عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

مَحكمةٌ بِلا قَاضٍ

علاقة العدد ثلاثة واستخداماته غير منتهية، فهو يستخدم للتحذير، مثلث الخطر، من المواد المشعة، وأمور أخرى، ومنها ما هو من وسائل السلامة غير المستخدمة مثل: مثلث السلامة المرورية التحذيري. والمثلث من أشهر الأشكال الهندسية، وزواياه الثلاث، واستخدم العدد ثلاثة في تقسيم الألوان الأساسية، وكذلك في تقسيم الألوان الفرعية، وفي حالات المادة، أما في السياسة فتستخدم عبارة «الرؤية الثالثة» التي تطبق بوصفها حلاً بديلاً إضافياً، يسمونه الخيار الثالث، وجعلوا للإدارة ثلاثة مستويات، وثلاث مراحل للتعليم العام، وهي سلسلة لا تنتهي من الاستخدامات لهذا العدد.
كم هو مثقلٌ العدد ثلاثة من استخدام البشر له، أثقلوه، وظلموه ابتداءً في بعض اعتقاداتهم، فالنصارى اعتقدوا بالتثليث، وقد ذكرهم الله في كتابه العزيز، وتوعدهم في الآخرة بقوله: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم». وأدخل الهندوس، والبوذيون، والطاوية، وغيرهم، العدد ثلاثة في أصول عقائدهم كذلك.
لم يتفق العرب على لفظ موحد للعدد ثلاثة في لهجاتهم المختلفة، إلا أنهم يصرون على أن المستحيلات ثلاثة، كما جاء في قول صفي الدين الحلي:

لمَّا رأيتُ بني الزمان وما بِهم
خِـلٌّ وفيٌّ للشدائد أصطفي
فَعلمتُ أنَّ المستحيــلَ ثلاثةٌ
الغولُ والعنقاءُ والخلُّ الوَفي

جرى قول الحلي، صفي الدين، عبر الزمن، وبات العرب يرددون القول: «إن ذلك من رابع المستحيلات». منذ القرن الثامن الهجري، عندما يستبعدون حدوث شيء، أو يصرون على إنكاره، ولكننا في حاضرنا حطمنا أرقام الشاعر الثلاثة، وجعلنا منها سلسلة غير منتهية من المستحيلات!
الغالب أن في كل قضية خلاف طرفين اثنين، يحتاجان إلى مَنْ يحل ما نشأ بينهما، وقد لا يُفلحان في الوصول إلى تفاهم بينهما؛ فيضطر أحدهما، أو كلاهما إلى البحث عن قاضٍ يفصل بينهما، ويضع الأمور في نصابها، ولكن المشكلة تكمن في غياب الطرف الثالث، القاضي، فليس في كل محكمة قاضٍ!
لقد بات الوصول إلى القاضي مستحيلاً في بعض محاكم المدن النائية؛ لأنها تعاني منذ سنوات إما من نقص في عدد القضاة، أو في عدم وجود قاضٍ أصلاً، أو غيابه، أو تكليفه بالعمل في محكمتين، أو أكثر!
أصبحت بعض المحاكم مجرد محطة عبور لمجموعة من القضاة، فيكاد لا يستقر فيها القاضي شهرين، أو عدة أشهر حتى يغادرها إلى مكان كان يسعى إليه، ويبدأ الناس في حيرة منتظرين تعيين قاضٍ جديد مكانه، أو ندب آخر، أو تكليف قاضي محكمة قريبة ليوم أو يومين في الأسبوع، وقد تطول فترة انتظارهم، وتزداد معاناتهم، وتتعطل مصالحهم، وتتراكم ملفات القضايا بشكل كبير ما قد يكون سبباً في عدم قبول أحد من القضاة بالمكان.
لقد حظي جهاز القضاء بدعم مالي كبير في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله، وسُمِّي مشروع التطوير باسمه، ولكن ما يؤكد أن مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله، لتطوير مرفق القضاء لايزال بعيداً عن الوصول إلى هدفه، هو مناقشة مجلس الشورى مؤخراً تقرير وزارة العدل، والتأكيد على وجود محاكم بلا قضاة، ووجود أخرى لاتزال في مبانٍ مستأجرة، وتعثر 62% من القضايا في المحاكم، ووجود تسيُّب كبير بين الموظفين، الأمر الذي ساهم في تعطيل مصالح الناس، وأضرَّ بهم بشكل مباشر، وهو أمر أكده تقرير هيئة الرقابة والتحقيق المعروض تحت قبة مجلس الشورى.
بين أعضاء مجلس الشورى مَنْ طالب بسرعة إنشاء المحاكم المتخصصة، ومنهم مَنْ طالب بسرعة إنجاز القضايا المتعثرة، ومنهم مَنْ تساءل عن أسباب عدم تصدي وزارة العدل لهجمات بعض وسائل الإعلام العالمية، التي تتعرض لها البلاد، ونظامها القضائي، والعمل على تقديم الحقائق، وتوضيحها للرأي العام بلغة حقوقية مستندة إلى معلومات دقيقة، تجلي الحقائق، وتلجم الخصوم المتربصين.
مستحيل وجود مستشفى بلا أطباء ومساعدين إلا إذا كان المستشفى من بين المشاريع المتعثرة، ومن المستحيل وجود مدرسة بلا معلمين، أو معلمات حتى لو كانت المدرسة في قرية نائية، أو في جزيرة في عرض البحر مثل جزيرة طُمَاح، التي خصصت لها وزارة التعليم قاربين أحدهما لنقل المعلمات، والآخر لنقل المعلمين – ماأزال أحتفظ بصورتَي القاربين في ميناء جزيرة فرسان أثناء زيارتي لها قبل سنوات- كي توفر التعليم لأبنائها وبناتها! وقفة: تراكمت القضايا في محكمة الخفجي، ولاتزال بلا قاضٍ، ولن يكفيها واحدٌ بعد توسع المدينة، وازدياد سكانها!

التعليقات (0):

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى