عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

صِرَاعُ الجَنَائز

رحلة الإنسان في العصر الحاضر بين شهادتين رسميتين لا غنى عنهما، فهو عندما يصل إلى هذه الحياة باكيًا يسارع ذووه للحصول على شهادة ولادته التي يبدأ بواسطتها الاعتراف به، ويأخذ رقمًا في السجلات الرسمية للحصول على حقوقه في الرعاية، وعندما يغادر هذه الحياة يحصل ورثته على شهادة وفاته، وقد تكون الشهادة الأخيرة عند بعض سببًا لخلاف بين الورثة على ما ترك الراحل أو هروبًا مما في ذمته من حقوق للآخرين!
كان الناس قديمًا هم الذين يقومون بتغسيل موتاهم ودفنهم، ثم بدأت الأعمال التطوعية في المدن لتجهيز الجنائز، أما اليوم فقد أصبح هذا الدور منوطًا بشكل رسمي بالبلديات، ووضع له نظامًا وإجراءات خاصة، وتم تعيين الموظفين والموظفات، ووفرت التجهيزات اللازمة، ووسائل النقل.
أغلب مغاسل الموتى تقع ضمن مرافق الجوامع، وجاء بعضها بتبرع من متطوعين، ممن قاموا ببناء تلك الجوامع، أو أولئك الذين أضافوا المغاسل في جوامع قائمة، وهو عمل فيه مصلحة عامة للناس إلا أنه خلق بعض المشكلات.
من تلك المشكلات، أن بعضًا ممن قاموا ببناء الجوامع أو أشرفوا على بنائها نيابة عن متبرعين أو قاموا ببناء وتجهيز مغاسل الموتى في بعض الجوامع القائمة عدوا أنفسهم قيمين عليها، وأصبحوا أوصياء يتدخلون في شؤون إدارتها بشكل غير مقبول.
أليس من الواجب فك العلاقة بين الذي يبني المسجد وبين إدارته، وأن تُنهي علاقته نهائيًا به بمجرد تسليمه لوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، حيث تختص وكالة المساجد والدعوة والإرشاد بكافة شؤونه؟
إنه غير مبرر بأي حال أن يشرف على المسجد، ويتصرف في شؤونه من لا صفة رسمية له، فهذه الحالات عندما تقع فإن الجهة المختصة – دون شك – قد تخلت عن دورها، وأخلت بمهامها ومسؤوليتها، وأن هذا الأمر لا يحدث ويبرز كمشكلة إلا عندما يتقاعس المسؤول أو يتهاون أو يجامل أو يضعف في أداء واجبه!
ألا توجد معايير لدى وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد ووزارة الشؤون البلدية والقروية يتم على أساسها اختيار المساجد التي توضع فيها مغاسل الموتى؟
أليس للجهات الأمنية المعنية – الشرطة، المرور، الدفاع المدني – رأي في وضع المعايير اللازمة لاختيار الجوامع المناسبة؟
ألا يقع ضمن معايير الاختيار سهولة الوصول لتلك الجوامع، ويسر الحركة المرورية حولها، وتوفر المواقف اللازمة، وعدم الإضرار بمجاوريها؟
هل رفض أئمة الجوامع المؤهلة لاستقبال الجنائز هو بسبب عدم رغبتهم رؤيته الجنائز أم هو خوفهم من انكشاف أمر عدم وجودهم الدائم؟
وهل إدارة المساجد ملزمة بموافقة أئمة الجوامع على وجود مغسلة الموتى؟ ولمَ تقف على الحياد إذا تعارضت مصالحهم الخاصة مع المصالح العامة للمجتمع؟
لا أظن صراعًا على استقبال الجنائز أو هروبًا منها يحدث في مدينة مثل الخفجي، إنه صراع يستحق دراسة بحثية معمقة؛ للوقوف على أسبابه، ووضع التوصيات اللازمة لعلاج المتصارعين.
جامع هو أكبر جوامع المدينة رفض إمامه بشدة أن توضع مغسلة الموتى فيه، وهو أمر يضع تساؤلات عدة، خاصة أن الجامع في مركز المدينة، وتحيط به مواقف لا بأس بعددها، ولاتزال الفرصة مواتية لتدارك أمر المواقف بمطالبة البلدية والمجلس البلدي بتحويل سوق الخضار الحالي إلى مواقف عامة ترفد مواقف الجامع بعد افتتاح سوق الخضار الجديد.
وجامع آخر سعى إمامه بكل طاقته وجمع التوقيعات لمنع إنشاء مغسلة للموتى فيه – رغم أن الجامع الذي يؤم فيه يتميز بكل الإمكانات التي تؤهله لاستقبال الجنائز – حتى تم حسم الأمر بقرار من المحافظ بتكوين لجنة من عدة جهات أوصت بإتمام أمر المغسلة وافتتاحها بعد أن وقفت على المكان، ولا يزال الجامع أفضل خيار في المدينة لاستقبال الجنائز وتجهيزها لحسن الموقع ولسعة المواقف، ويسر الحركة المرورية.
أنشئت قبل سنوات مغسلة للموتى في جامع يقع على دوار في المنطقة الصناعية، ولم يستفد منها بسبب عدم توفر المواقف، وتكرر ذات الخطأ مؤخرًا بوضع مغسلة في جامع جديد يتحول الدوار الذي يقع عليه إلى مواقف عشوائية تشل الحركة المرورية!
عانى السكان المحيطون بجامع عبد الله بن مسعود في حي العزيزية سنين عديدة من وجود المغسلة في الجامع بسبب ضيق الشوارع المحيطة بالجامع، وعدم توفر المواقف حيث تتحول الشوارع الصغيرة إلى مواقف طولية فيستحيل عليهم الوصول إلى منازلهم أو الخروج بسياراتهم عند الضرورة، ويعاني أطفالهم – بنين وبنات – عند عودتهم من مدارسهم معاناة شديدة.
وقفة: جعل بعض الناس نفسه مراسلًا لأخبار الوفيات، يمسك هاتفه بمجرد سماعه خبر وفاة، ويأخذ ببث الرسائل دون مراعاة لظروف أسرة المتوفى!

التعليقات (4):
  • محمّد الحويل ٢٠١٦/٨/٢٥ - ٠٨:٢٣ ص

    لولا الله ثمّ أهل الخير لبقيت مساجدنا على مبنى الشايب بمساحة 5×8 وجهود اهل الخير تذكر فتشكر والوزارة دورها مثل
    لكن أن يصل المحسن لدرجة الوصاية على منع إقامة شعيرة صلاة الميت وإكرامه بالغسل فهذا عمل غير صالح؛ وقفز بوصايته على فضل أجر من حضر الصلاة وتتبع الجنازة وقيراطيّ الأجر

  • مخلد الظفيري ٢٠١٦/٨/٢٥ - ١١:٠٨ ص

    لا شك يا استاذ عبدالله انك اثرت نقاط جدآ مميزة وجميلة
    ولكن لدي تعليق على نهاية المقال بالوقفة بأن بعض الناس ينقلون اخبار الوفاة دون مراعاة اهل المتوفي ..!
    على العكس تماما بل انهم من خير الناس هؤلاء فلا تستغرب من تعليقي المضاد لهذة الوقفة فهم ناس تعاونوا وتكاتفوا على إبلاغ جماعتهم واقربائهم على وجود ميت لهم وعليهم مؤازرة أهل الميت في مصابهم ومساعدتهم في تحضير جنازته وتقديم المساعدات كافة ، فنحن يا استاذي الكريم نجري في لقمة العيش وإنشغالنا في الجري وراء الدنيا وهذا بلا شك من تعاستنا ..
    فلا تلوم تلك الفئة الإخبارية على حد تعبيرك بل انا اراهم يقدمون عمل إنساني جليل ، وأهل الميت ليس لديهم سواء مصيبتهم ، والواجب ان هناك من يؤازرهم في بلواهم فلا احد يعلم من الناس الا من خلال المراسلين ههههه
    شكرآ لك استاذي الفاضل

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٨/٢٥ - ٠٢:٣٣ م

    الأخ محمد الحويل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    باب الخير مفتوح وهو واسع لمن أراد الدخول فيه ونوال الأجر، ما يحدث صراع حقيقي غير مقبول حتى أن الأمر وصل للتنازع ووضع جدول توزع فيه الجنائز في أيام الأسبوع لترضية جميع المتصارعين.

  • عبد الله مهدي الشمري ٢٠١٦/٨/٢٥ - ٠٢:٣٨ م

    الأخ مخلد الظفيري
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن ما عنيته في الوقفة التي توقفتَ أنت عندها لا أقصد به إخبار الناس بموعد الجنازة بل ما يحدث من نشر الخبر قبل أن يعلنه ذوو الميت.
    إن لأهل الميت ظروفًا خاصة بهم لا يعرفها البعيدون، وقد يرون تأجيل خبر الوفاة لساعة أو أكثر لترتيب مهم لهم إما لوجود غائب أو مريض وغيرها من الأسباب.
    ما أعنيه هو إعلان الخبر لا نشره
    ولكم تحياتي


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى