عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

مُواطنةُ حَسَن

في معرض كلامه عن لفظة “مُوَاطنة” يقول الدكتور محمد عابد الجابري: ولا شك أن القارئ سيستغرب معي غياب هذا اللفظ في معاجمنا القديمة المتداولة: “لسان العرب”، و”القاموس المحيط”، و”الصحاح”، و”تاج العروس”.
من بين التعريفات للفظة “المواطنة”، ما جاء في الموسوعة السياسية بأنها: “هي صفة المواطن، الذي يتمتع بالحقوق، ويلتزم بالواجبات، التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن”.
أما في قاموس علم الاجتماع، فقد تم تعريفها بقولهم: هي مكانة، أو علاقة اجتماعية، تقوم بين فرد طبيعي، ومجتمع سياسي “دولة” ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول “المواطن” الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق أنظمة الحكم القائمة.
ويعرِّفها المختصون من المنظور النفسي بقولهم: هي الشعور بالانتماء والولاء للوطن، والقيادة السياسية، التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية، وحماية الذات من الأخطار المصيرية.
تبيِّن التعريفات السابقة مدى قوة علاقة المواطنة، فهي علاقة أصيلة بين الدولة والمواطن، تنشأ عنها حقوق إنسانية، تقدمها الدولة، وتترتب عليها واجبات، أو مسؤوليات اجتماعية، يقوم بها المواطن، ويفي بها بلا مِنَّة.
هناك ثلاث صور، تتحقق بها المواطنة، هي: “الانتماء، الحقوق، والواجبات”، فلا مواطنة دون انتماء إلى الوطن، وولاء لقادته، ودفاع عنه، وعمل جاد ومخلص من أجله، فالانتماء هو شعور المواطن، الذي تصدقه أفعاله، وتؤكده أقواله بِتَمثُّل قيم مجتمعه، وتبني ثقافته، واستحضار تاريخه، والمحافظة على ميراثه، وهذا الانتماء يمنحه حق التمتع بكافة حقوق المواطنة المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وعليه أن يقوم بواجباته الوطنية كاملة، ويأتي في مقدمة تلك الواجبات الدفاع عنه، وحمايته، بل والتضحية بالروح من أجله، والعمل المخلص لرفعته وتطوره وازدهاره، واحترام أنظمته.
كانت الدولة اللبنانية من أولى الدول العربية، التي أدانت غزو العراق دولةَ الكويت في عام 1990م، أما الحكومة اللبنانية الحالية، بسبب هيمنة “حسن”، وحزبه على قرارها السياسي، فقد عجزت عن إدانة الاعتداء السافر على سفارة المملكة في طهران، وعلى قنصليتها في مشهد.
بسبب “حسن”، تخلَّفت الدولة اللبنانية عن الإجماع العربي، وبسببه أصبح القرار السياسي للبنان مرتهناً، وفقدت الدولة اللبنانية جزءاً من سيادتها، واضطرب أمنها، وشُلَّ اقتصادها، وتعقَّدت حياة الناس فيها، وباتت الأوبئة تهدِّد السكان بسبب أكوام القمامة التي ملأت الشوارع.
ستنتهي حكاية حسن؛ لأنها حكاية قذرة، ولأن لديه اختلالاً صريحاً في مفهوم المواطنة، بل هو اعتلال شديد في ممارستها وتطبيقها، فمنذ أن ظهر حسن وحزبه، وهو يخوِّن وطنه لبنان، ويعمل على تدميره. خان “حسن” لبنان، الدولة والوطن والمواطنين، وارتبط بولاء معلن للمرشد في إيران.
خان “حسن” لبنان بترديد القول في خطاباته المتعددة بإسقاط الدولة اللبنانية؛ لتكون جزءاً من دولة الولي الفقيه، خان لبنان بارتكاب جرائم الاغتيالات والتفجير؛ لتحقيق المشروع الإيراني الرامي إلى تصدير الثورة الخمينية إلى البلاد العربية. خان العرب بعمالته المستمرة لإيران، والتدخل في شؤون البلاد العربية لتمزيقها.
خان “حسن” العرب جميعهم، وجعل من نفسه وحزبه ذراعاً لإيران، يهدِّد بها أمن لبنان، ويتعدى بها على أمن الدول العربية. خان السوريين، ووجَّه سلاح حزبه إلى صدورهم العارية، وحاصر مدنهم وقراهم، واستباح دماءهم، وأسرف في تجويعهم وتهجيرهم.
فهل تنطبق شروط المواطنة على “حسن” صاحب الحكاية؟
وهل يعترف “حسن” نفسه بها؟
وهل تتفق أفعاله مع شروطها؟
وهل وجوده وحزبه يصبَّان في مصلحة الشعب اللبناني؟
ألم يهدِّد حزبه منذ نشأته أمن لبنان؟
ألم يجعل من حزبه دولة فوق الدولة اللبنانية؟
ألم ترتفع أكوام القمامة في شوارع بيروت بسببه، وبسبب حزبه الذي شلَّ عمل الحكومة؟
قرار المملكة بوقف المساعدات المقررة للجيش اللبناني، وما تبقَّى من مساعدات لقوات الأمن اللبنانية، جاء في توقيت أبهج المواطنين السعوديين والخليجيين؛ لأنه عبَّر بوضوح عن الاستياء من المواقف اللبنانية المناهضة للمملكة.
لم تنقطع مساعدات المملكة للبنان في كل الظروف، وهو أمر يعرفه، ويقدِّره اللبنانيون، الذين بدأت أصواتهم ترتفع مستنكرة هيمنة حسن وحزبه على قرار الدولة اللبنانية، وتوافدت جموع اللبنانيين على السفارة للقاء سفير خادم الحرمين الشريفين، واستقال وزير العدل احتجاجاً، وعرض في بيان استقالته معاناته، وسوء الأوضاع بسبب حسن وحزبه.
وزارة الخارجية حذَّرت المواطنين من السفر إلى لبنان، وحثت الموجودين هناك على العودة؛ حرصاً على سلامتهم في هذا الظرف السياسي الاستثنائي.
وقفة: اللبنانيون جميعهم، اليوم، حكومة وشعباً أمام مسؤولية كبيرة، وتحدٍّ كبير؛ ليحموا دولتهم، فهل هم قادرون على طي الصفحات العفنة لحكاية حسن القذرة، ووضع نهاية حقيقية لها، نهاية تفتح باب الأمل لعودة الدولة اللبنانية حرة القرار؟

التعليقات (3):
  • ابوعبدالله الاصلي ٢٠١٦/٢/٢٥ - ٠٩:٢١ ص

    أسعدالله صباحك ياأستاذ عبد الله الشمري.....مقال متميز من كاتب متميز ....
    لكن قول الجابري عدم وجود لفظة مواطنه في قواميسنا العربيه...طبعا هذا بديهي ولا يحتاج إلى ذكاء
    لأن هذه القواميس ظهرت في فترات لخلافات اسلاميه متعدده مع تغيردولة الخلافه وحتى انهيار الخلافة العثمانيه كونها آخر خلافه اسلاميه.........
    أما مصطلح المواطنه لم يطهر إلا بعد ظهور الدوله القطريه دولة المواطنه .....وأصبحت هذه اللفظه تعني
    الولاء في ظل الدوله القطريه وخاصة بعد ظهور منظمة الأمم المتحده .......
    وهذا مصطلح يعكس سلوك المواطن المعاصر .....أما ظهور حسن نصرالشيطان في لبنان فإنه ليس بقوته وذكاءه؟!!!!...وإنما المستعمر كان يريد حماية للإقليه المسيحيه الحاكمه وحمايتها من الاغلبيه السنيه والتي لم يستطع تهميشها في تلك الفتره وخصوصا عندما كانت موجوده منظمة التحرير في لبنان ....وشجع المستعمر وجود سوريا التي تحكمها الأقلية العلويه المتمثلة في الاسد الأب وذهب ألى لبنان لإخراج الفلسطينيين من لبنان ولضمان الإقليه أن تكون على رأس الحكومه ؟!!!!.......................................

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٢/٢٥ - ١١:٢٠ ص

    أخي الأصلي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكر لك هذا المرور، وهذه الإضاءات المفيدة.
    ولكم تحياتي

  • saleh ٢٠١٦/٢/٢٥ - ٠٦:١٩ م

    مقال وافي يدين 'حسن'.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى