عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

ثُقُوبُ «تَانْج» المُرْعِبَة

أحدثت ثقوب غطاء «تانج» جدلا اجتماعيا كبيرا بين المواطنين والمقيمين– على حدٍّ سواء – عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأحدث قلقا واسعًا بين بعض الذين تداولوا ذلك المقطع الذي كشف عن تلك الثقوب، وأضاف بعضهم وصايا وتحذيراتٍ عن خطر تلك الثقوب، وأكد آخرون وجودَ استهدافٍ شامل للمجتمع من خلال هذا المنتج، وتعدى الأمر إلى دول مجلس التعاون التي تستقبل تلك المنتجات؛ لأن عادات مجتمعاتنا تتشابه فيما يقدم على موائدها الرمضانية، ولا يزال بعضهم مستمرا في تداول الموضوع – رغم حسم الجدل فيه من هيئة الغذاء والدواء – وإن جاء توضيحها متأخرًا بعض الشيء، وربما يستمر ذلك الخوض في التحليلات المتنوعة، وتداول المقطع الأصلي حتى نهاية الشهر الكريم.
سارعت شركة تانج إلى إصدار شرح يوضح سبب وجود تلك الثقوب في منتجها، وكأنها كانت على استعداد تام لمواجهة ذلك الموقف، فهل عمدت الشركة إلى نوع جديد من الدعاية السلبية لمنتجها – قبل هذا التوضيح – إذ الثقوب ليست موجودة في كل أنواع عصائرها متشابهة العبوات، ولماذا لم تضع تنبيها على العبوة يشير إلى سبب وجود تلك الثقوب المبتكرة؟ وهل لوزارة التجارة الحق في محاسبة الشركة على عدم وضع مثل هذا التنبيه؟ وهل من حق منافذ البيع مطالبة الشركة المصنعة أو وكلائها بتعويض عن حالة الإرباك التي تسبب بها الخبر على أعمال تلك الأسواق، وتكاليف سحبه من الرفوف؟
إن كثيرا من الأسئلة قد لا تجد لها جوابا بسبب عدم وجود أنظمة تنظم مثل هذه الأمور بشكل دقيق وواضح أو غيابها عن المستهلك!
إن وعيا استهلاكيا بدأ ينمو في المجتمع بشكل جيد حول قرب أو انتهاء تاريخ الصلاحية، ومقارنة الأسعار، وحرص على معرفة حقوق المستهلك، وأصبحت العلاقة مع وزارة التجارة متطورة بحكم تميز وزيرها ونشاطه الذي انعكس على أداء الوزارة، وربطها بالمجتمع عبر نشر ثقافة استهلاكية عامة.
بعد انتشار مقاطع فيديو عديدة تكشف عن ثقوب مغطاة بلاصق في علب «عصير تانج»، تساءل عدد كبير من المواطنين حول سبب وجود هذه الثقوب، وجاءت مطالبة عدد كبير من المستهلكين هيئة حماية المستهلك بفتح تحقيق في الأمر، وإخضاع المنتج للفحوصات المخبرية؛ لمعرفة الغاية من وضع تلك الثقوب، والتأكد من سلامته، والجزم بعدم تشكيله ضررا على المستهلكين.
كل المؤشرات تقول إن بيانها جاء بعد أن أخذ الأمر بعدًا كبيرًا، وبسبب ما أحدثه من ضجة تداول الخبر، وسرعة انتشاره نتيجة لوسائل التواصل الاجتماعي، وذلك يؤكده ما صرحت به بقولها: إنها سحبت عينات من المنتج؛ لتقييمه في مختبرات التعبئة والتغليف التابعة لها، حيث أظهرت النتائج أن تلك الثقوب هي لمعادلة الضغط الداخلي للعبوة، وتسمح بخروج الهواء من الداخل إلى الخارج وليس العكس، وأكدت أن تلك الثقوب لا تشكل أي ضرر على سلامة المنتج.
يقول أحد المعلقين على أخبار الصحف إن تانج مشروب معروف في الخليج، ويفترض إعلان المنتج عن الثقوب قبل التصدير حتى يثق الناس به، وليس بيان المبررات للمستهلك بعد أن تنتشر الشائعات.
ويقول آخر إن الشركة المصنعة ذكرت أن سبب وضع الملصق ذي الثقوب كان من أجل موازنة الضغط في العبوات، ويتساءل لماذا وضعته في بعض العبوات وتركته في أخرى، ويؤكد – واثقًا – أن الموزعين هم من وضع تلك الملصقات، ويتهكم كذلك، ويقول: «حدِّث العاقل بما يُعقل».
تعالت – منذ سنوات – الصيحات المحذرة من خطر ثقوب طبقة الأوزون على حياة البشر والبيئة، واستمرت التحذيرات تتعالى لسنوات من خطر ذوبان الجليد، وارتفاع مستوى سطح البحر الذي يهدد بغمر كثير من الجزر المأهولة، وانحسار اليابسة التي تشكل ربع مساحة الكرة الأرضية التي لا يزال بعضهم ينكر كرويتها.
أرعبت «ثقوب تانج» كثيرين وأقلقتهم، ولم ترعبهم ثقوب الأوزون في الغلاف الجوي للكرة الأرضية، فتانج يمكن الاستغناء عنه مدى العمر، ولن يفيد شربه في شيء، ولا يشكل فقده ضررا على من حرمه، لكن ثقوب طبقة الأوزون ذات خطر عام ومباشر!
يقول أبو فراس الحمداني «المبصر» من قصيدته المشهورة:
مُعَلِلَتِي بِالوَصْلِ والمَوتُ دُونَه
إذا مِتُّ ظَمأنًا فَلا نَزَلَ القَطْرُ
بينما يقول أبو العلاء المعري «الضرير» رهين المحبسين:
فلا هَطْلَتْ عَليَّ ولا بِأرْضِي
سَحَائِبُ لَيْسَتْ تَنْتَظِمُ البِلَادا
في البيتين صورتان متناقضتان، تبرزان ضيق النظرة الفردية للحياة عند الأول، وتجلي اتساعها عند الآخر رغم اختلاف حالهما.
وقفة: هل يمكننا القول إن الهيئة العامة للغذاء والدواء اضطرت إلى إصدار بيان توضيحي حول ثقوب غطاء تانج تحت وعي استهلاكي متنامٍ، وضغط إعلامي اجتماعي مؤثر؟

التعليقات (2):
  • DrAli ٢٠١٥/٦/٢٥ - ١١:٤٨ ص

    قدرتك علي الربط بين الثقبين روعة

  • محمد الذايدي ٢٠١٥/٦/٢٥ - ٠٤:١٥ م

    نعم اخي ابو اسامة الناس اصبحوا اكثر وعياً واسرع في الحصول على المعلومه وطلباً لها كما ان فوبيا الارهاب اصبحت مؤثره في جميع نواحي الحياه وثقوب تانج جأت بعد ثقوب البطيخ الايراني في دول الخليج والذي ثبت بهد فحصها وجود مواد محقونه بداخله وتم سحبه من الاسواق فلا تلوم الناس على خوفهم وحذرهم والانتباه لثقوب تانج انا اعتبرها من الفطنه والذكاء لدى المستهلك وتسائله بشأنها يعتبر وعياً استهلاكياً من الدرجه الاولى.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى