نادية الفواز

نادية الفواز

ما بين التعاطي والتغاضي

في «أولى بوابات» التعامل الإنساني، الذي يصنع الفارق في العلاقات بين أفراد المجتمع، لابد أن نفكر في تعاطي «أبجديات التغاضي» بصفتها نموذجاً للحكمة، والعقل، والثقافة المجتمعية في العلاقات مع الآخرين على المستوى الأسري والعملي والاجتماعي، وذلك لأننا لا يمكن أن نسلِّم جدلاً أنه لا يوجد مَن ينجو من الخطأ، وذلك ما أكده رسول البشرية عندما قال: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون». فالتغاضي يعتبر من أهم مفاتيح نجاح المعاملات الاجتماعية، بل يكاد أن يكون من أهمها وأكثرها دلالة على الذكاء الاجتماعي، يقول الإمام أحمد بن حنبل: «تسعة أعشار حُسن الخلق في التغافل». وأكد ذلك علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه، عندما قال: «إن نصف العافية التغاضي». وأورده جعفر بن محمد في قوله: «إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين عذراً، فإن أصبته، وإلا، قل لعل له عذراً لا أعرفه».
كل هؤلاء العظماء عادوا إلى هذه الصفة، ولم يجدوا غضاضة في استخدام هذه الحنكة في التعامل، التي يمكن أن تُبعد الإنسان عن تسجيل نفسه في مكان الرقيب الذي يقوم برصد الهفوات والزلات، ويعاقب ويعاتب ويُتعب نفسه في الفعل الرقابي، ويثير عديداً من الإشكاليات التي من الممكن أن يتلافاها بمجرد امتثاله لهذه الحكمة، التي سردها المتنبي على طريقته عندما أكد على ضرورة الابتعاد عن توافه الأمور، وعدم تهويلها، وتجاهل تتبع صغارها حين قال:
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
هذه الثقافة التغافلية لم تعبِّر يوماً ما عن ضعف الإنسان، ولا عن قلة حيلته، وعدم قدرته على محاسبة الآخرين، وتصفية حساباته معهم، وإنما تعبِّر عن تركه المستهلك والتافه، الذي يمكن أن يجلب له متاعب هو في غنى عنها، بينما يجب على الفرد أن يعرف متى وكيف يمكن أن يستخدم هذه الأداة بحيث لا تطغى على جل أموره، فيتغافل إلى درجة التفريط في الحقوق والواجبات والحتميات التي يجب المحافظة عليها من أموره الشرعية ومستوجباته الحياتية.
ولعل في انتقال هذه الثقافة إلى الجيل الجديد بطريقة «طنش تعش»، وهذه «الشكلية» التي يتبعها كثير من الناس ليشعر بالارتياح بعيداً عن مراقبة الآخرين، ومحاولة التغاضي، ونسيان متاعب الحياة لدرجة وصلت إلى الإهمال، ما لا يدخل في دائرة التغاضي بالتخلي عن المسؤوليات بفعل الـ «تطنيش» وتجاهل المهمات، وإنما يدخل في إطار الإهمال والتناسي وتغييب الأمور المهمة.
فمن أصعب الأمور التي تصعب الحياة معها وجود أشخاص ينصبون أنفسهم أوصياء بالعمل على جرد الحسابات في العلاقات، وإكثار اللوم والعتب والخلاف ما يجعلهم يعانون من «الخسائر الفادحة»، كما أنه من الصعب فهم التغافل على أنه غياب عن الواقع، والخروج من مسؤولياته بالتخلي، وترك الأمور دونما رقابة، وإنما يعتبر الاعتدال والحكمة والعقل في استخدام هذا السلاح سيد الموقف، يقول معاوية، رضي الله عنه: «العقل مكيال: ثلثه الفطنة، وثلثاه التغافل». وقال الشافعي، رحمه الله: «الكيس العاقل هو الفطن المتغافل».

التعليقات (0):

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى