عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

عدسات

كان عباس بن فرناس في سجنه يبحث عن وسيلة تمكنه من مغادرة المكان!
مؤكَّد أنه استعرض في تلك العزلة القاسية أكثر من فكرة حتى وصل إلى فكرة الطيران التي لم يسبقه إليها أحد فطبقها.
كان لدى ابن فرناس إرادة قوية مكنته من الطيران، ولم يَدُر في خلده – وهو يحلق مستخدما كل قواه؛ ليصل إلى مبتغاه – أن السماء ستعج بالطائرات المختلفة، وأن بعضها ستحمل براميل متفجرة ترمي بها الآمنين فتهدم بيوتا على أهلها، وتحرق أخرى بمن فيها!
لم يكن يتوقع ابن فرناس – يوما – أن يزدحم الفضاء بالأقمار الصناعية بأنواعها، وأن ينتقل الإنسان بين أرجاء المعمورة بسهولة، وهو ينعم بوسائل الراحة والترفيه، ويستخدم وسائل الاتصال المختلفة التي تجعله متصلا وقادرا على إنجاز كثير من أعماله.
كان ابن فرناس عبقريا في تفكيره، وواسعا في خياله، لكن – ربما – لم يصل به تفكيره إلى أن إنسان اليوم سيقوم بتوثيق كل شيء حوله بالصور عالية الدقة، وأن العالم سيتابع – في أواخر عام 2012 – متابعة حية لـ: «فيلكس» ذلك المغامر الذي قذف بنفسه من كبسولة في الفضاء، وأن رحلته القصيرة نحو الأرض – التي لم تتعد 5 دقائق – كانت تُشاهد أدق تفاصيلها على مستوى العالم، وكان «فيلكس» خلالها على اتصال دائم بغرفة مراقبة تساهم في توجيهه، بينما كان ابن فرناس وحيدا.
لقد ضاع على ابن فرناس أن يتناقل العالم صورته، واكتفى بتخليد التاريخ لاسمه، وتسجيله كأول إنسان يطير، وفات على المغردين وغيرهم من هواة تبادل الصور تناقل صورته حية أو ثابتة، ولم تحتفل به قبيلته كما احتُفلَ ببعض الشعراء.
منذ اختراع آلة التصوير الأولى بصورتها التي عرفت بها، وهي تتطور كأي اختراع حتى وصل علم التصوير إلى ما وصل إليه اليوم، فأصبح كثير من الناس لا يمشون دون حمل كاميراتهم الخاصة أو تلك المرتبطة بالأجهزة الذكية المزودة بعدسة لها قدرات متعددة في التقاط الصورة الثابتة والحية، ويمكن لحاملها نقلها بشكل مباشر إلى ملايين البشر في لحظات.
انشغل مجتمعنا العربي – صغاره وكباره – بالصورة انشغالا كبيرا، ووجدت لها بيئة حاضنة – كبيرة – من خلال التطبيقات المختلفة، ومواقع التواصل الاجتماعي، فخصص البعض لأنفسهم قنوات خاصة، وتسابق الناس إلى الوعظ، وكثر الشعر غثه وجيده، وانتشرت المقاطع الحية لكثير من المشاهدات اليومية، وأصبح الإنسان حذرا من أن يكون حديثا لصورة، وشاع استخدام الكاميرات في المجمعات التجارية والوزارات والدوائر والشركات والفنادق التي ترصد كل حركة في محيطها الخارجي والداخلي أيضا، وأصبحت كاميرات ساهر – غير المرضيّ عن أدائه لأسباب مختلفة – مؤشرا لضبط سرعة السيارات في كثير من الطرقات.
كثر هواة التصوير في زماننا، وشاع استخدامهم للكاميرات الاحترافية، وأصبح لهم جمعيات خاصة بهم، ولجان يتباحثون شؤونهم فيها، ومعارض يقيمون فيها أنشطتهم ويستعرضون أعمالهم المتميزة.
في «مهرجان كلنا الخفجي» شاركت مجموعة الخفجي للتصوير الضوئي في جناح خاص بها عرضت فيه أنشطة أعضائها، وبحسب ما قرأت أنه قد زار الجناح عدد كبير من مرتادي المهرجان.
أكتب هذا المقال قبل يومين من نشره، وكلي توق وشوق إلى حضور آخر أيام المهرجان الذي لم يتح لي حضوره؛ لوجودي في رحلة عمل خارجية.
لدي ثقة كبيرة بنجاح «مهرجان كلنا الخفجي» فقد بذل القائمون عليه جهودا كبيرة من أجل تحقيق أهدافه، والوصول به إلى تميز يرضي أهل الخفجي وزوارها في إجازة منتصف الفصل الدراسي الثاني.
رعى صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف – أمير المنطقة الشرقية – حفل التفوق في قاعة الأندلس بمدينة الدمام قبل أسبوعين – وكان من بين المكرمين ابني الأصغر «محمد» – وأتيح لذوي الطلاب فرصة مشاركة أبنائهم هذه الفرحة، ويسر لهم التقاط الصور لأبنائهم – أثناء تكريمهم – وألقى سمو الأمير كلمة رائعة جاء فيها: «إن العملية التربوية والتعليمية هي عملية مجتمعية في المقام الأول ما يستلزم تعزيز دور القطاع الخاص والقطاع غير الهادف إلى الربح في سبيل توفير البنية الأساسية اللازمة للتعليم وإدارتها في إطار يحقق الأهداف التربوية المعززة للانتماء للوطن، وتعكس النظر للتعليم على أنه مشروع استثمار وطني يجب التعامل معه باعتباره مسؤولية مجتمعية…». كما جاءت كلمتا معالي أمين مدينة الدمام، ومدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية رائعتين، وأضفت كلمة «ثنائية» لطالب وطالبة من بين المكرمين على الحفل بهاء.
وقفة: حرص عدد من الطلاب المكرمين على تصوير أنفسهم «سيلفي» مع صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف، وقَابلَ سُموه رغبتهم بأبوة حانية أشعرتهم بالزهو.

التعليقات (1):
  • د علي اسماعيل ٢٠١٥/٣/٢٦ - ٠٨:٤٠ م

    مقال رائع انتقل بنا بسلاسة بين القديم والجديد برابط سهل وبسبط.مقال يناقش نا تغير في الحياة الانسانية من تطور في الادوات دون تغير في الانسان.ليختم المقال باهمية الاهتمام بالانسان


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى