عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

الأخلاق منظومة مترابطة

جاء المعنى اللغوي لمفردة الأخلاق في «لسان العرب» لابن منظور على هذا النحو: «الخُلُقُ بضم اللام وسكونها هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أن صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها».
ويُعرِّفها عبدالقاهر الجرجاني «الخلق» اصطلاحاً، بقوله: «عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمِّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقاً سيئاً».
لا يأتي ذكر الأخلاق إلا ويتذكر المتحدث قول أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها وعن أبيها الصديق أبي بكر، وهي تصف خلق رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن». ويردد المتحدث كذلك قول أمير الشعراء أحمد شوقي، في بيته المشهور:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
تتكامل منظومة الأخلاق، وترتفع، وتقوى إذا وُضِع لها أساس متين، وأُحسِن تعاهدها، وتوجيهها في عملية بناء دائمة، وتهبط منظومة الأخلاق إذا انحرف مسارها، أو وُجِّهت إلى وجهة غير سوية، وإذا اختلَّ أساسها، أو أُعملت فيه معاول الهدم، تهاوت إيذاناً بسقوطها بشكل تام!
لا يختلف اثنان على أن عملية الهدم أسرع من عملية البناء، وأن عملية الترميم والإصلاح عملية شاقة، ومهمة صعبة.
من الأخلاق ما هو طبع، ومنها يتأتَّى بالتطبع، وهذا التطبع هو تعاهد النفس، وتدريبها على التخلُّق بكل فعل كريم، وتعاهدها عليه باستمرار كيلا تنحرف، أو تنتكس.
التطبع، أو التخلُّق، أمر يمكن للإنسان تعلمه، والتدرب عليه، فقد جاء قول الرسول، صلى الله عليه وسلم، فيه مفصلاً: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحِلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعطه، ومن يتقِ الشر يُوقه». ويذكر العلماء أن هذا الأمر يتأتَّى بالصبر حتى يصير طبعاً وسجية.
يقول الشاعر:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه
فقوِّم النفس بالأخلاق تستقم
أما الطبع، الموهوب، فمنحة من الله سبحانه للإنسان، فيكون بهذه المنحة الربانية حسن الأخلاق، طيب المعشر، حسن التعامل، محباً للناس، ومحبوباً عندهم، ذا طبع سويٍّ، وهي خصلة كريمة، وفطرة حسنة، ترفع صاحبها إلى درجة عالية في مجتمعه.
يتفاوت الناس في أخلاقهم، ويتباينون في طباعهم وسجاياهم، ويختلفون في القيم التي يحملونها، والمبادئ التي يلتزمون بها، ويتمايزون في مهاراتهم، وميولهم، وهي جميعها معايير في ميادين التمييز بين الأشخاص، والحكم عليهم.
يتحدث المتشائمون عن اندثار الأخلاق، واضمحلالها، بل انعدامها، ويقولون إن الكذب والغش والخداع والفساد والخيانة، هي التي سادت في سلوك الناس، وطغت على أخلاقهم، ويتحدثون ويتنبأون باليوم الذي يُنبذ فيه الصادقون، والأمناء، ويتقدم فيه الكاذبون والمخادعون والمنافقون.
هذه النظرة المتشائمة، يرددها بعضهم عبر المنابر، ووسائل الإعلام المختلفة، وفي المجالس، وفي الشعر، كما في قصيدة نزار قباني «هوامش على دفتر النكسة»، التي بدأها بالنعي، ويردد المتشائمون بحرقة اندثار الأخلاق، وتدنيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لا ضابط لها.
هذا التكرار، وتعميم حالات فردية بصفتها أحكاماً عامة على المجتمع، تساهم في الإخلال بمنظومة الأخلاق، وتضعف دور التربية، وتثبط الهمم، وتعزز الهزيمة النفسية.
لقد كان العرب في جاهليتهم يتحلُّون بصفات أخلاقية رائعة منها: الصدق، والعدل، والشجاعة، والكرم، والمروءة، والأمانة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
تُقسم الأخلاق إلى نوعين اثنين، الأول: خُلق حسن، يرتكز على الفضيلة، وحُسن الأدب، ويقود إلى أقوال وأفعال جميلة شرعاً وعقلاً، والآخر: خلق سيئ، يرتكز على الرذيلة، وسوء الأدب، وتنتج عنه أقوال وأفعال قبيحة شرعاً وعقلاً.
العلاقة بين النفاق والخوف، هي علاقة سيامية شديدة التعقيد، تستعصي على الفصل بأي مبضع، فلا نفاقَ إلا بسبب جُبن، أو خوف من ضياع مصلحة.
يقول مصطفى صادق الرافعي، في كتابه «السحاب الأحمر» عند حديثه عن المنافق: «لونُه في الحوادث ألوان، ودينه في المنافع أديان، ونفسه من الناس حشرةٌ في إنسان، وإذا عرفته نظرت إليه كما ينظر المهموم لما جرَّ عليه الهمّ، وإذا جهلته كان كالدواء المغشوش ذهبَ منه صوابُ العلاج، ووقع فيه خطأ السم».
وأضاف: «ويا ليت علم الأخلاق كعلم الجغرافيا، إذن لكان له من وجوه المنافقين مصورات ملونة…».
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
وقفة: لقد جاء أمرُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحُسن مُخالقة الناس عامة!

التعليقات (22):
  • الأخلاق ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٥:٠٩ ص

    والله يا كاتبنا يا صاحب الأخلاق الحميدة عبدالله الشمري إن مقالك أفضل مقال قرأته عن الأخلاق التي هي من صفات الإنسان السوي المستقيم الذي يحب الله ورسوله ويعمل بهدي المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
    والله ي يا كاتبنا الرائع إن مقالك جاء في وقته فنحن نشهد هنا بيننا بكل أسف من لا يعير أقوال نبي الهدى أي اهتمام مع أنه مسلم ويعلم أن الأخلاق من صفات المسلم
    عزيزي الكاتب لا أعرف كيف أشكرك على هذا المقال .

  • حامد ال ضفيري ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٦:٢١ ص

    قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
    انه والله نظام وقاعدة لبناء الشخص والامة بل العالم بأسره لو طبق.
    الامة بحاجة ماسة للاخلاق الا من رحم الله. شكرًا على الموضوع الأكثر من رائع.

  • عبدالعزيز ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٦:٢٨ ص

    إِني لتطربُني الخِلالُ كريمةً . . . . طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ
    ويَهُزُّني ذكْرُ المروءةِ والندى . . . . بين الشمائلِ غزة المشتاقِ 
    فإِذا رُزقتَ خَليقةً محمودةً . . . . فقد اصطفاكَ مقسِّمُ الأرزاقِ 
    والناسُ هذا حظُّه مالٌ وذا . . . . علمٌ وذاكَ مكارمُ الأخلاقِ 
    والمالُ إِن لم تَدَّخِرْه محصناً . . . . بالعلمِ كان نهايةَ الإملاقِ

    حافظ إبراهيم

  • ابوعبدالله الاصلي ٢٠١٦/٣/٤ - ١١:٠٣ ص

    جمعه مباركه ياأستاذ عبدالله ......لكن قمة الخلق الا تظلم (بضم التاء )لأن التسامح لايعتبر تواضع وخلق من ضعيف وإنما التسامح من القو ي هو قمة الأخلاق .....
    أما الاعتداء المعروف سلوكيا بعدم الخلق ....فإن الانظمه يجب أن تحكمه ويجب تواجد الانظمه الرادعه للمعتدي أما أن كنت تقصد بالخلق الابتسامه الطيبه والكلمة الطيبه فهذا خلق مع من يستحقه وتواضع ممن يمارسه ....
    أما أن كانت الابتسامه من ضعيف ومفروضة عليك فانها ليس ممارسة خلقيه.... وإنما استسلام في أدنى درجات الاستسلام ..... وهذا السلوك الأخلاقي الصادر عن قوة وعن ثقة بالنفس ينطبق في الممارسات السياسية بين الدول والأفراد والجماعات كما ينطبق بين الأفراد في معاملاتهم وسلوكياتهم اليومية .......
    لك تحياتي ياأستاذ عبدالله ....

  • الأخلاق ٢٠١٦/٣/٤ - ٠١:٠١ م

    كاد المريب أن يقول خذوني !

  • الأخلاق ٢٠١٦/٣/٤ - ٠١:٠٣ م

    لا فض فوك .

  • الأخلاق ٢٠١٦/٣/٤ - ٠١:٠٤ م

    رحم الله حافظ إبراهيم .

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٣/٤ - ٠١:٢٢ م

    الأخلاق
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لك الشكر على هذا المرور .. أعتز بشهادتك
    نسأل الله أن يحسن أخلاقنا كما أحسن خلقنا.
    ولكم تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٣/٤ - ٠١:٢٣ م

    أخي حامد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أتشرف دائمًا بمتابعتك وتعليقاتك
    لك التقدير والمحبة

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٣/٤ - ٠١:٢٦ م

    عبد العزيز
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    رحم الله حافظ إبراهيم الذي ذكرتنا به بهذه الأبيات الرائعة
    ولكم تحياتي

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٣/٤ - ٠١:٣١ م

    أبو عبد الله الأصلي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي الأصلي .... كل فعل حميد ذو مساس بمكارم الأخلاق ... التبسم التسامح الترفع العطاء الوفاء الصدق الأمانة .....
    ولكم تحياتي

  • ابوعبدالله الاصلي ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٣:٢٥ م

    الرجل العاقل ...يفرق بين الضعة والتواضع ...والخلق الكريم تكون قيمته اذا اتت من رجل قوي كريم ومتواضع
    تحياتي....

  • محب السلام ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٤:٣٠ م

    الأخ أخلاق،،، وأيضا كل إناء بما فيه ينضح

  • أحمد عسيري ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٥:٠٧ م

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    أحييك على هذا المقال الموفق النافع بإذن الله تعالى .
    جاء في كتاب الله قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وقوله تعالى :( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) فأثنى عليه بعظيم خلقه ، وأمره في الآية الأخرى بمكارم الأخلاق من أخذ اليسير ، والإعراض عن الجاهلين . والأمر له يتوجه أيضا لكل مؤمن . وقد جاء عند أهل التفسير أن من الخلق الكريم بسط الوجه ، وبذل الندى ، وكف الأذى ، ولين الجانب ، وإحسان الظن ، وحسن الكلام وغير ذلك من المكارم .
    ويكفي حسن الخلق شرفا وفضلا أنه أثقل شيء في الميزان مع تقوى الله .

  • ابوعبدالله الاصلي ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٦:٣٩ م

    سؤال في نفس ألموضوع. ... مغ تحياتي وتقديري ....هل ياأستاذ أحمد الخلق الكريم ينطبق أيضا على التعليقات والمعلقين وهل أنت انشاء الله متمسك بالخلق وبالمجامله واللطف بالردود مع الجميع أم فقط الخلق ولين الجانب مع الجماعه والربع؟!!!... ..
    أما الباقين فإن القلم مرفوع يقول المعلق كمايريد قوله بدون تقيد بالصفات الخلقية التي أشرت اليها في تعليقك أعلاه ؟!!....
    لك تحياتي...

  • أحمد عسيري ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٧:٣١ م

    أخي / أبا عبدالله الأصلي
    ألله يعلم
    ثم الكتاب والقراء يعلمون
    تحياتي .

  • ابوعبدالله الاصلي ٢٠١٦/٣/٤ - ٠٩:١٢ م

    صدقت أخي أحمد العسيري..... أن الله يعلم ثم الكتاب يعلمون ..وكذلك كل التعليقات موجوده في الصحيفه وثابت قول وسلوك وكلمات كل معلق من تعليقه وهل يطابق تعليقه السلوك والخلق القويم الذي أشرت إليه في تعليقك ؟!!!...وهل التعليقات التي في الصحيفه وموجوده لو رجعنا لها ...هل يمكننا أن نستغرب من كلمات نصحنا غيرنا بها ولكن قلنا مايناقضها للآخرين ؟!!!... فماذا سيكون موقفنا ؟!!!...
    إن التعليقات فقط في الصفحات الماضيه التي بسهوله يمكن الرجوع إليها .... سنجد أن البعض يندهش من مناقضة ما يدعو إليه عندما يجد تعليقه مختلف تماما؟!!!!..
    اللهم اهدنا جميعا إلى الخلق الكريم ولك تحياتي وتقديري ......

  • AAlmerabi ٢٠١٦/٣/٤ - ١١:٢٦ م

    أستاذي وسيدي وموردي: عبدالله الشمري.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    كم هو عظيم هذا المقال "المنتدى الأدبي الأخلاقي السامق الجامع الوافر الوارف!"، فلا حرمنا الله علمك وخلقك..
    إنْ كنت قد قلت: إنني أفخر بأني أتعلم بين يديك؛ فمقالك اليوم يشهد لي بأنني على حق.
    يحفظك ربي ويرعاك، وخالص التحايا لأستاذي الأديب الشاعر أحمد عسيري، وجميع قرائك الكرام.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٣/٥ - ١٢:٢٨ ص

    شيخي الجليل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تسعدني بمرورك وتغمرني بلطفك
    حفظك الله ورعاك

  • أحمد عسيري ٢٠١٦/٣/٥ - ٠٧:٢٤ ص

    مرحبا بصاحب الفضل والخلق والأدب الرفيع الدكتور / عبدالرحيم الميرابي .
    دمتم تنشرون الخير ، وتدخلون السرور على كل من يراكم أو يقرأ لكم .

  • مبارك الدوسري ٢٠١٦/٣/٦ - ٠٥:٠٠ ص

    مقال موفق يحث على مكارم الأخلاق التي يفتقد إليها بعض الناس.

  • محمداحمدمحمدادريس ٢٠١٦/٣/٦ - ٠٨:٣٤ ص

    متعنا الله وإياكمب الخلق الحسن


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى