عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

قطيع الأفيال

استوقفه مشهدٌ عجيب -أثناء تنزُّهه في حديقة الحيوان- إذ رأى جميع الأفيال قد رُبطت قوائمها الأمامية بحبال ضعيفة يسهل عليها التحرر منها، وتُركت في الحديقة، وتضاعفت حيرته وهو ينتقل ببصره من فيل إلى آخر، وأخذ يلح عليه السؤال: ما الذي يمنع هذه المخلوقات الضخمة القوية من أن تتخلص من هذه الحبال الواهية والهرب إلى خارج الحديقة؟
كان لا بد له أن يسأل حارس الأفيال الذي أجابه قائلاً: إنهم يربطون الأفيال وهي صغيرة بهذه الحبال الضعيفة التي يستحيل عليها في تلك السن أن تتحرر منها، وعندما تكبر يكون قد رُسخ في ذهنها استحالة كسر قيودها بعد أن فشلت مراراً في التحرر منها -وهي صغيرة- حيث تعتقد أن الحبل ما زال قوياً ويستحيل عليها التخلص منه على الرغم من أنها في الواقع قد أصبحت أقوى، فتيأس وتتوقف عن المحاولة، وتقبع في مكانها بهدوء!
هذه المقدمة مقتبسة -بتصرف- من موضوع قديم منشور منذ حوالي عشر سنين بعنوان: «الإنسان ليس فيلاً» قرأته في هذا الأسبوع.
يقول ابن منظور في كتابه المشهور «لسان العرب»: الفِيلُ معروف، والجمع أَفْيال وفُيُول وفِيَلة، ويضيف ابن السكيت: ولا تقل أَفْيِلة، والأُنثى فِيلة، وصاحبها فَيَّال.
تذكر الموسوعة الحرة أن للفيل سمات كثيرة منها: أنه يتميز بذاكرة قوية تعي الأشياء والأماكن لسنوات عديدة، وأنه يستثمر تلك الذاكرة في الوصول إلى المياه في فترات الجفاف، كما يتميز بحاسة شم قوية تمكنه من التعرف على مصادر المياه والأعداء كذلك، وتحنُّ الأنثى على ولدها كثيراً، وتدافع قائدة القطيع عن جميع الصغار في حالة تعرُّضهم للخطر، فالصغار مسؤولية القطيع بأكمله يدافع عنهم جميعاً، ومجتمع الفيلة مؤلف من بنية بالغة التعقيد، إنه مجتمع تراتبي يرتكز بشكل أولي على السن، وتحتل فيه جميع الفيلة الصغيرة رتبتها بشكل تدريجي، وعليها تعلُّم إشارات اجتماعية وممارسة آداب الجماعة، وإظهار الاحترام للفيلة التي تكبرها سناً، والأم الرئيسة هي محور مجتمع الفيلة، وتنشأ حولها روابط العائلة، فهي التي تقرر وجهة العائلة يومياً ووقت نومها وساعة توقفها عن الأكل، وما ينبغي فعله في أوقات الخطر، وقطعان ذكور الأفيال أقل انضباطاً وتعاوناً وترابطاً من الإناث، وتهيم بشكل منفصل عن إناثها، إلا أنها تتواصل معها بتواصل تحت صوتي وهي أقل تعقيداً من قطعان الإناث، ويخشى الفيل النار والأصوات العالية، ولذلك فعند هجوم الأفيال على المزارع، يسرع المزارعون الآسيويون بحمل شعلات نارية، كما يطرقون على صفائح معدنية، وعندما تشعر الأفيال بقرب موتها أو بالإنهاك فهي تذهب إلى أماكن المياه، وقد تموت هناك، وبتراكم العظام يصبح ما يسمى مجازاً بمقبرة الأفيال، والفيلة عاطفية جداً فيما يتصل بالموت، ويظهر توترها وخوفها إذا ما رأت جمجمة فيل آخر، تماماً مثل الإنسان.
استضاف برنامج «الثامنة» وزيرين ونائب وزير في الأسبوع الماضي، وسماه بعضهم برنامج «الصدمة» بسبب ما تضمَّنه الحوار من فجوة كبيرة بين طموح المواطنين والطريقة التي يفكر بها بعض الوزراء ونوابهم، ويعملون على أساس منها.
موضوع الإفلاس الذي أطلقه معالي الأستاذ محمد التويجري -نائب وزير الاقتصاد والتخطيط- كان صدمة قوية للمواطنين الذين انتظروا خروج مسؤولين كبار على شاشة التلفاز فخاب أملهم بأول لقاء، إلا أن التويجري عاد ليؤكد في ذات البرنامج أن كلامه كان زلة لسان، وأن التعبير خانه، وما زاد الطين بلة ما قاله معالي الأستاذ خالد العرج -وزير الخدمة المدنية– بأن الموظف لا يعمل سوى ساعة واحدة، وتأكيده بأن ذلك –حسبة محسوبة- مستنداً إلى دراسة قديمة انتُقدت في وقتها؛ لمخالفتها أصول البحث العلمي الصحيح.
في لقاء تليفزيوني مع الدكتور عبدالرحمن الراشد آل عبداللطيف -رئيس دار ابن خلدون للبحوث والدراسات الاستشارية- قال إنه لا يعرف نائب الوزير معرفة شخصية، لكن قوله بموضوع الإفلاس يؤكد أنه قادم من خلفية لا علاقة لها بالاقتصاد.
انصرف كثير من الناس عن تفنيد قول الوزير والنائب حول الإفلاس والساعة إلى شخصيهما، فتم تداول أن النائب بدأ حياته العملية طياراً، وتخرج في كلية الملك فيصل الجوية، وأن الوزير تم الاستغناء عن خدماته في إحدى الشركات الوطنية قبل سبعة عشر عاماً، بل تعدى البحث إلى الوظيفة التي يعمل بها ابنه حالياً.
وقفة: يكبر الفيل ويقوى وتستمر حالة عجزه في التخلص من الحبل الواهي الذي يقيِّد حركته، فهل تستمر سيطرة بعض المعلومات الخاطئة التي استقاها الإنسان في مراحله الأولى على قراره حتى وإن أصبح وزيراً؟

التعليقات (2):
  • عليان السفياني الثقفي ٢٠١٦/١٠/٢٨ - ٠٧:٥٧ ص

    اسمع يا عم عبدالله...
    انا نحال..منتف ولكن رزقي على الله...وما يتعرض له النحالين الجادين من بعض الناس واهل الديار والمشبكين على اراضي الدولة يجعلك تفكر في امور كثيرة كلها غير جيدة..عن ناسك وبلدك والانظمة التي تحكم امور الناس... لكن... الاستدراكية هنا ليست لما قلت سابقا.. بل عودة للموضوع حقك...فكل اناء بما فيه ينضح..وكلا يعطي مما يملك ...وان استخدمت التلميح والترميز ونقل الردود بعيدا عن الموضوع فليس تهريجا... بل نقدا لامور معينة وفقط اللبيب من يفهمها.....وفي تعليقات قديمة في صحف مختلفة... قلت ان الكادر الاداري القيادي هو سبب سوء انتاجية الموظف السعودي...ونحن ايضا قيدنا هذا الكادر بنزع صلاحية معاقبة الموظف بشكل مؤثر كالفصل مثلا مثلما يعمل به في امريكا...لهذا اين الخلل ومن سببه ؟اعطوا صلاحية للكادر القيادي تصل حتى فصل الموظف الكسلان وسترون الفرق....ابتسم

  • د. عليان العليان من UK مع ألتّّحيّه ٢٠١٦/١٠/٢٨ - ٠٢:٤١ م

    قول على قول
    استاذنا الفاضل / عبد الله الشمري موضوع جميل عن عالم الحيوان وخاصة ما انتقيت منها وهو الفيل الذي عقله يساوي عقل طفل ممكن ان يادرب على بعض الالعاب السيركيه علاوة على انه حيوان اليف ولا يهلو احياناً من العنف اذا مورس عليه نوع منه فيضعر حريته واسقلاله وقوة شخصيته وهذا يدل على انه افضل من كثير من البشر المسعبدين الى الابد اذ انٰهم يساهلون هذا الاستعباد الابدي كونهم من فصيلة الجبناء في هذا العالم إن من انسان او حيوان ماعلينا جميل استخدامك قصة الفيل للوصول الى قصة معالي الوزراء الثلاثه،، المهم تفضلت بالقول ان النائب كان طياراً حربياً يعني ماله خبره او علاقة بالقتصاد وان وزير الخدمه تم الاستغناء عن خدماته سابقاً واحضراً وعيٰن إبنه في مكان غير مناسب،، ليتك اكملت لنا جميلك واوردت لنا إي معلومه عن معالي وزير الماليه ،،
    آخر الكلام :
    يبدو أنّ ليس كل ما يُعرف يقال في كثير من الاحوال .


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى