عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

شرقاويات (2-3)

كان ميلادُ الشاعر علي الشرقاوي مع الانحراف الأخطر في تاريخ الأمة العربية -نكبة فلسطين، وإعلان قيام الدولة الصهيونية العبرية في العام 1948 – فشهد ميلادَ الجرحِ ونموَّهِ وتشظيَه في جسد الأمة، فصار ثورة كامنة تفجرت إبداعا متمردا، وصار غواصاً مغامراً ماهراً لا يخرج بالمحار، بل يطفو بلُؤلُئِه المكنون خاطفا به الأبصار سابيًا به الألباب، ولا عجب -فهو ليس ابن بحر واحد، وإنما هو ابن «البحرين»- وقد مرت تجربته الحياتية بمُنعطفات خطيرة على المستوى الذاتي والقومي والفكري والإبداعي.
سألته: هل ناسب الغموض والمطولات الشعرية فكرة التجديد التي اضطلعت بها أنت وبعض أبناء جيلك؟ وإلى أين اتجهتم بالشعر العربي؟
فقال: في الواقع لا وجود للغموض، بقدر ما هناك صور جديدة خارجة عن المألوف، ورموز تحتاج من القارئ أن يشغل المخيلة، فالكتابة الجديدة تحتاج أيضا إلى قارئ جديد، وناقد جديد.
ويضيف: المطولات -كما يسميها الناقد الدكتور علوي الهاشمي- هي قصائد حياة، فكل تجربة تختلف عن التجربة الأخرى، في رؤيتها إلى الواقع والحلم، فتجربة «رؤيا الفتوح» -على سبيل المثال- تختلف كل الاختلاف عن تجربة «تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة»، و«مخطوطات غيث بن اليراعة» لا علاقة لها بتجربة «كتاب الشين» أو «من أوراق ابن الحوبة» و«البحر لا يعتذر للسفن».
ويقول: في مخطوطات، والشين، وابن الحوبة، والبحر لا يعتذر، ثمة محاولة غير مسبوقة -في تصوره- لما يطرح في النقد عن موت المؤلف، فهو في هذه التجارب قَتلَ المؤلفَ من أجل إتاحة الفرصة لأن يتنفس النص بمعزل عنه.
وأضاف: إن غياب كلمة «شعر» ورطَ بعض من قرأ هذه التجارب، فمجموعة من النقاد اعتبروا كتاب الشين، كتابا قديما محققا، وهناك من اعتبر «من أوراق ابن الحوبة» أن هناك ثمة شخصا في التاريخ يدعى بذلك الاسم، وهكذا.
ثم يتساءل: هل استطاع أن يوفق في هذه التجارب وهذه النظرات المغايرة لما هو موجود في الساحة العربية أو العالمية -سواء في الشكل أو اللغة- ثم يقول إنه لا يعرف، وفي الواقع لا يهمه أن يعرف، فهو ذاهب في غواية الكتابة دون الالتفات إلى ما كَتَبَه.
وعن تجربة العامية قال: إن كتابة الشعر العامي جاءت من خلال تجربته في السجن، ففيه لا أوراق ولا أقلام، فالسجين لا يمتلك غير مخيلة مفتوحة على ما لا يأتي، لا يمتلك غير الغناء، وكانت العامية هي مادته.
ويقول: إن مجموعة «أفا يا فلان» -التي كتبها في السجن- بمنزلة حوار بينه وبين زوجته التي كانت تعيش سجنا آخر بسبب غيابه القسري عنها مع ابنتها.
ويضيف: أنه قرر أن يكتب هذه التجربة الأولى والنهائية، ويتركها؛ ليعود إلى الاهتمام بالقصيدة الفصحى، ولكن الفنان خالد الشيخ، الذي بدأ في تلحين بعض هذه النصوص الشعرية العامية، جره معه لكتابة نصوص أخرى.
ثم يوضح قائلا: إنه وخالد الشيخ، لم يدخلا في الحياة الفنية أو الغنائية من باب الغناء الفردي، إنما جاءا من خلال المسرح الذي يطرح كثيراً من القضايا الإنسانية، ويموج بأشكال عديدة من الشخصيات المختلفة في النص، وعشرات الحوارات التي تعتبر شيئا جديدا في الأغاني البحرينية.
كل هذا أدى إلى أن يقوم بكتابة كلمات أغانٍ فردية، حينما قرر خالد الشيخ أن يغني من ألحانه الخاصة به، فجاءت أغاني: البمبرة، وبحر الهوى، ومحمدي، وغيرها؛ لتشكل تجربة جديدة بالنسبة له، خاصة وأنه جاء من الشعر إلى كتابة الأغنية، مما جعل هذه الأغاني تحمل صورا وأبعادا ورموزا فنية، وتحمل روحا مغايرة -كما يرى- عن غيرها من الأغاني التي تعج بها الساحة الغنائية.
يقول الشرقاوي: لم يعد المثقف كما كان في مرحلة الخمسينات أو الستينات، لقد تقلص دوره مع تزايد ثورة الاتصالات العالمية، في المرحلة السابقة كان الناس ينتظرون من يحلل لهم بعض الأحداث والآراء، ويطرح الأفكار المختلفة والعميقة.
الآن يرى المتابع كل التحليلات في هاتفه النقال، وأي حدث في العالم يأتيه مباشرة، حتى التلفزيون ما عاد كثيرون في حاجة إلى مشاهدة الأخبار من خلاله؛ لأنها أصبحت قديمة.
انتهى الدور التنويري للمثقف، والمحلل السياسي، وأصحاب الكلمات الكبيرة غير المعروفة لنا في مرحلة الخمسينات والستينات، فلم يعد هناك من يحتاج لمن يفهمه، ما هي الإمبريالية، وما هي الشيوعية وغيرها من الكلمات التي كان الناس يبحثون عمن يفسرها لهم.
وقفة: إن علي الشرقاوي صاحب تجربةٍ كبيرة لا تُعَد بالسنوات، وإنما تعدُّ بالإبداع والتنوع والعمق والجِدَة والبكارة والدهشة.

التعليقات (1):
  • سها شريف ٢٠١٥/٤/٣٠ - ٠٧:١٩ ص

    نور على نور . بارك الله بك أستاذ عبد الله قلما متميزا وبارك الله بالاستاذ علي الشرقاوي ومن سمو الى سمو ان شاء الله


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى