تخفيف أثرها إلى حد ما، وسعت إلى تعويض الركاب، ومما جاء في بيانها: «للإيضاح وليس التبرير، مصدر المياه كان من أنابيب تصريف مياه الغسيل، والمنفصل تماماً عن نظام الصرف الصحي للطائرة، كما أن إيداع أميال الفرسان التعويضية لجميع ركاب الرحلة المذكورة سيتم خلال 72 ساعة».
ولكن هل سيرضى الركاب بتعويض المؤسسة أم لا؟
أما الاعتذار الثاني فجاء في بيان لأمانة منطقة تبوك لأحد المواطنين؛ لأن أحد موظفيها وصفه بالصعلوك عبر الفضاء الإلكتروني من خلال حسابها الرسمي في تويتر، وجاء في تغريدة الموظف قوله: «لا تبتعد كثيراً عن محور الحديث أيها الصعلوك» وقد توعدت الأمانة بمحاسبة موظفها الذي أساء استخدام حسابها.
خطأ هذا الموظف – وليس هو الوحيد – يؤكد أننا لا نزال نعاني مشكلة حقيقية في القدرة على التواصل، ونعيش عجزاً عن استخدام أساليب الحوار بشكل منضبط، وأظن أن ذلك الموظف أراد من استخدامه عبارة «صعلوك» الحط من محاوره، ولا أحسب أنه كان يمازح أخاه المواطن إذ المقام يتطلب الجدية والموضوعية في الحوار أثناء أداء الواجب الوظيفي.
إن ما يقطع الطريق على تداول الأخبار غير الإيجابية أو الشائعات – في الغالب – بين الناس هو تحمل الجهات المعنية ذات العلاقة بتلك الأخبار مسؤوليتها في رصدها، وسرعة الرد إما بنفي أو بتصحيحها، وعدم اللجوء إلى التبرير بل الاعتراف، وتقديم الاعتذار المناسب عن الخطأ بمهنية عالية.
قال صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد – أمير منطقة عسير – في حفل افتتاح المؤتمر الدولي «للإعلام والإشاعة» الذي نظمته جامعة الملك خالد في نوفمبر الماضي: «إن هذا المؤتمر مهم وذو فائدة كبرى في مكافحة وانتشار الشائعة ، لما لها من تأثير على المجتمعات خصوصاً مع الوسائل الإعلامية الجديدة»، وأضاف سموه أن دور الإعلام مهم جداً في توعية المجتمع وتحصينه؛ لأنه يمس جانباً حساساً ومهماً من حياة الناس.
وقال مدير جامعة الملك خالد في كلمته: «إن الشائعة استطاعت أن تفرض نفسها على الرأي العام في عديد من المجتمعات المعاصرة، وتفرز تداعيات خطيرة أثّرت بشكل بالغ على تماسك كيانها واستقرار توازنها خاصة مع التحولات التي أفرزتها منظومة الإعلام والاتصال، جراء التطورات التكنولوجية الهائلة التي سمحت باستفحال هذه الظاهرة وانتشارها بشكل بارز وسريع مما جعلها محور البحث في مختلف الدوائر الفكرية في العالم».
ولأن الشائعة تسري كما تسري النار في الهشيم فقد سارعت وزارة المالية بنفي الشائعة التي سرت عن تقليص الرواتب والأجور والبدلات، وأحسن الملحق الثقافي لدى الولايات المتحدة الأمريكية في سرعة نفيه بوضوح أكيد شائعة تنصر زوجة مبتعث في أمريكا، وهما نفيان مهمان جاءا في الوقت المناسب.
وقفة: كان الصعاليك يرون تصعلكهم محط مدحٍ لهم لا ذم، وأكدوا تلك الصفات في شعرهم الذي تناوله النقاد بالدراسة والتحليل عبر الزمان.

التعليقات (3):
  • صالح العويضة السلمي ٢٠١٥/١/١ - ١٠:٢٦ ص

    حتى لا نقع فريسة الشائعات نطالب بأن يكون من يتم إختياره للقيام بمهام وظيفة المتحدث الرسمي لأي قطاع مؤهلاً تأهيلهاً علميا وذا خبرة في هذا المجال وأن يفرغ لمتابعة ما ينشر عن القطاع الذي يعمل به، وأن يحاسب عندما يقصر في أداء هذا الواجب سواء بإقفال هاتفه أو طلبه مهلة للتحقق عن الموضوع ولم يستجيب خلال ساعة أو ساعتين بالكثير .
    شكرا على هذا المقال الرائع .

  • صقر ٢٠١٥/١/١ - ١١:٠٥ ص

    غياب البيانات والمعلومات الصحيحة عن الرأي العام تفتح الباب لموجات الشائعات.
    الأمور السلبية قد تظهر نتيجة الأخطاء والتقصير والقصور ، لكن كشف الحقيقة للناس من صاحب الشأن أمر لابد منه لقطع الطريق على كل متربص وإنتهازي..!!..

  • D3shoosh ٢٠١٥/١/١ - ٠١:١٤ م

    مقال صادق , من كاتب يحب الصدق !


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى