عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

متلازمة نقص الكتب

في عام 1416 هـ كنت من بين أكثر من خمسين مدير مدرسة في دورة للإدارة المدرسية في كلية المعلمين بالأحساء، وكان حفل التخرج في شهر رمضان، وقبل الحفل – في ذات اليوم – أسندَ المنظمون إليَّ كلمة الخريجين، ولكنهم لم يطلعوا عليها لضيق الوقت، ومن بركات الصوم أني ابتعدت عن المجاملة التي تلازم المتحدثين في مثل هذه المحافل، فلقد كانت مصارحتي صادمة وقاسية للبعض – خاصة المنظمين – لم أتجنَّ ولم أبالغ في وصف حال تعليمنا، ومما قلته: «إننا نعودُ إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات كثيرة من تخرجنا، وهي مختلفة لبعضنا في عددها، ومحزن ألا نشعر بشيء من التغيير في أنماط الدراسة أو أساليبها أو طرائقها أو حتى مجرد إحساس بالتطوير..».
علمت من بعض زملائنا الذين التحقوا بعدنا بتلك الدورات أن كلمات المتحدثين تراجع بدقة قبل الحفل.
غادرت مهنة التعليم – منذ أكثر من خمس عشرة سنة – ولم أزل متعلقًا بها ومحبًا لها، يفرحني كل خبر يقود إلى الارتقاء بمستوى التعليم، وأحزن لكل إخفاق يصيبه.
غالبا ما تكون البدايات توطئةً وأساسًا لما يعقبها من أعمال فهي تمهد للنهايات، فإن كانت البدايات قوية ودقيقة وصحيحة، وتم توفير البيئة المناسبة لها، وصاحبها تطبيق سليمٌ وواعٍ، وحظيتْ بمتابعةٍ صحيحةٍ فإن نتائجها ستكون ممتازةً وموفقةً، والعكس صحيحٌ ومؤلم.
في الأسبوع الماضي التقيت بزميل سابق – ما يزال كادحا ومخلصا في ميدان التعليم – فسألته: كيف بدأتم عامكم الجديد؟
قال: لم يتغير شيء، ويبدو لا أمل…
إن رده وهو الذي أمضى ربع قرن من حياته في التعليم متنقلًا بين المناطق وممارسًا للمهنة بمختلف مهامها أتى انعكاسًا لحالةٍ إحباط شديدة يعيشها التربويون في الميدان، وهي دون شكٍ تتفاقم كل عام، ويتسع أثرها المثبط للهمم، فهم يسمعون وعودًا ولا يرون إنجازًا لها، ويتلقون صدمات الأسئلة من طلابهم وأولياء أمورهم مع بداية كل عام دراسي، ولا يملكون جوابًا مقنعًا لتلك الأسئلة المحرجة والمتكررة، فاستمرار أعمال الصيانة في بعض المدارس إما متعثرة أو متواضعة، وتأخر الكتب المدرسية معضلة سنوية لوزارة التعليم لم تحقق بها نجاحًا تامًا على مدى أعوام.
قلت في مقال بعنوان: هل سيعود النظام يوم الأحد؟ تم نشره في الشرق بتاريخ: 29 أغسطس 2013 م: «إن نجاح أول يوم من الدراسة سيتوقف عليه نجاح العام الدراسي بأكمله، فهل ستبدأ مدارسنا بجميع مراحلها الحكومية والأهلية دراسة حقيقية جادة تعطي انطباعًا وفهمًا جديدًا لنهج وزارة التربية والتعليم – إن كان لديها نهج جديد – أم سيتكرر المشهد الذي تبدأ به الوزارة يومها الأول كلَّ عام بتصريحات قوية تخالف الواقع الحقيقي لميدان التربية والتعليم، ولا يكاد يصدقها حتى المسؤولون أنفسهم؟!».
ومن بين تعليقات القراء على المقال – آنف الذكر – ما كتبه محمد الحويل؛ حيث قال: «الميدان سيقول كلمته يوم الأحد: نقصُ كتب، ونقصُ معلمين ومعلّمات، وفوضى في وسائل النقل لطلاب القرى والهجر وكذلك الطالبات، ومدارسُ غير مهيأة بالأدوات التعليميّة».
في مقالي قبل الأخير – الذي سبق إجازتي – وعنوانه: «من أروقة وزارة التعليم» المنشور بتاريخ: 23 يوليو 2015 م قلت: «منذ أن أعلنت وزارة التعليم عن عقد اجتماع لمديري التعليم برئاسة وزيرها – بالأمس القريب – بدأت الشائعات في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينتشر الخبر فيها كما تنتشر النار في الهشيم، ويتلقفه كثير من الناس بالتصديق، بل ويدافعون عنه كحقيقة غير قابلة للأخذ والرد، ويؤكد بعضهم أن مصدره من داخل أروقة الوزارة».
وقلت فيه أيضا: «إن التخطيط الجيد بداية أساسية لعمل جيد إذا ما توفرت له وسائل النجاح، وأسباب التنفيذ، ودقة المتابعة، وصدق التقويم».
كان ذلك الاجتماع عن بدء العام الدراسي والإعداد له وثبات موعده دون تأخير، وهو ما يحسب للوزارة أنها احترمت مواعيدها المعلنة؛ إذ ليس أسوأ من تغيير المواعيد التي تربك الناس.
لا يستطيع أحدٌ أن يجدَ عذرًا لوزارة التعليم أو للمسؤولين فيها عن تأخر وصول الكتب المدرسية أو نقصها قبل بدء الدراسة، فلقد بدأ العام ولكن المشكلات لم تفارقه، وفي مقدمتها نقص الكتب، وما صاحبها من إشغال للمدارس والعاملين فيها بمهام ليست من اختصاصهم، فلا المعلمون ولا المعلمات ولا مديرو المدارس ولا المديرات مسؤولون عن طباعة الكتب أو تجهيز فصول منها لتكون في متناول الطلاب والطالبات.
وقفة: هل سينشغل مسؤولو التعليم بالبحث عن الأعذار أم سينصرفون بجدٍّ للبحث عن علاج لمتلازمة نقص الكتب؟

التعليقات (4):
  • محمّد الحويل ٢٠١٥/٩/٣ - ٠٧:٠٣ ص

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عودا حميدا أستاذ عبدالله
    في التعليم لازال الحال على مبنى الشايبْ؛ إنْ لم يكن أكثر إحباطا. فالكتب مع (ملفى الحاج) ونقل الطلاب والطالبات توقف في كثير من المدارس فشركة تطوير طارت بمستحقات متعهدي الباطن من أصحاب الأتوبيسات ؛ والمدارس أصبح نقصها في الكوادر التعليمية أكثرْ
    ألخص المشكلة في ( وجود جيش من القيادات كلّ يدعي أنّه عنتر .في إدارات التعليم وأروقة الوزارة ؛ محسوبين على ميدان المهنة ويقبضون رواتبهم على أنهم معلمين ؛ ولا هم لهم إلا توزيع العمل بالتناوب بينهم خلال الصيف حضور مكتبي وبقية العام جولات فشة خلق على المدارس ؛ دون القيام بدور التخطيط للقادمْ.. لو يتم تدوير المناصب الإدارية والإشرافية كل أربع سنوات لوجدت التقاعد المبكر حاضرا لكل مترهل ..ولضخ الميدان بشباب يعي أهمية الزمن

  • احمد دماس مذكور ٢٠١٥/٩/٣ - ١٠:٣٠ ص

    استاذ عبدالله ، لاح لي غيرتك المعرفية والسلوكية على الية التحصيل العلمي لابناءنا والتي بدورها ستكون القالب البنائي
    لماهية الانسان السعودي وتوجهاته .....
    علينا بدمج المعلمين في اتخاذ قرارات الحركة التعليمية داخل وخارج الحقل التعليمي
    احييك استاذي

  • محمد العنزي ٢٠١٥/٩/٣ - ٠١:٤١ م

    اخي ابو اسامه.. اسعد الله صباحك

    يقول اخواننا من اهل البحر سلامة السمكة في رأسها أي ان وزير التعليم يجب ان يكون شمساً شارقة كما هو في بلدان أوربا أو أن يقدم استقالته مع أول تأخير لكتاب طالب في أقصى القرى في وطننا الحبيب لان ميزانية التعليم فاقت ميزانية وزارة الدفاع والطيران في حالات الحرب فلا عذر له لا غفران فالمهازل اللتي تحدث عندنا لم تحدث في افقر الدول ووزيرنا لم نرا منه سوى توزيع الابتسامات

  • حامد بن صلال ال ضفير ٢٠١٥/٩/٣ - ٠٨:١٤ م

    تحياتي لك اخي ابو اسامه
    أودّ ان أقول انها ثقافة عامه لمجتمعنا نفس المشاكل موجوده في اغلب الإدارات وهو عدم التخطيط الجيد وترتيب المهام وجدولتها وحتى في حياتنا الخاصة وابسط مثال لاحظ الفوضى في سفرنا حيث نضطر لتغيير الرحلة عدة مرات ونسافر من غير حجز للفنادق علما ان كل ذلك يكلفنا الكثير من المال والوقت. (ثقافتنا العامة تحتاج الى مراجعة)
    عودا حميدا


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى