عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

شَوك

جاء في معاجم اللغة: «الشَّوْكُ من النبات، واحدته شَوْكة، وأَرضٌ كثيرة الشَّوْك، ومن أنواعه البرية: السعدان، والقتاد، يقال شاكَتْني الشَوْكَةُ تَشوكُني، ومنه قول أبي كبير واصفا ضعف بصره، وعجزه عن إبصار الشوكة التي تدخل جسده:
فإذا دعاني الدَّاعِيانِ تَأَيَّدا
وإذا أُحاوِلُ شَوْكَتي لم أُبْصِر
والشوك في تفسير الأحلام: «هو في المنام رجل خشن صعب عسر، وقيل: هو دين يلتزمه أو فتنة، ومن ناله شوك نالته فتنة أو يشوكه أمر يكرهه بقدر الشوك»، ومن رأى أنه يجري على الشوك فإنه يماطل بديون يطالب بها، والشوك رجال جُهّال لا دين لهم ولا دنيا، وقيل في دلالاته: أنه يدل على أوجاع بسبب حدته، ويدل على تعقد الأشياء لتشبكه، ويدل على هم وحزن بسبب صلابته، وقد تمثل به الشاعر السوداني إدريس جمّاع واصفا حظه العاثر بقوله:
إن حَظي كدقيقٍ فوقَ شوكٍ نثروه
ثم قالوا لِحُفاةٍ في يومِ ريحٍ اجمعوه
صَعُبَ الأمرُ عليهم ثم قالوا اتركوه
إنَّ مَن أشقاهُ رَبِّي كيفَ أنتم تُسعدوه!!
يُقال إن أبًا أوصى ابنه محذرا إياه من الشوك فاستغرب الابن ذلك التحذير الغريب من أبيه فقال له: إننا اليوم نعيش في مدينة كاملة، ورفاهية من العيش عالية، ولا أكاد أعرف شكل الشوك أو وصفه أو أنواعه فأنا لم أره إلا نادرًا، فرد عليه أبوه بقوله: يا بني إنني لم أقصد الشوك ذلك النبات الذي تعنيه، ولكنني أقصد شيئًا آخر شبهته لك بالشوك من حيث خطورته التي تتجاوز أضرار ذلك النبات على الحفاة!
إن الشوك الذي أعنيه وأحذرك بالابتعاد عنه؛ لما قد يصيبك من أذاه في حال اقترابك منه أو مرورك به ما لم تكن يقظًا متنبها حذرًا.
خذ يا بني كلمة «شوك» وانظر إلى كل حرف من حروفها منفردا، وحاول أن تربطه بشيء من الأمور التي يكون لها أذى كأذى الشوك، حاول الابن واستجمع كل قدراته، وأخذ يفكر بشكل جاد في دلالة الحروف الثلاثة، ومارس ما قرأه في مطالعاته عن عمليات العصف الذهني لكنه لم يوفق في الوصول إلى شيء منها -رغم الوقت الذي استغرقه في التفكير، ورغم الجهد الذي بذله من أجل الوصول إلى شيء يفخر به في حضرة أبيه- وعندئذ عاد إلى أبيه مبديًا عجزه عن الوصول إلى تفسير للحروف الثلاثة، وطلب منه التوضيح والتفسير لما أشكل عليه وعسر، فقال له الأب: إن الشراكة تبدأ بحرف الشين، والوكالة تبدأ بحرف الواو، والكفالة تبدأ بحرف الكاف، ومن هذه الحروف الثلاثة مجتمعة تتكون كلمة شوك «وهي ذلك النبات الذي تعرفه، وله دلالته اللفظية، والمعنوية على الأمور الثلاثة: الشراكة، والوكالة، والكفالة، وجميعها تندرج تحت باب المعاملات التي أعطاها الفقهاء المسلمون عناية كبيرة في الكتابة والتأليف والشرح والتوضيح؛ لأهميتها وتشعبها وكثرة تفاصيلها في الفقه الإسلامي!
إن الشراكة ما لم تقم على أسس سليمة وواضحة فإنها ستؤدي إلى خلافات وأضرار كبيرة، والوكالة عبء كبير، وأمانة ثقيلة، ومسؤولية جسيمة يجب ألا يتصدى لها إلا من هو قادر على تحملها على أكمل وجه، وكم تعرض بعض الناس اليوم لأضرار الكفالة وتبعاتها، وتكبدوا بسببها الخسائر، وكم منهم من تم استغلاله أو استغفاله من أناس تخصصوا في التحايل على الناس، وأكل أموالهم بالباطل.
في الأسبوع الماضي استمعت لبرنامج إذاعي قدم من خلاله أحد القانونيين إجابات على عدد من استفسارات المتصلين عمّا يرغبون في أمور تتعلق بشؤونهم الخاصة، وقد مرَّ موضوع الكفالة ضمن أسئلة تلك الحلقة فتوقف عنده كثيرًا، وأطال الشرح فيه مذكرًا الناس بأهمية عدم التساهل في شأن الكفالة، وحذر من أخطارها الكبيرة التي قد يجهلها كثيرون فيقعون في مشكلات كبيرة تفوق قدراتهم المالية، ومما قال: إن الكفالة التزام بالغرم ومن لم يكن لديه القدرة المالية على الدفع والاستعداد بالوفاء بما التزم به فلا يحق له التقدم للكفالة بل عليه أن يعتذر عنها، وأن الاعتذار خير له من أن يكبل نفسه بالتزامات لا يستطيع الوفاء بها، وركز على أن الحياء من العاقبة التي ستنتهي إليها الكفالة في حال عدم القدرة على السداد هي أشد وأصعب من تقديم الاعتذار بلطف لمن طلبها، وقال أيضًا: إنه ما لم يكن الشخص مهيأ نفسيًا وماليًا للدفع عند الطلب فعليه ألا يخجل من الاعتذار!
وقفة: يقول المثل الشعبي: «جلد ما هو جلدك جُره على الشوك»، وهو ما يحاول بعضهم أن يسوغ لنفسه العمل به!

التعليقات (9):
  • D3shoosh ٢٠١٥/١٠/١٧ - ٠١:٥٩ م

    حيا الله أبا مهدي ..
    مقالك كامل الدسم وأنت تعرف أن دعشوش معدته لبّانيّة لصغر سنه , فهو لم يتعد عمره العشر من السنين إلا بقليل من العقود .. حفظك الله ,وأهنئك على حب الناس (قراء وكتاب) لك فأنت أهل للحب .. وليسمح لي كل من : المتنبي وعبد الله الشمري بالتغيير في هذا البيت :
    (*) شوك بأية حال عدت يا شوك // بما مضى أم بأمرٍ فيك تشويك (*)
    حفظك المولى وسددك , ولك 3 قبلات لها صدى على محياك الجليل ..

  • متابع ٢٠١٥/١٠/١٧ - ٠٧:٥٤ م

    صدق دعشوش فالجميع يحبك سواء القراء أو الكتاب فقد قرأت قبل مدة بسيطة مقال للكاتب عبدالرحيم الميرابي يذكرك فيه بالخير وثني عليك

  • دعشوش ٢٠١٥/١٠/١٧ - ٠٨:٠٧ م

    ليتك لي عم أو خال .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٠/١٧ - ١٠:١١ م

    لكم جميعاً المحبة والتقدير

  • الدكتور عبدالرحمن عبدالله الواصل ٢٠١٥/١٠/١٧ - ١٠:٢٣ م

    أخي الأستاذ عبدالله الشمري: مقالة رائعة هادفة بأسلوب شيِّق ممتع، وتحيَّاتي واسمح لي بأن أحذف حرف الجر من البيت التالي:
    ثم قالوا لِحُفاةٍ في يومِ ريحٍ اجمعوه ليكون:
    ثم قالوا لِحُفاةٍ يومِ ريحٍ اجمعوه
    تحيَّاتي.

  • D3shoosh ٢٠١٥/١٠/١٧ - ١٠:٤٤ م

    مبروك أبا مهدي بزيارة مقيّم التعليقات ..
    يا كبر حظك كبراااه ..
    فقد قال المقيّم لك : تحياتي ..
    لو سمحت لا ترد علي أنا ..

  • ابو محمد ٢٠١٥/١٠/١٧ - ١١:٢٢ م

    فعلا احسنت و أجدت و شكرا لك

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٠/١٧ - ١١:٣٠ م

    سعادة د. عبد الرحمن الواصل حفظه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعدت بمرورك بالمقال وبالتصويب لبيت الشعر ....
    أرسلت مقالي يوم الاثنين بعنوان : برقية عاجلة ... وليلة الخميس فوجئت برسالة عبر الجوال من الأستاذ عبد الوهاب العريض يستحثني على إرسال مقال جديد ( لاستبعاد الجريدة للمقال السابق ) فوعدته بالكتابة في الحال وعندما شرعت في الكتابة جاء زائر بلا موعد فاستقبلته وأطال المكوث رغم تململي وعند توديعه رجعت فأكملت المقال ( ونقلت البيت من جعبة google غير الآمنة ) وسامح الله من قام بتدريسي العروض...
    لكم خالص تقديري ومحبتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٠/١٨ - ٠٩:٤٢ ص

    لكم جميعًا المحبة والتقدير


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى