عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

في يوم اللغة

لا يستهين بلغته إلا مَنْ يعاني هزيمة داخلية وضعفًا شديدًا؛ لأن اللغة هي الوعاء الذي يحفظ للشعوب علومها وآدابها وفنونها وتراثها وثقافتها.
ترتبط الشعوب بلغاتها، وتعتز بها، وتعتبرها هويتها الخاصة التي تميزها عن غيرها، وتتمسك بها بشكل كبير، وتقدمها في كلِّ تعاملاتها بما يرفع قدرها، بل يصل الأمر ببعض الشعوب إلى التعصب نحو لغاتها بشكل لافت.
مما يسعد النفس احتفاءِ وزارةِ التعليم بيومِ اللغةِ العربية، الذي يصادف يوم غدٍ الجمعة – الثامن عشر من ديسمبر – الذي أصبح يومًا عالميًا للاحتفال بها كل عام.
إنها لغة كتاب الله العزيز، الكتاب الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وهي اللغة التي يتعبدون الله فيها في صلاتهم، معجزة خاتمِ المرسلينَ صلى الله عليه وسلم.
إنها أثرى لُغاتِ العالمِ وأعلَاها، وتحقق لمتقنها الإبداع الفكري في كل المجالات، ومن واجب أبنائها أن يهتموا بها؛ لتُعيدَ لهم وللناطقينَ بها حُسنَ العِبارةِ، ودقة التعبير، وجمالَ الصَورةِ، وروعة التَصوير، ورشَاقةِ الأُسلوبِ، وبلاغة الكلام.
إن المتأمل في حالنا مع اللغة العربية، يدرك البون الشاسع بين ما يجب أن يكون وبين ما هو كائن بشأنها، إذ لم تعد اللغة العربية في المكانة التي يجب أن تكون عليها في التعليم والصحافة والإعلام.
ما تزال أعداد كثيرة من المعلمـ/ين/ـات من غير المتخصصـ/ين/ـات ضعيفة التأهيل في اللغة العربية، يتحدثون العامية، وقد يقع بعضهم في أخطاء فادحة، وربما رصد عليهم طلابهم بعضًا من تلك الأخطاء.
لن يحار المتأمل في استعراض حال وسائل الإعلام من إذاعة وتلفاز، التي سيجد فيها كثيرًا من المتسللين أو المتطفلين، الذين لا يفرقون بين المرفوع والمنصوب – خاصة مع اتساع دائرة البث الفضائي -، فبعضهم لا تتجاوز معرفته باللغة قدرات طالب المرحلة الابتدائية، مع افتقاره إلى الثقافة العامة التي تعد من أهم المعايير للعاملين في هذا المجال، وربما تسلل هؤلاء إلى القطاع غير الرسمي أو تطفلوا عليه بسبب غياب المهنية عنه أو ضعف الرقابة فيه!
إن ما ليس مقبولًا أو معقولًا هو تسلل هؤلاء إلى القطاع الرسمي – الحكومي –، الذي يمثل الدولة أو تطفلهم عليه، ويقع تحت إشراف مباشر من وزارة الثقافة والإعلام التي يجب عليها أن تعنى باللغة العربية عناية عالية، وأن تستقطب أفضل الكفاءات كي يمثلوها، ويظهروا لها صورة رائعة ومميزة.
كان للخطابة عند العرب منزلة عالية، وبرز في الجاهلية خطباء كثيرون، وجاء الإسلام وأعلى منزلة لغتهم التي نزل بها القرآن الكريم.
هل كان لمغادرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل – الوزير السابق للتربية والتعليم – أثر على مشروع اللغة العربية؟
وهل ساهم دمج الوزارتين: (التربية والتعليم، والتعليم العالي) في وزارة واحدة تحت اسم «وزارة التعليم» في ضياع مشروع الاهتمام باللغة العربية؟
وهل كان لمجيء الوزير الجديد للتعليم – السابق – الدكتور عزام الدخَيِّل وانصرافه إلى عقد العديد من الشراكات مع وزارة التعليم أثرٌ في وضع مشروع الاهتمام باللغة العربية على رفوف الوزارة المكتظة بالمشاريع التي لم تنفذ.
لقد أكد سمو الأمير خالد الفيصل على ضرورة الاعتناء باللغة العربية في جميع مراحل التعليم، وهو تأكيد لو تم العمل بموجبه بشكل دقيق فإنه سيكون مشروعًا رائدًا في خدمة اللغة العربية.
بعد تعيين الدكتور أحمد العيسى وزيرًا جديدًا للتعليم، قرأت تغريدة للأستاذ حمد القاضي قال فيها: «تمنيت لو صاحب تعيين وزير تعليم جديد عودة الوزارتين – التربية والتعليم والتعليم العالي – بدلًا من دمجهما فإيجابيات الفصل أكبر بكثير من الدمج».
لقد كان للدكتور عزام الدخيِّل – رغم قصر المدة التي قضاها في وزارة التعليم – دورٌ كبيرٌ في جعل قضايا التعليم في دائرة اهتمام الإعلام والمجتمع بشكل فعّال.
في مقال سابق لي بعنوان: «من أجل اللغة» قلت: «ولعل وزارات الدولة وغيرها تستفيد من برامج وخبرات مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، لقد كشفت مواقع التواصل الاجتماعي ركاكة الأساليب الكتابية، وشيوع الأخطاء الإملائية والنحوية لدى كثير من أساتذة الجامعات، وكتاب الصحافة وأعلامها وغيرهم ما ينبئ بخطورة كبيرة على مستقبل أجيالنا الذين يتلقون عنهم أو يتابعونهم، ومن المؤسف أن بعض أولئك لم يعد يخجل من الوقوع في تلك الأخطاء أو ربما أجاز لنفسه ذلك بتبريرات لا تجد لها سندًا من القبول».
وقفة: لا غرابة في أن يربك خطيبٌ – من على منبر الجمعة – سَمْعَ بعض المصلين بجرِ مرفوعٍ أو تنوين ممنوعٍ من الصرف!

التعليقات (12):
  • طلال السويدي ٢٠١٥/١٢/١٧ - ٠٧:١٦ ص

    أصبت عين الحقيقة ..
    تعجبني العقلانية في الطرح ، وإنتقاء مواضيعك والتي تلمس الإحتياج الفعلي للمجتمع .

  • طلال السويدي ٢٠١٥/١٢/١٧ - ٠٧:١٩ ص

    ‏خطأ الطبيب

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٢/١٧ - ١٢:٠١ م

    أخي طلال
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك حسن ظنك، وأقدر لك مرورك بالمقال ... دمت بخير وفلاح
    ولكم تحياتي

  • شهد الخزامى ٢٠١٥/١٢/١٧ - ٠٤:٥١ م

    سلم يراعك أستاذي الفاضل ،مقال رائع وفي الصميم . ليت التربويين وأهل العلم يدركون دورهم في دفع الأجيال للاهتمام بلغتنا الخالدة ،ويسعون لنشر قواعدها وأساليبها الجميلة فهي درر نادرة لا نجدها في كثير من اللغات..

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٢/١٧ - ٠٨:١٠ م

    الأخت شهد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن الاهتمام باللغة هو ارتباط بالهوية العليا ... أعني هوية الإسلام الذي أضاف للعرب شرفًا بأن جعل لسانهم العربي هو الناطق بآيات الله ...
    كل الشكر والتقدير

  • الدكتور عبدالرحمن عبدالله الواصل ٢٠١٥/١٢/١٨ - ١٢:٢٢ ص

    أخي الأستاذ عبدالله الشمَّري: تحيَّاتي: أبدعتَ في مقالتك بتشخيص الخلل وفي دفاعك عن لغة القرآن وفي غيرتك عليها، فهل سيعي ذلك الذين شوَّهوا الفصحى بتعليقات سطحيَّة ويدَّعون أنَّهم يفهمون ما يقرؤون ممَّا ينشر من مقالات وأفكار ولغتهم التي يعلِّقون بها لا تسعفهم؟!!؛ إذْ لم يستطيعوا الكتابة بالفصحى في ضوء أساليبها ومفاهيمها ومفرداتها وقواعدها الإملائيَّة والنحويَّة وعلامات الترقيم بها، ومع ذلك يظنُّون بأنَّهم يضيفون بتعليقاتهم فكراً بل ويجزمون بتقديمهم نقداً، وهم لم يحسنوا حتَّى اختيار أسماءهم المستعارة، أولئك من أعداء الأمَّة بعداوتهم للغتها، وبشخصنة كتَّابها ومفكِّريها كرها وتطاولاً عليهم وهم أقزامٌ في ميدان اللغة ونكراتٌ في ساحة الفكر والأدب والثقافة، يعكسون بلغة تعليقاتهم امتهاناً لكلِّ ذلك، ولا يعون ذلك، ولا يخجلون من ذلك، ويا ليتَ صحيفة الشرق تشترط عليهم حدّاً مناسباً للعناية بكتابة تعليقاتهم بالفصحى كاشتراطها ذلك على كتَّابها، ويا ليتها تمنع نشر تعليقاتهم المتضمِّنة شعراً نبطيّاً يهدم الفصحى، تحيَّاتي لك أخي الأستاذ عبدالله ولصحيفة الشرق الناهضة بالفكر والأدب والثقافة؛ فهل ستنهض بالعناية بلغة معلِّقيها منعاً أو تنبيهاً متدرِّجاً لتكون الصحيفة الأولى التي تعتني بلغة معلِّقيها ولا مانع أن تعطيهم فرصةً لشهر ليرقوا بلغة تعليقاتهم وأساليبها وعلاقتها بموضوعات المقالات التي يعلِّقون عليها، ولا ضير أن تنخفض أعداد التعليقات؛ فمثل تعليقات أولئك لا تضيف للصحيفة بقدر ما تمتهن الصحافة مهانة لا مهنةً.

  • ليلى ٢٠١٥/١٢/١٨ - ٠١:٤١ ص

    الأخ الكاتب الأستاذ عبدالله الشمري. استمتعت بقراءة مقالك الشيق عن اللغة العربية، ولكني أود سؤالك، هل هاتان العبارتان اللتان كتبتهما في مقالك تعد لغة عربية أو كتابة بلغة عربية، وإليكهما:
    "المعلمـ/ ينـ/ ـات
    المتخصصـ/ ينـ/ ـات"
    هل هذه هي اللغة العربية؟!
    ما كان ضرك لو كتبت: المعلمين والمعلمات... المتخصصين والمتخصصات؟ فهذا أسلم لتذوق النطق، وموسيقى وزن اللفظ.
    ولكنني لا أنكر إعجابي بمقالك، وبلفت نظرنا إلى لغتنا العربية.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٢/١٨ - ٠٢:٣٧ م

    أستاذنا العزيز الدكتور عبد الرحمن الواصل حفظه الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لقد أضفت بتعليقك مقالًا جديدًا في يوم اللغة العربية، مقالًا مليئًا بنصح صادق لأبنائها وغيرة مخلصة على لغة القرآن.
    دمت رائعًا.
    ولكم تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٢/١٨ - ٠٢:٤٣ م

    الأخت ليلى ... حفظها الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما أشرت إليه حول الاختصار يعد ملاحظة جديرة بالعناية، ... لقد استحسنته في كتابات الزميل محمد السحيمي ...
    تقديرًا لملاحظتك سأتجنب هذه الاختصارات مستقبلًا .....
    ولكم تحياتي

  • المستعين بالله .. ٢٠١٥/١٢/١٨ - ١٠:٣٠ م

    لغتنا الجميلة إحدى أكثر اللغات انتشارًا في العالم، يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة، وهي ذات أهمية قصوى لدى المسلمين، فهي لغة مقدسة (لغة القرآن)، ولا تتم الصلاة إلا بإتقانها.

    وأثّر انتشار الإسلام، وتأسيسه دولاً، في ارتفاع مكانة اللغة العربية، وأصبحت لغة السياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في الأراضي التي حكمها المسلمون، وأثرت العربية، تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر على كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، كالتركية والفارسية والكردية والأوردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحيلية، وبعض اللغات الأوروبية وخاصةً المتوسطية منها كالإسبانية والبرتغالية، مما جعلها إحدى اللغات الرسمية الست في منظمة الأمم المتحدة.

    بارك الله فيك أخي الحبيب على هذا المقال الرائع والمميز الذي تعودنا منك على أمثاله موفق دائماً ..

  • المستعين بالله .. ٢٠١٥/١٢/١٨ - ١١:٠٥ م

    لغتنا الجميلة هي معجزة الله في كتابه المجيد.
    لقد حمل العرب الإسلام إلى العالم، وحملوا معه لغة القرآن العربية واستعربت شعوبها فتركت لغتها الأولى وآثرت لغة القرآن.
    لقد شارك الأعاجم الذين دخلوا الإسلام في عبء شرح قواعد العربية وآدابها للآخرين فكانوا علماء النحو والصرف والبلاغة بفنونها الثلاثة : المعاني ، والبيان ، والبديع.
    واللغة العربية أقدم اللغات التي ما زالت تتمتع بخصائصها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال.
    وأورد هنا بعض الأقوال لبعض العلماء الأجانب قبل العرب في أهمية اللغة العربية. يقول الفرنسي إرنست رينان: (( اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة.))
    ويقول الألماني فريتاغ: (( اللغة العربية أغنى لغات العالم )).
    ويقول وليم ورك: (( إن للعربية ليناً ومرونةً يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر )).
    ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام: (( العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة. ))
    ويقول مصطفى صادق الرافعي: (( إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً.))
    ويقول الدكتور طه حسين: (( إن المثقفين العرب الذين...

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٥/١٢/١٩ - ١٢:١٢ ص

    أخي المستعين بالله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سعيد بمرورك الرائع وتعليقاتك التي أضفت جمالًا وفوائد عديدة.
    ولكم تحياتي


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى