نادية الفواز

نادية الفواز

وأشم رائحة الورق

للورق رائحة الليمون، وللحبر والكلمات نكهة القهوة، تسجل مواعيدها على خارطة البياض ورزنامة الاختلاف والاستثناء، عندما يندلق ليكتبها على منعطفات المعاني، ويتمرد كحصان راكض في البراري حرا طليقا باحثا عن الصهيل، ذلك قد يكون عشق كثيرين مثلي لشم رائحة الورق ولتلمس جسد الحروف النائمة على ضفاف الأفكار، وللنوم أحيانا على صدر كتاب أو تحت ظلال زيزفون الكلام، فطالما ظل الكتاب قريبا مني ساكنا حقيبتي، أو نائما بالقرب من وسادتي، ولطالما من شوقي لبعض الحروف أدمنت شم رائحة عطر المعاني، لطالما حلمت بموعد غرامي وخلوة شرعية مع كتاب أصافحه أحيانا وأضمه أخرى، وأعطر صفحاته بنكهتي، أو أن أسجن وردة وأغرزها في وسط قلبه، لطالما أحببت ما يبهرني وما يصدمني من مغامراته غير المتوقعة تخطفني إلى زهر اللوز المعلق بين صدى السطور، وأتوق له حينما يسكن رفا من ناصية قلبي، ذلك المغوي الذي جعل كثيراً من الكتاب والمبدعين يسهرون الليل الطويل ليخطوا حروفهم، وهم يعجنون لنا الصبح من وصفاتهم الخاصة وخلطاتهم السرية، التي تسجل بصماتهم على الكتب تلك، التي تراكمت على الأرفف في زمن التقنيات الحديثة، التي سرقت الأضواء من الورق وانفردت بتزايد المتابعين، إلا أنني أثق أن هناك من يرى في الصحف اليومية والكتب الإبداعية، وجها آخر يحميها من التهميش ويعيدها إلى جاذبية ملامح الكلمات تسكن أناملنا، وقد تم وصف إدمان رائحة الكتب من قبل فريق من الباحثين الكيميائيين بأنها: «مزيج من عشب مع مسحة من الأحماض، ولمحة من الفانيليا مع نسبة من التعتيق الكامنة» حيث يصنع الورق من المواد العضوية مثل الورق، والحبر، والغراء، والألياف، وكل هذه المواد تتفاعل مع الضوء، والحرارة، والرطوبة، وحتى مع بعضها بعضا على مر السنين، وتنتج عددا من المركبات العضوية المتطايرة. ولكن القصة أكثر من مجرد رائحة للكتب ومن مجرد مزيج متوازن من الفانيليا والعشب، إنها الذكريات التي يشمها الأنف لارتباطه بالجهاز الحوفي المسؤول عن عواطفنا. وبالتالي، يعد الأنف واحدا من أقوى الطرق لتحريك الذكريات، والعنصر الأكثر رغبة لاستعادة أسعد لحظات القراءة، فلا شيء يشبه رائحة كتاب حقيقي قلبته أناملنا وشعرنا به كائنا حيا يقظا يسكن بين أيدينا، نلمس فيه مانريد ليظل متسيدا للموقف، فعلى الرغم من ابتكارات التقنية وجاذبيتها تظل لرائحة الكتاب ولملمسه سطوة الحضور وهيبته.

التعليقات (10):
  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٥:٤٠ ص

    عبارات وجمل تفوح بجمال المفردات عندما تتلاقى على يد كاتبة متمكنة ..
    شكرا جزيلا ..

  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٦:٣٨ ص

    خذوا المحابر والمراسم
    لكن : خلوا لي الورق
    -
    خذوا .. ودعوني في المواسم
    أشم رائحة الورق

  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٦:٤٤ ص

    للطفي بوشناق :
    أنا مواطن وحائر انتظر منكم جواب
    منزلي في كل شارع كل ركن وكل باب
    واكتفي بصمتي وصبري ثروتي حفنة تراب
    ما أخاف الفقر لكن كل خوفي من الضباب
    لا حروب ولا خراب ولا مصائب لا محن
    خذوا المناصب والمكاسب لكن خلوا لي الوطن

  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٧:٢٦ ص

    " للورق رائحة الليمون .."..
    ليس عند الكل .. فدعشوش - فديته - لديه حساسية ضد الليمون الحالي ..

  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٧:٢٨ ص

    غريب أمر هؤلاء الكتاب - كلهم يحبون القهوة .. الحمد لله إن قريني لا يحب البرازيل ولا منتوجاتها الكيفية ..

  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٧:٣١ ص

    لأول مرّة أعرف أن الحصان عندما يركض تتلبسه حالة "الصهيل" أو أنه يبحث عن من يصهلل له !
    كنت أظنه يمتحن قدراته ومهاراته ليس إلا ..

  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٧:٣٤ ص

    ولأول مرّة أعرف أن للمعاني عطر .. لازلت بدوي يا دعشوش وعطرك لا يتعدى الحبشوش وحبك سباني والثلاث خمسات ... تحضّر والحق بالركب بارك الله بك وبي ..

  • عليان السفياني الثقفي ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٧:٣٨ ص

    اسمعي يا دكتورة نادية !
    فيه روائح لا تنسى منها رايحة الورق الجديد لكتاب أو رايحة الحبر .
    ومنها رايحة السيارة الجديدة خصوصا ان تجمل فيني واحد وركبني فيها!
    ومنها رايحة الزهور في الصباح عند النحل وهذي لا تقارن ولا توصف .
    لذا .......ابتسمي

  • D3shoosh ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠١:٤٣ م

    أتمنى أن ينمحي حبر/ مداد هذا المقال حتى لا يتبناه من في قلبه مرض .. فيكتب مقالا أكثر صراحة من هذا , لكي يدين كل من يتعاطف مع أسر الضحايا مستقبلا ..

  • قارئ ٢٠١٥/١١/٢٢ - ٠٦:١١ م

    الأخ عليان السفياني الثقفي تحية طيبة.
    اسمح لي بهذا التصحيح:
    هكذا تُكتب "رائحة"، وليس هكذا ( رايحة ) حيث تكرر الخطأ عندك (4 مرات) في (3 أسطر).....ابتسم


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى