نادية الفواز

نادية الفواز

ثقافة الأوبن بوفيه

نريد كل شيء في عالم شحيح لا يمكن أن يعطي كل شيء.. في وقت ما أن تستسيغ شرابه حتى يأتي ما يعكره، في وقت تجيء الفرحة فيه زائرة ويظل الإنسان في مكابدة الحياة، بين أخذ ورد وجزر ومد، يقول الشاعر الأمير خالد الفيصل:
إلى صفا لك زمانك علّ يـا ظامي اشرب قبل لا يحوس الطين صافيها
ننخرط في حالة هروب وبحث عما نريد، وإذا حصلنا عليه تساءلنا عما كنا نبحث عنه عن الأولويات، التي استنزفتنا واكتشفنا في النهاية أنها مجرد غواية، وأن السعادة تسكن في أبعد جزيرة عما سعينا إليه، وأننا سافرنا في مراكب تزودنا فيها بالسراب بدلا من القناعة والرضا.
في زمن يحتاج لأن نكتفي منه بلقمة سعادة قد تغنينا عن صحن ملأناه بكل أصناف الطعام، وعندما جلسنا إلى المائدة اكتشفنا أننا لا نتمكن من إكمال ربع كمية الطعام الذي قضينا وقتنا ونحن نملأه ونتفنن في إعداده، اخترنا منازلنا وشيدنا القصور ووضعنا أجمل التحف والمزهريات واللوحات السيريالية في مجالسنا التي تمر سنوات، وهي مهجورة لا تسكنها إلا العناكب، ولا يزورها إلا الغبار. تلك المؤامرة التي نعيشها للاستزادة من الحياة دون أن نفكر بأن نأخذ منها ما يكفينا ويسعدنا، فإذا جلست إلى مائدتك ولاحظت أفكار الناس تجاه المطاعم المتخصصة في تقديم وجبات البوفية المفتوح، لعرفت أن القليل منهم ما يأخذ حاجته، وأن الغالبية العظمى تريد أن تضع في الطبق أكثر مما تريد ومما تحتاج، فهل هذه يا ترى طبيعة الإنسان أم أنها تعبير عن نقص وقصور في التفكير تجاه الأشياء، التي يعتبر أصغر نماذجها هذا الشكل الغريب من التفكير في ثقافة الطعام، الذي يمكن أن تقيس عليه أمورا أخرى من الرغبة في التنوع والجشع والطمع، أو تجربة كل شيء في علاقة الاستحواذ والامتلاك.
وفي كل الأحوال، فإنني أسعد بطبق واحد أحبه وأفضل نكهته يكفيني شر الجوع ويسد رمقي، دون أن أمد يدي لمن يضن علي بلقمة ودون أن أشعر أني دخلت في مؤامرة التسمين والتنافس على ملء الصحون، التي ستأتي لحظة الاعتراض من المعدة على الاستمرار فيها، وسترفض الانصياع لرغبات المتنافسين على المغارف ستعترض أو سترفض مؤامرة الهضم وستوقف هذا التنافس المحموم. كما هي الحياة التي ستعلن في لحظة حاسمة نقطة النهاية ليصمت كل شيء ولا يمكن للإنسان أن يزيد فيها شهقة واحدة، فخذ ما يكفي زادك وحياتك بما يكفيك شر مسألة اللئام، وعش كريما بما يكفي لأن تشعر بالشبع دون أن تأخذ من قوت الآخرين.

التعليقات (1):
  • ثامر بن عبدالله ٢٠١٦/١/٨ - ٠١:١٨ م

    مقالة عميقة أ.نادية...
    تحياتي


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى