عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

متلازمة تعاميم التعليم

* يعلق المجتمع آماله على وزارة التعليم، وتضع الأسرة أغلى استثماراتها – بنين وبنات – في مدارسها باعتبارها الوعاء الحاضن والآمن لصناعة مستقبلهم؛ ليكونوا قادرين على خدمة أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم ونهضة بلادهم، وتطورها في المجالات المختلفة …..

مضى على تأسيس الوزارة أكثر من ستة عقود، ومرت بتغييرين مهمين، وهي الوزارة التي عرفت باسم المعارف حتى عام 1424هـ، وكان يتندر البعض بنقط عينها في سنواتها الأخيرة.
كان التغيير الأول هو إلغاء مسمى وزارة المعارف وتسميتها وزارة التربية والتعليم، وهي الوزارة التي أسرفت في استخدام التعاميم فأربكت إدارات التعليم، وأشغلت العاملين في المدارس عن القيام بأعمالهم اليومية المعتادة، ولم تستطع تحقيق هدفها الكبير في القضاء على المباني المستأجرة حتى سماها البعض وزارة الترسية والتعاميم، أما التغيير الأخير – الحالي – الذي تمت تسميتها بموجبه وزارة التعليم فقد جاء بعد دمج الوزارتين.
لم تنته معضلة التعاميم بعد التغيير، بل أضحت متلازمة لا فكاك منها، فتغيير المسميات ليس كافيًا لإحداث نقلة حقيقية ما لم يتوفر له تحديد دقيق للمسؤوليات، ومنح العاملين في الميدان الصلاحيات اللازمة التي تمكنهم من تحقيق الأهداف.
لا أعتمد كثيرًا على ذاكرتي في بعض المعلومات، فدلفت من البوابة الإلكترونية لوزارة التعليم؛ لأتأكد من تاريخ تأسيس وزارة المعارف وفي ذاكرتي العام 1373هـ، ولكنني صدمت أثناء قراءتي هذه العبارة عن نشأتها: «في عام 1371هـ تم إنشاء وزارة المعارف في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، وكانت امتدادًا وتطويرًا لمديرية المعارف، وقد أسند إليها التخطيط والإشراف على التعليم العام للبنين في مراحله الثلاث..، وكان الملك فهد هو أول وزير لها»!
يعلق المجتمع آماله على وزارة التعليم، وتضع الأسرة أغلى استثماراتها – بنين وبنات – في مدارسها باعتبارها الوعاء الحاضن والآمن لصناعة مستقبلهم؛ ليكونوا قادرين على خدمة أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم ونهضة بلادهم، وتطورها في المجالات المختلفة.
لم يهنأ المعلمون والمعلمات بسبب تلميحات وتصريحات عن طول الإجازة الصيفية لهذا العام، ونسي هؤلاء الغابطون أو الحاسدون ما يعانيه المعلمون والمعلمات خلال عامهم الدراسي من مشقة وعناء ومخاطر الطرق وتجاوزات الطلاب والطالبات.
أتاحت وسائل الاتصال الحديثة للناس الخوض في كل شأن، وظن البعض أنفسهم خبراء في كل فن، يفتون فيما يعرفون ويخوضون بما لا يعرفون، ويقدمون النصائح العلمية والاقتصادية والسياسية وحتى الطبية، وينتقدون كل شيء!
زادت تصريحات أعضاء مجلس الشورى إلى حد كبير في كل شأن، وبعضها تصريحات لم تكن موفقة، ومن ذلك مطالبة أحد الأعضاء قبل سنتين بزيادة ساعات اليوم الدراسي من أجل تحسين مستوى الطلاب وشغل فراغهم بشكل مفيد.
ربما لا يعرف سعادة العضو المحترم عدد الساعات التي يقضيها الطالب/الطالبة على مقاعد الدراسة في العام، وما الجوانب التي تحتاج تحسينًا وتجويدًا، وكيف يشغل وقت فراغ الطلاب والطالبات، وهل يعرف سعادته أن البيئة المدرسية غير جاذبة بسبب ما تعانيه من قصور، وهل يعرف سعادته تكلفة الساعة الدراسية، وهل يدرك سعادته خطورة وجود الطالب أو الطالبة في المدرسة دون هدف تربوي دقيق وواضح تتوفر له كافة وسائل التنفيذ وأدوات النجاح والمتابعة والتقويم؟
كتب المهندس حمود الحربي – الأمين السابق لمجلس الجمعيات التعاونية – عبر حسابه في تويتر @h3m51 تغريدة قال فيها: «نحن بحاجة لتحسين بيئة التعلم… ونحن من الأعلى بالمتوسط العام للساعات الدراسية»، وأرفق مع التغريدة إحصائية شملت عدة دول منها الولايات المتحدة تبين تطابق عدد الأيام الدراسية والساعات في العام ومتوسط الساعات الدراسية اليومية بينها وبين المملكة.
وكتب حسن الشبعي عبر حسابه في تويتر @nwaf55 عن موضوع الأنشطة غير الصفية: «لا يوجد بنية تحتية مهيأة، فحتى الطالب وهو المستهدف الأول من الحصة يعتبرها مجرد حصة فراغ لا يشغف بها».
لم يحقق النشاط المدرسي – الذي كان مخصصًا له ساعة واحدة – أهدافه بحدها الأدنى لأسباب عديدة أكثرها ليست بسبب قصور من المعلمين والمعلمات ولا قادة/قائدات المدارس.
إن أفضل وسيلة لتخطيط أنشطة اليوم الدراسي المختلفة هي تلك التي تتم من داخل المدرسة وفق إمكاناتها الخاصة، التي يشترك في تصميمها معلمو ومعلمات المدرسة وطلابها وطالباتها لا تلك البرامج التي يضعها من لم يغادروا مكاتبهم، ولم يقفوا في الفصول الدراسية، ولم يعرفوا المعاناة اليومية للمعلمين والمعلمات.
إن قائد/قائدة المدرسة هم أول من يستغربون قرار وزير التعليم بتخصيص أربع ساعات أسبوعيا للأنشطة غير الصفية؛ لأنهم هم الذين سيعانون تبعاته المتعددة في الظروف الحالية لمدارسهم، وحالهم كمن ألقي في اليم مكتوفًا وطلب منه ألا يبتل بالماء!
وقفة: أنعمت وزارة التعليم على مديري المدارس ومديراتها بلقب: (القائد/القائدة) وظن المعنيون/المعنيات أن للقب الرنان أثره الفاعل في توسيع صلاحياتهم، وتمكينهم من العمل بحرية لتحقيق التميز في الميدان التربوي.

التعليقات (6):
  • مرام ٢٠١٦/٨/١٨ - ٠٦:٤١ ص

    النشاط أربع ساعات الحين و الطالبات كانوا يغيبون جماعي يوم النشاط و هو ساعة وحدة..
    و البرامج المطالبين بتنفيذها في النشاط مملة أصلا.. و لا فيها شي يجذب الطالبة..
    غير المبنى المستأجر و النشاط في ساحة البدروم و الحر و القرف..
    حسبنا الله و كفى.
    شكرا أستاذنا..و ترى الوزارة أذن طين و أذن عجين ما حولك أحد.

  • مصطفى نمر ٢٠١٦/٨/١٨ - ١١:٤٠ ص

    الحمد لله على السلامة يا أبا أسامة.
    أشكرك على هذا المقال النابع من واقع
    المدارس.
    حصة النشاط ستكون عبئًا جديدًا على
    المعلمين والطلاب والجدول الدراسي، بالإضافة
    إلى قادة المدارس الذين سيتحيرون في
    كيفية إشغالها.

  • عايد الشمري ٢٠١٦/٨/١٨ - ١٢:٣٣ م

    الاستاذ عبدالله مهدي. لفته كريمة بقلم قامة شامخة كشخصكم. لدية دراية ومعرفة واسعة حول التعليم ومعاناة اصحاب الميدان .. صدقتم في كثرة التعاميم المخيفة والمربكة.
    كما تفضلتم بحصص النشاط وفق ميزانية محدودة جدا. فالميزانية لايعلم قائد المدرسة أين يوظفها. على المبنى او المستلزمات التعليمية او الأنشطة. فطالب الثانوية. اصبح لايتماشى معه شي تقدمه له بمبلغ زهيد ... هناك الكثير من المدارس لايوجد بها رواد نشاط أصلا ... وتفضلتم بتغيير مسمى قائد /ة وماصاحبه من تغييرات. الواقع يقول لم يتغير شي. يجب ان نعترف بالفعل مدارسنا بيئة طاردة خاصة وأن الطلبة يقضون وقتا طويلا بالمدرسة. كنت حاضرا أحد السنوات في معرض الكتاب وقدم إلينا برفسور من نيوزلندا واختصر رحلتهم. وقال : تقدمنا على العالم بالآتي:-
    اختيار القادة- منحهم الصلاحيات/ ومن ثم منحهم المادة
    وكذا الحال في سنغافورة. ومازالت لدينا عقدة التعاميم التي لاتنتهي .. نأسف الاطاله وتقبل تحياتي

  • محمد احمد العنزي ٢٠١٦/٨/١٨ - ٠٤:٢٢ م

    كنت دوما ولا ازال اردد بتنهيدة من القلب....(لك الله يا معلم )

    شكرا بواسامة ....ما يحس بالنار الا رجل واطيها...و دمتم..

  • هايل الشمري ٢٠١٦/٨/١٩ - ٠٤:٣٧ م

    شكرا ابواسامه على المقال الأكثر من رائع لامست فيه الواقع المعاصر
    هم في مكاتبهم يخططون ويصدرون الاوامر وهم عن الميدان بعيدين
    مقال اثلجت به صدورنا وسطرت فيه واقعنا

  • أمجاد الشمري ٢٠١٦/٨/٢٠ - ٠٤:٥٣ ص

    بصراحة المسكين والمظلوم هو المعلم مطلوب منه أن يوفر كل شيء وأن يقوم بتجهيز البرامج وتفعيل الأنشطة وعلى حسابه الشخصي ويحاسب في المدرسة على كل كبيرة وصغيرة .، يُكلف فوق طاقاته وإمكانياته وفوق حتى ماهو مطلوب أساسًا منه ..؟ في الوقت الذي لابد من أن يوفر فيه المعلم طاقته ومجهوده الشخصي لحصته ومادته العلمية وطلابه يجد نفسه إجيارًا يستنفذ طاقاته بأشياء أخرى لا تعود لا على الطالب ولا المعلم ولا على البيئة المدرسية بأي فائدة وقيمة


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى