نادية الفواز

نادية الفواز

الفلسطينيون لا يبكون

أن تكون فلسطينياً ذلك القدر الصعب الذي يجعلك بين ثلاث معادلات لا تقبل القسمة على أي وطن، فإما أن تكون غائباً وراء مواجعك في سجنك الكبير في غزة، وتنتظر خروجك من القفص الذي يجمعك في هَمٍّ كبير مع آخرين تقتسمون سخرية الحياة بلا كهرباء، وسيناريو البطالة وويلات الفقر والجوع والتسول وقلة الحيلة، وأنت تنتظر إعادة إعمار منزلك الذي ودعك واقفاً في جدل الريح، وأنت تنتظر في طوابير الخبز أن يمن الله عليك بأن تحمل على كتفك جرة الغاز «الحلم» كي تطهو ما تبقى من لحمك للجياع، وترضى بقدر أنك من شعب الجبارين الذين يجب أن يكونوا خارج فصيلة البشر، قادراً على التكيف مع الجوع والتشرد وانتظار الموت المؤجل، وأن تقبل بكل التهم المنسوبة إليك من التخاذل والخنوع والخيانات، وأن تعترف بجميع الأخطاء التي ارتكبها الآخرون بذنبك الأول في كونك تحمل هوية لا تسمح لك حتى بزيارة بقالة في أي دولة مجاورة.
أو أن تكون فلسطينياً في الضفة الغربية «على كلك يا حال» فهناك عديد من المزايا في الحياة وفي العمل، وقد تنتمي جزئياً إلى فصيلة البشر، فتجد ما يسدّ رمقك، بعد معارك ضارية تتمكن من سحب حبل الحياة إلى ناحيتك قليلاً فلديك خيارات كثيرة للخروج من سجنك المؤبد، ولكن عليك أن ترى بأم عينك المحتل وهو يزرع مستوطناته في أرضك ويحرق صغارك ويترك رماده في كل مكان في حياتك، لتتذكر أنه موجود ليحرق كل ما يخصك، وما عليك سوى أن تتعلم سياسة ضبط النفس وأن تنتظر ما لا ينتظر.
وإما أن تكون لاجئاً متنقلاً بين بلاد العالم، كشجرة معلقة بين الأرض والسماء لا تعرف مكانها، تسمع عن بلادك ولا تراها، وتقرأ في نشرات الأخبار عن أهلك الذين تحتاج لعمر آخر كي تعرفهم، تظل هائماً لا تعرف إلى أين، فكل الدروب لا تؤدي إلى الوطن، وكل المشاعر يعمها صخب حكايات ستين عاماً من النكبة، وأنت منصت لحكايات الأهل والأجداد ومزايدات حبال السياسة وسيل من التهم التي تنصب يومياً على رأس الفلسطيني «المتهم» بذنوب القيادات والأحزاب والتوجهات والطبخات السياسية، مفصولاً عن البشرية مؤقتاً لحين إشعار آخر.
كل ذلك تذكرته عندما خرجت من عملية جراحية وآلمتني مواجع يدي اليمنى، ودمعت عيني.. فقال لي الطبيب يومها: «الفلسطينيون لا يبكون» فقلت له أنا لا أبكي ولكني أتوجع..
يقول الشاعر الفلسطيني محمد درويش
حاصر حصارك .. لا مفر
اضرب عدوك لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
وسقطت قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها
فأنت الآن..
حر وحر وحر

التعليقات (5):
  • الشاعرة فاطمة عبدالله ٢٠١٥/٨/١٧ - ٠٧:١١ ص

    هل أقول كلام جميل موشى بسكاكين الألم أم أقول واقع الألم
    نشاطر الفلسطنين آلامهم ما حيينا
    ونسأل الله القوة والثبات لكل أبطالنا

  • محمد العتيبي ٢٠١٥/٨/١٧ - ١١:٤٢ ص

    سيبقى الفلسطيني مايفي الزمن أقوى من كل الصعاب ولن يختار مايرضي عليه الآخرون كغيره من البشر وإلا لكانت قصة فلسطين قد نسيت هم يعيشون الالم لتبقى فلسطين ونوبات التشرذم التي عصفت بهم من فتره لأخرى هي أمراض اصابت الإرادة الفلسطينيه في الوحدة وعندما يشفى منها جسدك يافلسطين سوف نحتمي بعد الله بك.
    ابوخالد.

  • د.عليان م. العليان من كامبردج UKمع اطيب التحيات ٢٠١٥/٨/١٧ - ٠٩:٠٤ م

    ألأعتراف بالحق فضيله
    المشكله هذا ما اخر تحرير فلسطين ولو حتي اخر حل القبول بحدود ٦٧ لللاسف لم يتعلمو بعد فلسفة خُذ وطالب هذا من ناحيه ومن ناحية اخري اسمحي لي بالقول ان الطبيب الذي قال لك ان الفسطينيون لا يبكرن هو يكابر وهذه مشكلتنا معرب مجتمعين عندنا مرض اسمه الكابره والمبالغه في كثر من الأشياء حقي إن فقدناها سنظل نكار وبالع خصوصاً في القول وهذه احد الاسباب في تأخرنا في مجالات الحياه مجتمعه كم نردد نحن سادة العالم، نحن الجبابره، نحن نحن ونحن نفقد كثيراً من حريتنا وكرامتنا وارضنا وجاء مايسمى بالرّبيع العربي وزاد الطين بله حيث راح يقتل المواطن اخوه المواطن في اادين والوطن وبكل حقد وكراهيّه وبشاعه هل نعنبر مما يحصل في اعراق، وسوريا، وليبيا، وحماس تتوعّد الظفه والوضع قنبله موقوته فجّرها الله في قلب اليهود ،واليمن الان واعداؤنا فرحين متفرجين ينتظرون ساعة القضاء بعضنا علي بعض لِيَحْلُو ويخلو لهم الجو ليستبيحوا ويتقاسمو ما بقي من المقسم من سايسبيكوا عليه اللعنه ،،الانسان انسان اياً كانت هويته او عرقه او جذوره او لونه فهو خُلق ايضاً ليفرح ويضحك ويبكي ويحزن ويتألم وبعد هذا وقبل ذاك سيموت ويعود تراباً كما كان اول مرّه ،، علينا ان نعترف باخطائنا وظعفنا طالكا اننا لا نملك الادوات الحقيقيه للقوه ،، القوّه ليست...

  • د.عليان م. العليان من كامبردج UKمع اطيب التحيات ٢٠١٥/٨/١٧ - ٠٩:٠٩ م

    فضلاً يتبع
    الأرض للأقوى علي جنباتها،، ألأعتراف بالحق فضيله وشكراً مع أطيب التحيّات،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

  • عبدالله العبدالعظيم ٢٠١٥/٨/١٨ - ٠٩:٠١ ص

    الارض للأقوى ؟! ما هذا يا عليان ..


    مقال يحكي جانب من قصص مرت وتمر بها فلسطين وشعبها وعروبتها واسلامها .. فالواقع في غربتهم ووطنهم يحكي قصص معاناة والفه وحتى رضا.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى