عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

قنديل لم ينطفئ

* عرفوه منذ أوائل السبعينيات الميلادية – مدرسًا للرياضيات، وقد كان له من اسمه نصيب، فهو قنديل يضيء بلا كل ولا ملل، كان مثالًا للمعلم المخلص الأمين، كان منصرفًا للتعليم بكل قواه ……

في كتابه «زاد المعاد في هدي خير العباد» يقول ابن القيم «لما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها ارتباط وتناسب، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك، والواقع يشهد بخلافه، بل للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح والخفة والثقل واللطافة والكثافة»، واستشهد بالبيت التالي:
وقلما أبصرت عيناك ذا لقب **
إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
زرتُ الأستاذ علي قنديل في منزله بمدينة القاهرة، زرته في السابع من سبتمبر الجاري، والأستاذ قنديل اسم يعرفه كثيرون من أهل الخفجي – عرفوه منذ أوائل السبعينيات الميلادية – مدرسًا للرياضيات، وقد كان له من اسمه نصيب، فهو قنديل يضيء بلا كلل ولا ملل، كان مثالًا للمعلم المخلص الأمين، كان منصرفًا للتعليم بكل قواه، بدأت معرفتي بهذا المعلم الرائع في عام 1981 وما تزال، عرفته معلمًا، وعملنا معًا لسنتين في مدرسة واحدة.
يقول: كان قدومي للمملكة مدرسًا عام 1970 م في الطائف، وبعد أن أمضيت العام الأول تم نقلي إلى المنطقة الشرقية، وعند مراجعتي لإدارة التعليم في الدمام خيرني المسؤول بين الدمام والخفجي، وأعطاني فرصة للخروج والسؤال، فوجدت مجموعة من المدرسين في الخارج، وسألتهم عن الخفجي، فنصحوني باختيارها، وقالوا لي: فيها دور للسينما، ومطعم مجاني تابع لشركة الزيت اليابانية، وبالغوا في وصف المزايا التي تتوفر فيها، فعدتُ مسرعًا وطلبت تحويلي إليها، فعشتُ فيها حتى مغادرتي المملكة، وما تزال هي وأهلها في قلبي وعقلي وذاكرتي.
عرفت الأستاذ علي قنديل – ويعرفه كثيرون – رجلًا قويًا جلدًا مخلصًا وفيًا لمهنته وأمينًا عليها، لكن عينيه دمعتا بسخاء وهو يتذكر الخفجي وأهلها، ويسأل عن كثيرين.
كتبتُ تغريدة: «تشرفتُ اليوم بزيارة أستاذي علي قنديل – متعه الله بالصحة – في منزله بالقاهرة، وقد دمعت عيناه وهو يتذكر الخفجي وأهلها»، ومن بين التعليقات – بتصرف – على التغريدة:
قال عبدالله عسيري: هو معلم أفنى زهرة شبابه في الخفجي، كان وفيًا لمهنته وصادقًا مع تلاميذه، محبوبًا لدى شرائح المجتمع.
وقال فواز أبو زهرة: جزاك الله خيرًا على زيارتك لأستاذ الخفجي الذي درّس أجيالًا، ثق ثقة تامة بأن زيارتك له أثلجت صدره.
وقال حافظ العنزي: أنعم وأكرم، لوحة عنوانها الوفاء، حبرها الإخلاص والأمانة، امتزجت بالنزاهة وعزة النفس، ذلك الأستاذ علي قنديل نادر في زمانه.
إن الحديث ذو شجون – كما في المثل – فقد توالت الرسائل عن التعليم قبل بداية العام الدراسي، في شؤون شتى متعلقة بالتعليم والتربية، ومنها رسالة بعنوان «علميني يا أمي – علمني يا أبي»، ومقال منسوب للدكتور خالد المنيف بعنوان «مقارنة بين جهدين» ورسالة منسوبة إلى الراجحي – وواضح أن المقصود هو الشيخ سليمان الراجحي – يحكي فيها قصة معبرة عن طفولته وأثر معلم فلسطيني في حياته، كما وصلتني رسالة من الأستاذ محمد بودي – رئيس نادي المنطقة الشرقية الأدبي – تتضمن نصين رائعين، الأول: يتحدث فيه معلم عن موقف بل مواقف في مسيرته التعليمية تركزت على حالة طفل في بداية دخوله المدرسة، والآخر: يتحدث فيه الطالب بعد أن قرأ رسالة معلمه التي وصلته كغيره من الناس، وذكر الطالب في نهايتها أن اسمه ماجد!
وجاءت بعض الرسائل في التخطيط ومقارنة تعليمنا بتجارب الدول، ومنها مقطع فيديو في دقيقتين، بعنوان: «كيف تغلبت فنلندا على فشل التعليم» ويبين التركيز على إتاحة الفرصة للأطفال بالاستمتاع بطفولتهم، والسماح لهم بعمل ما يحبون، وأن الواجبات المنزلية مصطلح عفا عليه الزمن، ومع ذلك لديهم أقصر يوم دراسي في العالم.
ومن بين تلك الرسائل قصيدة أرسلها الصديق أحمد التريكي، ولكنه لم يذكر قائلها، أقتطف منها هذين البيتين:
معلم النشء لا تنساك ذاكرتي **
فأنت في نظري التاريخ والقدر
مقامك القلب عرش أنت تسكنه **
وأنت أنت فداك العين والبصر
في تغريدة قبل بدء الدراسة بيوم واحد للأستاذ مبارك العصيمي – المتحدث باسم وزارة التعليم – يقول فيها: وصل حتى الآن عدد الطلاب المستجدين في الصف الأول الابتدائي (414933) طالبًا وطالبة.
يتجددُ شوقي – مع بداية كل عام – لمهنة التعليم التي غادرتها، وقد قلتُ: لقد غادرتُ مهنةَ التعليم لكنها لم تغادرني!
وقفة: علاقة الأستاذ «قنديل» بالتعليم علاقة سيامية شديدة التعقيد، إنها حالة تستعصي على كل مباضع الجراحين الحاذقين، لقد كان له من اسمه نصيب!

التعليقات (2):
  • ابو أيمن ٢٠١٦/٩/٢٢ - ٠٨:١٦ ص

    التدريس والتعليم هو عشق بين المعلم والمهنة والبعض من المدرسين يشعرك انه يعشقها برغم عدم تناسب الجهد مع العائد المادى ، وكل أب لابد له ان يكون معلما حتى ولو كان طبيبا او مهندسا لأنه بلا شعور يجد نفسه يقف موقف المعلم وهو ينقل المعلومة الى أبناءه ومن هنا تجد الامتنان والشكر للمعلمين ، لان الأب يقوم بتوجيه طفل واحد فما بالك بمن يرعى الآلاف من العقول الصغيرة ويوصلها الى قمة سلم المسؤولية

  • الدكتور عبدالرحمن عبدالله الواصل ٢٠١٦/٩/٢٢ - ١١:١٥ م

    أخي الأستاذ عبدالله الشَّمري: تحيَّاتي: مهنة التعليم أشرف المهن البشريَّة، والمعلِّم الصادق مع نفسه ومهنته المخلص في أمانته وفي جهوده هو المعلِّم الذي لن ينسى في دوره التعليميِّ والتربويِّ، ولكن للأسف هذه المكانة لمهنة التعليم وللعلِّم تأثَّرت سلباً بمتغيرات كثيرة أوَّلها دخول أعداد كبيرة جدّاً ممن عملوا في التعليم دون أن يكونوا قادرين على النهوض بواجبات المهنة ومسؤوليَّاتها فانعكس ذلك تأثيراً سلبيّاً في نظر الطلاَّب وأولياء أمورهم ممَّا أدَّى أحكامهم السلبيَّة على مهنة التعليم وعلى المعلِّم، ولن تنهض أمَّة إلا بتعليمها ولن ينهض تعليم إلا بالمعلِّم ولن ينهض معلِّم إلا بشعوره بأهميَّته الاجتماعيَّة وبقيمة مهنته ودوره في المجتمع، ومتى استعاد لوطن هذا سنرى أعداداً كبيرة ممَّن هم قناديل في بلادي، تحيَّاتي لأخي عبدالله الشمَّري وككِّ معلّمٍ صادق مع نفسه ومهنته مخلص في أمانته وفي جهوده، ولكلِّ معلِّمة صادقة مخلصة، وللمسؤول في الميدان التعليميِّ الذي كان معلِّماً صادقاً مخلصاً وما زال كذلك في مسؤوليَّته.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى