نادية الفواز

نادية الفواز

مواسم الصحو

سيأتي يوم تستيقظ فيه الأرض على ميلاد الربيع، فمهما أجدبت حقولنا ومواسمنا سيكون هناك متسع لمواسم الصحو التي تستيقظ فيها الأعياد وتحلق العصافير والفراشات عاليا. سيأتي يوم نقف فيه بين حقول القمح والحنطة وبين أوراق الياسمين، ونطل فيه من شرفات الغد المقبل، ذلك الذي لا نعرفه سوى بلمحات الأمل الذي ينبت كالأعشاب سريعا بين أقدامنا إذا ما جفت الأقلام وانزوينا قليلا بعد خيبات الأمل، ونحن نتوارى عن الأعين كي لا ترانا ونحن مكسورون نحاول الهرب من مواجعنا وآلامنا نحو حقول النسيان.
سيأتي يوم لذوبان الثلج ولشروق الشمس العنيدة؛ لتقول لنا دائما إن الرجاء في طلب السعادة لن ينقطع، وإنك حينما تقرأ في وجوه البشر ملامح اختلاف الرؤى فإنك تقرأ هذه المواسم في وجوههم التي تحكي الفارق بين ما يحصلون عليه ويطلبونه. لا أدري كيف يمكن أن نتعلم فضيلة الصبر ورحابة الانتظار، وأن نتيقن أن متاعبنا لن تدوم، وأن أفراحنا قد تجففها شمس الحقائق وحرارة الظروف، ولكن علينا أن نصنع لأنفسنا دائما مواسم تهطل صحواً وأملاً بغد يمكن أن يجلب لنا بعضاً من قطرات المطر.
وأنت تمر عبر الطرقات توقف قليلا لتنظر في اختلاف الوجوه ونظرات العيون، توقف قليلا كي تقرأ ما تريده من وجوه البشر، فعندما تزور مدينة مكتظة بالناس لا تتأخر أن تبحث في عيونهم عن ملامح الإصرار على الحياة، لا تتأخر أن تقرأ نفسك بين هذه الوجوه لتعرف من يشبهك، هذه الوجوه مواسم للصحو تستيقظ في صباحات الأمكنة لتصنع رغيف الحياة راكضة نحو المستحيل الذي يتحقق بفعل «الأمل»، ذلك الغد الغامض لا يعرف غيبه سوى الله، وهذا أجمل ما فيه أننا ننتظر في كل مرحلة موسماً مختلفاً قد تغيب فيه الشمس وقد تشرق، وما بين غروبها وشروقها تنضج الحياة بحكمة ربانية عظيمة تمنح الآمال في صناديق الهدايا لمفاجآت القدر التي لا تفكر في الفارق بين ما نريد وما لا نريد، فهي تترك لنا ميراثها في كل الأحوال، وما علينا سوى أن نقبل ونبدأ في البحث عن مفاجآت جديدة تدخل البهجة ومواسم الفرح إلى قلوبنا دون يأس أو ملل، هذا الأمل ليس كبسولة أو حقنة يمكن للإنسان أن يحصل عليها من صيدلية الحياة، إنه ينبوع داخلي وجداني يتدفق في دواخلنا، وبلسم لعلاج جروحنا بهذه الضمادات التي نرمم بها ما انعطب من الوجدان والذاكرة، إنها هبة ربانية عظيمة يمكن أن تجدها مستيقظة عندما يحل الجدب وتنقطع سبل الحياة؛ لتعيد إلى القلوب الحياة والرغبة في المحاولة من جديد والسعي لآخر رمق لتحقيق الأمل.

التعليقات (1):
  • ابو أيمن ٢٠١٦/٩/٨ - ١١:٥٨ ص

    لا يستطيع القارىء الا ان يقف مشدوها امام اللغة الشاعرية ، لاتبدو هذة مقالة نثرية بل قصيدة شعرية محلقة ، ابتدأت بالكلمة والعبارة الجميلة سياتى يوما تستيقظ فيه الارض ، وكأنها تعيدنا الى أغنية فيروز سنرجع يوما الى ارضنا ، وتكرر الامر فى استخدام كلمة مواسم عدة مرات وكان القارىء يتجول بين الحقول والاشجار والأزهار ، لا استغرب ان كان الأساس هو الشاعر وليس الاعلامى والصحافة


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى