عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

الارتقاء إلى «الرؤية»

تتكون منظومة العمل من ثلاثة أطراف رئيسية هي: العاملون، وإدارة المنشأة، ووزارة العمل، وترتبط جميعها بعلاقاتٍ تحقق بها أهدافها المشتركة. وقد نصَّ النظام بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (12) الصادر في الثامن من شهر محرم عام 1422هـ، على منح العمال الحق في تكوين لجان عمالية في أماكن العمل التي يعمل فيها مائة، أو أكثر من العمال السعوديين، وأكد على تمتع اللجنة العمالية بالاستقلالية التامة، إذ لا يجوز التدخل في شؤونها، أو التأثير على أعضائها الذين يمثلون جميع عمال المنشأة، ويرعون مصالحهم، كونهم منتخبين من قِبل العمال أنفسهم، ومعتمدين من قِبل وزير العمل، وهي لجان استشارية، تقدم التوصيات إلى إدارة المنشأة حول الأمور المتعلقة بظروف العمل، وتهيئ الأسباب المعينة على زيادة الإنتاج، وسبل تحديثها وتطويرها من خلال تطوير العامل في أوضاع صحية سليمة، وأداء جيد، وقد لقي السماح بتكوين اللجان العمالية ترحيب منظمة العمل الدولية، التي قامت بمباركته، ووعدت بتقديم ما يلزم من البرامج الفنية للاستفادة منها في سبيل تعزيز المعايير الأساسية لهذه المنظمة في مجالات الحقوق العمالية، ومن أهم الأهداف السامية لتكوين اللجان العمالية في المملكة: حفظ حقوق العمال، وتحقيق تطلعاتهم، واستيعابهم أنظمة العمل، واتباعها؛ لتحقيق علاقة إيجابية مستقرة بين العامل وإدارة المنشأة التي يعمل فيها، وتحقيق التواصل الفاعل والمثمر بينهما، وتعد هذه اللجان رافدَ دعمٍ قوياً لأنشطة وزارة العمل، التي تمثل الدولة بصفتها طرفاً أصيلاً في مثلث منظومة العمل، وقد أعطى النظام الرجل والمرأة، على حد سواء، الحق في المشاركة والترشح لعضوية اللجان العمالية، متقدماً في ذلك على نظام المجالس البلدية وسابقاً له.
ومما لاشك فيه أن إنشاء هذه اللجان في المنشآت المختلفة سيساهم في الارتقاء بالسلوك والوعي العمالي بين العاملين من الرجال والنساء من خلال التأهيل والتعليم والتدريب والتثقيف، والاستعداد المهني والإداري، وتطوير المهارات وتنميتها، وبناء القيم المثالية للعمل. وتكوَّنت تبعاً لذلك عدة لجان في شركات كبرى، وكان من بينها لجان فاعلة، وقد اختير عدد من أعضائها في الهيئة الاستشارية العليا، وشاركوا في مؤتمرات وندوات في داخل المملكة، وحضروا خارجها مؤتمرات منظمة العمل العربية، ومنظمة العمل الدولية.
وقدمت تلك اللجان استشارات جيدة لإدارات منشآتها، ووضعت لنفسها لوائح داخلية تنظِّم عملها بما يتفق ونظام وزارة العمل، لكن شركات أخرى عملت على «إماتة» تلك اللجان بشكل متعمد ومبرمج على مرأى ومسمع من المسؤولين في وزارة العمل، ولم تمكِّن عمالها من إعادة تكوين لجانهم بعد انقضاء الدورة الأولى، ولم تتدخل الوزارة في ذلك الشأن بجدية بل التزمت الحياد، وكأن الأمر لا يعنيها، وسَرَّ تلك الشركات ذلك، وساهم في إصرارها، وشجعها على التمادي في قراراتها.
لاتزال نظرة مترسبة ومسيطرة تهيمن على فكر بعض المسؤولين في وزارة العمل، وتلقى استحسان التنفيذيين في بعض الشركات والمؤسسات بانعدام خبرة العاملين بثقافة اللجان وأنظمتها وعملها، أو عدم تقبل المجتمع لها، أو الشكوك في تطبيق أهدافها، ولابدَّ من التحرر من تلك النظرة بدعم اللجان العمالية، وتطويرها ما سيسهم في نجاحها، وقيامها بدورها الفاعل، ضمن منظومة العمل، في رفع مستوى الأداء، وزيادة وجودة الإنتاج في المنشأة، وولاء العاملين لها، ومشاركتهم في نجاحها.
كل ما سبق هو من مقالي المنشور في عام 2012 في «الشرق»، بعنوان: «اللجان العمالية .. أجندة وزير العمل»، وقد مضت عليه أربعة أعوام تقريباً، بينما مضت خمسة عشر عاماً على موافقة مجلس الوزراء على نظام اللجان العمالية، ولا أعلم إن كان المجلس الاستشاري للعمل لايزال قائماً أم إنه آل إلى ما آلت إليه اللجان العمالية!
إن المتأمل لرؤية المملكة 2030، مشروع التحول الوطني، يدرك أنها جعلت العنصر البشري في المقدمة، وقد تجاوزت في عرضها بعض المفاهيم الخاطئة، التي سادت زمناً، بأن مجتمعنا غير مهيأ، أو غير جاهز، أو أن له خصوصيته… وغيرها من العبارات المحبطة التي اتخذها بعضهم ذريعة لرفض ما لا يتفق مع رؤيته الخاصة.
لقد أعطت الرؤية الفرصة لمراجعة كثيرٍ من الأنظمة والتشريعات، والإجراءات بشقيها النظامي والإداري وتسهيلها؛ لمعالجة البطء الذي كان يؤخر حركتها، أو يشلها في بعض الأحيان؛ لتتفق مع أهداف الرؤية، وتسهم في تحقيقها، كما أكدت الرؤية على مساعدة الشباب والمبدعين في تسويق أفكارهم ومنتجاتهم.
وقفة: إن إعادة تشكيل اللجان العمالية، بعد المراجعة الشاملة لنظامها وتطويره، وتشكيل المجلس الاستشاري للعمل، باتا ضرورة ملحَّة في هذه المرحلة من أجل الارتقاء إلى رؤية المملكة العربية السعودية 2030.

التعليقات (0):

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى